تشهد خريطة الأمراض السرطانية، تحولاً لافتاً مع تراجع معدلات التدخين في عدد كبير من دول العالم، إذ برز اتجاه مقلق يتمثل في تزايد نسبة حالات سرطان الرئة بين أشخاص لم يسبق لهم التدخين مطلقاً.
ويُعرف هذا النوع طبيا بسرطان الرئة لدى غير المدخنين، وقد أصبح يمثل حصة متنامية من إجمالي التشخيصات الجديدة للمرض، الأمر الذي يدفع الأوساط العلمية والطبية إلى إعادة النظر في المفاهيم التقليدية التي تربط المرض حصرياً بالتدخين، والمطالبة بفهم أعمق لأسبابه وآلياته وطرق التعامل معه.
وتؤكد دراسة علمية حديثة نُشرت في دورية Trends in Cancer، أن سرطان الرئة لدى غير المدخنين يشكل تحدياً صحياً عالمياً متصاعداً، ليس فقط بسبب ارتفاع نسبته، بل أيضاً نتيجة اختلافه البيولوجي والإكلينيكي عن سرطان الرئة المرتبط بالتدخين.
ويوضح الباحثون في الدراسة، أن الاستراتيجيات الوقائية وبرامج الفحص التي أثبتت فعاليتها لدى المدخنين لا يمكن تعميمها تلقائياً على غير المدخنين، ما يستدعي تطوير نماذج جديدة لتحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر خارج إطار التدخين التقليدي.
وتكمن إحدى أبرز المشكلات المرتبطة بهذا النوع من السرطان، في صعوبة اكتشافه مبكراً، فالأعراض غالباً ما تكون عامة وغير محددة، مثل السعال المزمن، والإرهاق، وضيق التنفس، وأحياناً صعوبة البلع.
ونظراً لغياب تاريخ التدخين، فإن المرضى أنفسهم قد لا يشتبهون في وجود مشكلة خطيرة، كما قد يميل الأطباء إلى إرجاع هذه الأعراض إلى أسباب حميدة كالحساسية أو التهابات الجهاز التنفسي.
ويؤدي هذا التأخر في الاشتباه في كثير من الحالات إلى تشخيص المرض في مراحل متقدمة، حين تصبح خيارات العلاج محدودة وتقل فرص الشفاء الكامل.
ويرى الباحثون، أن رفع مستوى الوعي المجتمعي والطبي بأن عدم التدخين لا يعني انعدام خطر الإصابة بسرطان الرئة يمكن أن يحدث فارقاً كبيراً في سرعة التشخيص، فمجرد التفكير في احتمال الإصابة قد يدفع إلى إجراء فحوصات تصويرية مبكرة أو إحالة المريض إلى اختصاصي، ما يزيد احتمالية اكتشاف الورم في مرحلة يمكن فيها التدخل العلاجي بشكل أكثر فاعلية.
وفي الوقت الذي يُعد فيه التدخين، العامل الرئيسي المعروف للإصابة بسرطان الرئة، تشير الأدلة المتزايدة إلى وجود عوامل خطر أخرى تلعب دوراً في حالات غير المدخنين.
تلوث الهواء
وتشمل هذه العوامل تلوث الهواء، خاصة الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء، والتعرض لغاز الرادون الذي قد يتراكم في المنازل دون أن يُلاحظ، إضافة إلى التدخين السلبي والتعرض للإشعاعات وبعض الأمراض الالتهابية المزمنة، كما بدأ العلماء في دراسة تأثير الطفرات الجينية الموروثة التي قد تزيد من قابلية بعض الأشخاص للإصابة حتى في غياب أي سلوكيات خطرة.
ويفتح الاهتمام بالعوامل الوراثية الباب أمام إمكانية تطوير نماذج تقييم مخاطر أكثر دقة، تعتمد على مزيج من البيانات الجينية والبيئية والطبية. مثل هذه النماذج قد تسمح مستقبلاً بتحديد فئة “غير المدخنين عاليي الخطورة” وهي خطوة ضرورية لتصميم برامج فحص موجهة وفعالة من حيث التكلفة، بدلاً من الاعتماد على معايير تقتصر على عدد سنوات التدخين فقط كما هو الحال حالياً في معظم الدول.
على المستوى الجزيئي، كشفت الدراسة عن اختلافات واضحة بين سرطان الرئة المرتبط بالتدخين ونظيره لدى غير المدخنين. فالأخير غالباً ما يكون من نوع السرطان الغدي، ويتميز بوجود ما يُعرف بـ”الطفرات المحركة” التي تلعب دوراً مباشراً في نمو الورم. ومن أبرز هذه الطفرات تغيرات في جين EGFR أو اندماجات في جين ALK، وهي تغيرات يمكن استهدافها بأدوية موجهة أثبتت نجاحاً ملحوظاً في تحسين النتائج العلاجية لدى المرضى الذين يحملونها.
في المقابل، تميل أورام غير المدخنين، إلى احتواء عدد أقل من الطفرات الإجمالية مقارنة بأورام المدخنين، وهو ما قد يجعلها أقل استجابة للعلاج المناعي المعتمد على تنشيط الجهاز المناعي ضد الخلايا السرطانية، ويفرض هذا الاختلاف تحدياً إضافيا أمام الأطباء، ويؤكد ضرورة تبني نهج علاجي مخصص يعتمد على الخصائص الجزيئية لكل مريض، بدلاً من تطبيق بروتوكولات موحدة على جميع الحالات.
ورغم التطورات في مجال العلاج الموجه، فإن الوقاية تظل الهدف الأسمى. وقد أشار الباحثون إلى مجموعة من التدخلات المحتملة، منها برامج وقاية مخصصة للأشخاص الذين لديهم استعداد جيني موروث، واستراتيجيات مضادة للالتهاب لمن يعانون من التهابات مزمنة أو تعرض طويل الأمد للتلوث. كما تبرز أهمية التدخلات على مستوى الصحة العامة، مثل مراقبة مستويات الرادون في المباني، وتشديد القوانين المتعلقة بجودة الهواء، وتقليل التعرض للتدخين السلبي في الأماكن المغلقة.
ولا يقل البعد الاجتماعي والنفسي لهذا النوع من السرطان أهمية عن البعد الطبي، فالكثير من المرضى الذين يُشخصون بسرطان الرئة رغم أنهم لم يدخنوا يوماً، قد يواجهون صدمة مضاعفة، إذ يرتبط المرض في أذهان الناس بالتدخين، ما قد يخلق نوعاً من الوصم غير المبرر وتصحيح هذه الصورة النمطية أمر ضروري، ليس فقط لدعم المرضى نفسياً، بل أيضاً لتعزيز الوعي العام بأن السرطان مرض متعدد العوامل ولا يمكن حصر أسبابه في سلوك واحد.
تباينات جغر افية
كما تشير بعض الإحصاءات إلى وجود تباينات جغرافية لافتة، إذ تسجل بعض الدول نسباً أعلى في سرطان الرئة لدى النساء غير المدخنات، ما يعزز فرضية وجود عوامل بيئية أو جينية خاصة بتلك المناطق. ويقول الباحثون إن هذا التنوع في الأنماط الوبائية يستدعي تعاوناً دولياً في البحث وتبادل البيانات، بهدف الوصول إلى فهم أكثر شمولاً للمرض على مستوى العالم.
ويرى الباحثون أن المعركة ضد سرطان الرئة تمر بمرحلة تحول مهمة، فبينما تستمر الجهود في مكافحة التدخين باعتباره السبب الأكبر، تبرز الحاجة إلى توسيع نطاق الرؤية ليشمل الفئات التي كانت تُعد سابقاً خارج دائرة الخطر.
ويقول الباحثون في الدراسة، إن الاستثمار في البحث العلمي، وتطوير أدوات فحص دقيقة، وتعزيز الوعي بأن عبارة “غير مدخن” لا تعني انعدام الخطورة، هي خطوات أساسية في مواجهة هذا التحدي الصحي المتنامي.
ولا يقتصر فهم سرطان الرئة لدى غير المدخنين على كونه مسألة علمية بحتة، بل يمثل ضرورة صحية ملحة تفرضها التحولات الوبائية في العصر الحديث، وكلما تسارعت الجهود لتحديد عوامل الخطر بدقة، وتطوير برامج فحص ووقاية موجهة، زادت فرص إنقاذ الأرواح وتقليل العبء الإنساني والاقتصادي لهذا المرض الذي لم يعد حكراً على المدخنين كما كان يُعتقد في السابق.
