◄ الكلباني: نحتاج إلى تزكية النفس في رمضان والاستغناء عن الاستهلاك الترفي
◄ الشماخية: متابعة التريندات تسببت في ظهور “النهم الاستهلاكي”
◄ البلوشي: الممارسات الاستهلاكية في رمضان تعكس مفارقة مؤلمة مع المغزى من الصيام
◄ العلوي: نحتاج إلى سلوك اجتماعي واعٍ للتحرر من الاستهلاك المفرط
اخبار عمان ناصر العبري
أكد عددٌ من المُواطنين أنَّ شهر رمضان يشهد زيادة في مؤشرات الاستهلاك، رغم أنَّه شهر للصيام والعبادة والزهد. وأضافوا تصريحات لـ”اخبار عمان” أنه من الضروري تعزيز الوعي المجتمعي بتقليل الاستهلاك المفرط والابتعاد عن سباق الشراء بغرض المباهاة والتفاخر، وإعلاء قيم التلاحم المجتمعي ومساعدة الأسر الفقيرة.
ويقول سلطان بن راشد الكلباني عضو المجلس البلدي مُمثل ولاية عبري، إنَّ شهر رمضان هو شهر للعبادة وتزكية النفس والسيطرة على شهوات النفس، كما أنه فرصة لإعادة تنظيم علاقتنا بالأكل والحد من الاستهلاك الترفي والمبالغة في شراء الأشياء غير الضرورية، مشددا على ضرورة تحسين بعض سلوكيات الاستهلاك وغرس مفاهيم العبادة الصحيحة في الأبناء والاستغناء عن غير الضروريات خلال التسوق.
وحول الوسائل التي يمكن تطبيقها لتجنب الاستهلاك الترفي، يوضح: “ذكّر نفسك وأهلك أنَّ رمضان شهر عبادة وضبط نفس وليس شهر ولائم وتسوق، ضع ميزانية واضحة للشهر وقسم الميزانية أسبوعيًا ولا تشتري كميات لشهر كامل، وخصص جزءا للصدقة حتى تشعر بقيمة المال وتُحافظ عليه ولا تستهلكه في غير المفيد”.
من جانبها، تشدد جوخة بنت علي الشماخية عضو المجلس البلدي ممثلة ولاية عبري، على ضرورة الاهتمام بالجوانب الروحية في رمضان مثل الصيام والعبادة والذكر وقراءة القرآن والصدقة وتربية النفس وصلة الأرحام، وذلك في ظل تسارع رتم الحياة والانشغال عن العبادة في بقية شهور السنة، وفي ظل الانفتاح الذي أحدثته منصات التواصل الاجتماعي وأدخلت على مجتمعاتنا العربية الكثير من العادات الدخيلة.

وتذكر: “في رمضان نحتاج إلى خلوة مع النفس نعيد فيها حساباتنا مع أنفسنا لنخرج من رمضان ونحن ننعم بروح جديدة، وهذا هو الاستعداد والاحتياج الحقيقي الذي نُريده، أما ما يحصل الآن من تكريس الاهتمام على كثرة الشراء أكثر من اللازم ومتابعة التريندات والصيحات التي بدأت تغزو مجتمعنا بسبب التسويق والترويج الجاذب لها في مواقع التواصل الاجتماعي، ودفع المال في سبيل توفيرها، فلا أظن أنها ذات أهمية، للأسف بعض الأسر تتسابق في اقتنائها للشكليات من زينة وفوانيس وإضاءات وأوانٍ ومواعين، وأحيانا بشكل مبالغ فيه، أيضا لاحظت أن هناك من يقوم بتصوير زينة بيته أو سفرته الرمضانية بصورة يومية، ويتعمد أن ينشر ذلك في مختلف مواقع التواصل، ليقول للآخرين بصورة غير مباشرة انظروا إلى زينة بيتي وإلى مائدة طعامي، وهذا الأمر قد يكون له تأثير سلبي على الأسر التي لا تستطيع توفير هذه الأشياء، خاصة أن هذه الأمور جاذبة للأطفال، ونعرف مشاعرهم الصغيرة، فقد تصيبهم الغيرة، وقد يشعرون بالنقص لأنَّ أسرتهم غير قادرة على توفيرها لهم، بل والأدهى والأمر أصبحت هناك ملابس نسائية خاصة برمضان، وتجمعات نسائية يطلقن عليها اسم “الغبقة” يظهر فيها التنافس في اللبس وتسريحة الشعر وغيرها، ومائدة مأكولات ومشروبات مما لذّ وطاب، وهذا النوع من التجمع مستحدث ودخيل على مجتمعنا العُماني، والكلام هنا أخص به النساء، فحقيقة هن مَنْ يتهافتن على الشكليات والتوافه”.
وتتابع قائلة: “ثقافة الشخص ووعيه وقناعاته هي أكبر رهان في تغيير توجّهاتنا، وبالتالي تغيير طريقة استعدادنا الروحي وتجهيز أنفسنا لاستقبال شهر رمضان”.
وفي السياق، يشير الدكتور يوسف بن عوض بن سالم البلوشي إلى أنه مع اقتراب شهر رمضان تتغير ملامح الأسواق لتمتلئ بالمنتجات والبضائع، وتزدحم المتاجر بالعروض والتخفيضات لتتحول قوائم المشتريات إلى صفحات طويلة تتجاوز في بعض الأحيان احتياجات الأسرة الفعلية، مبينا أنه على الرغم من أن رمضان شهر للعبادة والزهد وإصلاح النقص، إلا أن بعض الممارسات الاستهلاكية فيه تعكس مفارقة مؤلمة بين روح الشهر ومظاهر السلوك اليومي.
ويضيف البلوشي: “من أبرز صور هذا الإسراف شراء كميات كبيرة من الأطعمة تفوق حاجة الأسرة، بدافع الخوف من نفاد السلع أو التأثر بالعروض التجارية، فتُخزَّن المواد الغذائية في المطابخ والمخازن، وتُنسى بعضها حتى تنتهي صلاحيتها، لتُرمى لاحقًا في سلال المهملات، ولا يقف الأمر عند التخزين، بل يتعداه إلى إعداد موائد عامرة بأصناف متعددة تفوق قدرة الأسرة على الاستهلاك، فيُستهلك جزء يسير منها، ويُهدر الباقي دون تفكير في البدائل الممكنة من حفظٍ أو توزيعٍ أو إعادة توظيف، كما يظهر الإسراف في شراء أوانٍ وأدوات منزلية جديدة كل عام، رغم وجود ما يكفي في مخازن البيوت، فتتحول بعض البيوت إلى مستودعات لأدوات لا تُستخدم إلا مرة واحدة، أو لا تُستخدم مطلقًا، في حين أن قيم الترشيد وحسن التدبير من صميم أخلاقيات المسلم، لاسيما في شهرٍ يتعلم فيه الصائم معنى الكفِّ والاقتصاد وضبط الشهوة، وهذه الممارسات لا تنسجم مع مقاصد رمضان، الذي شُرع لتزكية النفس وتعويدها على الاعتدال”.

ويلفت البلوشي إلى أن الإسراف في الشراء أو الاستهلاك ليس مجرد سلوك اقتصادي غير رشيد، بل هو خلل قيمي يعكس ضعفًا في إدارة الرغبات وتقدير النعمة، موضحا: “من المؤسف أن يتحول شهر الإحساس بالفقراء إلى موسم زيادة الفاقد الغذائي، في وقتٍ تشير فيه تقارير عالمية إلى أن جزءًا كبيرًا من الهدر الغذائي يحدث في المناسبات والمواسم، وتتعدد دوافع هذا الإسراف؛ ومنها ما هو اجتماعي، كالرغبة في مجاراة الآخرين أو الخشية من النقد في حال قلة الأصناف على المائدة، ومنها ما هو نفسي، والشعور بالرضا المؤقت الناتج عن الشراء، أو الربط غير الواعي بين الوفرة والكرم، ومنها ما هو تجاري، حيث تسهم الحملات الإعلانية المكثفة في تعزيز ثقافة الاستهلاك بوصفها جزءًا من أجواء الشهر، غير أن الكرم الحقيقي لا يقاس بكثرة الأصناف، بل بحسن التقدير وعدالة التوزيع، فالكرم في رمضان يتجلى في إطعام المحتاج، وفي مشاركة الفائض، وفي تجنب إهدار النعمة، وقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا على البساطة والاعتدال، دون تكلف أو مغالاة، رغم كونه أكرم الناس”.
ويؤكد البلوشي أن معالجة هذه الظاهرة تبدأ من وعي الأسرة بدورها في التخطيط الرشيد، إذ يمكن أن تُعد الأسرة قائمة مشتريات واقعية مبنية على عدد أفراد الأسرة واحتياجاتهم الفعلية، وتقسيم المشتريات على فترات متقاربة بدلا من شراء كميات كبيرة دفعة واحدة، والتخطيط المسبق لوجبات الأسبوع لتقليل الفائض، وإعادة استخدام بقايا الطعام بطرق صحية وآمنة، كما أنه من المفيد تخصيص جزء من الميزانية لدعم الأسر المحتاجة بدل إنفاقه على كماليات غير ضرورية، إذ يعتبر هذا الأمر فرصة لإشراك الأبناء في ثقافة الترشيد، ليكون رمضان مدرسة تربوية في إدارة الموارد”.
ويقول: “على المؤسسات المجتمعية والإعلام دور مهم في نشر ثقافة الاستهلاك المسؤول، من خلال حملات توعوية تبرز العلاقة بين الترشيد والقيم الإسلامية، وتشجع على المبادرات المجتمعية لجمع الفائض وتوزيعه بطرق منظمة، فرمضان فرصة لإعادة ترتيب أولوياتنا، ومراجعة علاقتنا بالنعم التي بين أيدينا، فحينما نضبط سلوكنا الاستهلاكي، فإننا لا نوفر المال فحسب، بل نحقق مقصدًا تعبديًا وأخلاقيًا، والاقتصاد في النفقة لا يعني التضييق، بل يعني الاعتدال الذي يحفظ النعمة ويصون الكرامة”.
بدوره، يوضح الدكتور ياسر بن حمود بن عبدالله العلوي أن شهر رمضان في الوعي الجمعي يرتبط بسياسة الترشيد وضبط الاستهلاك، لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في حجم الإنفاق بقدر ما تكمن في طبيعة الاستهلاك نفسه، مبينا: “نحن لا نستهلك أكثر فقط، بل نستهلك أحيانًا بلا معنى، والترفيه في رمضان إن أُعيد تعريفه لا يتعارض مع روح الشهر، بل قد يكون داعمًا لها، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الترفيه من مساحة للتواصل والراحة النفسية إلى سباق استهلاكي تحكمه الإعلانات والعروض الموسمية، فيغدو الشهر الفضيل موسم إنفاق مضاعف بدل أن يكون موسم توازن”.

ويقول العلوي، إن سياسة الترشيد لا ينبغي أن تُطرح كحرمان أو تقشف، بل كاختيار واعٍ يعيد ترتيب الأولويات، مبينا: “الأولويات تكمن فين: ترفيه أقل تكلفة وأكثر عمقًا، موائد أبسط لكن أكثر حضورًا للأسرة، استهلاك يراعي القيمة لا المظهر، كما أن الترشيد في رمضان يحمل بعدًا تضامنيًا مهمًا في خفض الاستهلاك الترفي الفردي ويفتح المجال لتوجيه الموارد نحو مبادرات مجتمعية، أو دعم أسر أقل حظًا، وهو ما يعكس جوهر الشهر القائم على الإحساس بالآخر، ومن هذا المنطلق، فإنَّ سياسة الترشيد في السياق العُماني لا تتعارض مع العادات والتقاليد بل تنبع منها”.
ويتابع قائلاً: “المائدة العُمانية في أصلها قائمة على البساطة والتشارك، والترفيه الرمضاني الأصيل كان ولا يزال مرتبطًا بالمجتمع والأسرة لا بحجم الإنفاق، والرهان اليوم يكون على تحويل هذه القيم من ممارسات فردية متفرقة إلى سلوك اجتماعي واعٍ، يجعل من رمضان شهرًا للتوازن، لا موسمًا للاستهلاك المضاعف، والحقيقي ليس في الحد من الترفيه، بل في تحريره من الاستهلاك المفرط، عندها فقط يتحول الترشيد من شعار موسمي إلى ثقافة مستدامة، تمتد آثارها لما بعد رمضان.”.
