- الصوم جُنّة روحية وصحية تحمي الإنسان من أمراض العصر
- الصيام راحة للمعدة والبنكرياس وخفض لضغط الدم وتحسين للمناعة
- الاعتدال بعد الإفطار شرط أساسي لجني الفوائد الصحية للصيام
أكد البروفيسور في علم وظائف الأعضاء بكلية الطب والعلوم الطبية بجامعة الخليج العربي، وعضو جمعية السكري البحرينية د. طارق الشيباني أن الصوم في الإسلام ليس مجرد عبادة زمنية محدودة بساعات الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو منظومة متكاملة لصيانة الجسد وتهذيب النفس وبناء التوازن الصحي والروحي للإنسان، مشيراً إلى أن قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» يحمل أبعاداً صحية وسلوكية عميقة، إذ إن التقوى لا تقتصر على الجانب التعبدي، بل تمتد لتشمل حماية الإنسان من أضرار الإسراف الغذائي والأمراض الة به.
وأوضح الشيباني أن التساؤل حول سبب فرض الصيام كركن أساسي من أركان الإسلام وعدم جعله أمراً اختيارياً، يجد إجابته في الأثر الشامل للصوم على صحة الإنسان الجسدية والنفسية، لافتاً إلى أن السنة النبوية عززت هذا المفهوم من خلال صيام أيام إضافية مثل الاثنين والخميس، والأيام البيض من كل شهر، وستة أيام من شوال، ويوم عرفة، وهو ما يعكس أهمية الصوم كمنهج حياة متكرر وليس موسماً عابراً.
وبيّن أن من المهم التفريق بين «الصيام» و«الصوم»، فالصيام هو الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغرب، بينما الصوم بمعناه الأشمل يتضمن كفّ اللسان والجوارح عن كل ما يسيء، مستشهداً بقوله تعالى في سورة مريم: «إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً»، حيث جاء الصوم بمعنى الامتناع عن الكلام. وأضاف أن الصوم بهذا المفهوم الواسع يربي الإنسان على ضبط النفس، والابتعاد عن الغيبة والنميمة والسلوكيات السلبية، ليكون تهذيباً متكاملاً للروح والجسد معاً.
وأشار إلى أن الحديث الشريف «الصوم جُنّة» يختصر كثيراً من المعاني، فالجُنّة تعني الوقاية والحماية، والصوم بالفعل يمثل درعاً واقياً من كثير من الأمراض الناتجة عن الإفراط الغذائي ونمط الحياة غير الصحي. ولفت إلى أن الجذر اللغوي لكلمة «جُنّة» يرتبط بالستر والحماية، وهو ما ينسجم مع وظيفة الصوم كحاجز يحمي الإنسان من اختلالات صحية متعددة.
وأكد الشيباني أن من أبرز الفوائد الصحية للصوم دوره في تخليص الجسم من السموم المتراكمة نتيجة تناول الأطعمة المصنعة والمعلبة والمواد الحافظة على مدار العام، إذ تُخزَّن هذه السموم في الخلايا الدهنية. وأوضح أن الجسم أثناء الصوم، ومع انخفاض مستوى الطاقة الناتج عن الامتناع عن الطعام، يبدأ في استخدام الدهون المخزنة كمصدر بديل للطاقة، ما يؤدي إلى تحللها وتحرر السموم المختزنة فيها، ثم تقوم الكبد بمعالجة هذه المواد والتخلص منها عبر البول أو الفضلات، وهو ما يشبه عملية تنظيف طبيعية شاملة للجسم.
وأضاف أن الصوم يسهم بفاعلية في تقليل نسبة السكر في الدم، مبيناً أن كثرة الأكل وارتفاع الدهون في الجسم يقللان من كفاءة هرمون الأنسولين الذي تفرزه غدة البنكرياس لتنظيم مستوى الجلوكوز. ومع تراكم الدهون، يحدث ما يُعرف بمقاومة الأنسولين، وهي السبب الرئيسي للإصابة بالسكري من النوع الثاني الذي يمثل النسبة الأكبر من حالات السكري عالمياً. وأكد أن الصوم يقلل من الدهون المتراكمة ويحسن حساسية الخلايا للأنسولين، ما يساعد على إدخال الجلوكوز إلى الخلايا وخفض مستواه في الدم، مع التشديد على ضرورة مراجعة مرضى السكري لأطبائهم المختصين قبل الصيام لتقييم حالتهم الصحية.
وأوضح أن الصوم يسهم كذلك في خفض ضغط الدم، حيث إن تراكم الدهون في الشرايين يفقدها مرونتها الطبيعية ويؤدي إلى ارتفاع الضغط ومضاعفاته الخطيرة على القلب والأوعية الدموية. وبيّن أن الامتناع المنظم عن الطعام يساعد على تقليل هذه الترسبات الدهنية وتحسين كفاءة الدورة الدموية.
وأشار إلى أن الدراسات العلمية أظهرت أن الصوم يعزز أداء جهاز المناعة، إذ يزيد من تحفيز إنتاج كريات الدم البيضاء المسؤولة عن الدفاع ضد العدوى، كما يسهم في تحسين التوازن الهرموني داخل الجسم. وتطرق إلى أبحاث العالم الياباني يوشينوري أوسومي، الحائز على جائزة نوبل في الطب، حول «الالتهام الذاتي»، وهي عملية حيوية تقوم فيها الخلايا بإعادة تدوير مكوناتها والتخلص من الخلايا التالفة أو المريضة أو الهرمة. وأوضح أن الصوم يحفز هذه العملية، ما يساعد على تجديد الخلايا وتقليل فرص نمو الخلايا غير الطبيعية، مشيراً إلى أن نمط الصوم الإسلامي يعد من الأنماط الطبيعية الفعالة لتنشيط هذه الآلية الحيوية. وأضاف أن الصوم يمنح المعدة والبنكرياس راحة حقيقية بعد عمل متواصل طوال العام، حيث تعمل المعدة باستمرار على الهضم، ويستمر البنكرياس في إفراز الأنسولين لتنظيم السكر.
وأكد أن هذه الراحة المؤقتة تعيد التوازن للجهاز الهضمي والتمثيل الغذائي، بشرط الاعتدال في وجبات الإفطار وعدم الإفراط في الأطعمة الدسمة. كما أشار إلى دراسات أُجريت على الحيوانات أظهرت أن تقليل السعرات الحرارية أو الصوم المتقطع قد يسهم في إطالة العمر وتحسين الصحة العامة، لافتاً إلى أن الأبحاث ما زالت مستمرة لدراسة هذه التأثيرات على البشر بشكل أوسع. واختتم البروفيسور طارق الشيباني تصريحه بالتأكيد على أن الصوم يجمع بين البعد الإيماني والصحي في آن واحد، وأنه يمثل فرصة سنوية لإعادة ضبط نمط الحياة، وتقليل عوامل الخطورة الة بأمراض العصر مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب. ودعا إلى ممارسة الصوم بروحه الشاملة التي تجمع بين الامتناع عن الطعام وضبط السلوك، مشدداً على أن الالتزام بالاعتدال بعد الإفطار هو الضمان الحقيقي للاستفادة الكاملة من هذه العبادة العظيمة.
