يبدو أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، يرى أن المملكة المتحدة تحتاج إلى إعادة ضبط دورها في أوروبا، بعد تأكيده خلال خطابه في مؤتمر ميونخ للأمن، أن بلاده لم تعد كما كانت عند التصويت على “بريكست”، متعهداً ببناء علاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي في مجالي الدفاع والتجارة، دون القطيعة مع الولايات المتحدة.

أوضح ستارمر خلال مؤتمر ميونخ، السبت، إلى جانب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، أنه يتحرك نحو تعزيز العلاقات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في مجالي الدفاع والتجارة “بوتيرة عاجلة”.

وفي ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي تُبدي تراجعاً في الالتزام بأمن أوروبا، بدا أن بروكسل بحاجة لإعادة تقييم دور شركائها، حيث دعا ستارمر إلى إعادة هيكلة جذرية للعلاقات عبر حلف شمال الأطلسي “الناتو”، بهدف إنهاء سنوات من “الاعتماد المفرط” على واشنطن، والانتقال إلى علاقة قائمة على ما وصفه بـ”الاعتماد المتبادل”.

وخاطب ستارمر أوروبا واصفاً إياها بـ”العملاق النائم” المستعد للنهوض، مضيفاً أن أوروبا يجب أن تقف على قدميها بنفسها، وأوضح قائلاً: “هذا يعني أن نكون أكثر جرأة، وأن نضع جانباً السياسات الضيقة والاعتبارات قصيرة الأجل. وأن نعمل معاً لبناء أوروبا أقوى، وحلف شمال أطلسي أكثر أوروبية”.

وشدد على مواجهة روسيا التي تعيد التسلح، معلناً نشر مجموعة حاملة طائرات ومقاتلات في القطب الشمالي مع حلفاء الناتو الأوروبيين. وأضاف: “لا مجال للشك، إذا طُلب من المملكة المتحدة تقديم المساعدة اليوم، فستكون حاضرة للدفاع عنكم”.

وأثارت كلمة ستارمر تساؤلات بشأن إمكانية أن تستعيد بريطانيا، موقع القيادة في أوروبا، في ظل قيود عسكرية واقتصادية.
 
وحسبما يرى خبراء عسكريون واقتصاديون وسياسيون أوروبيون تحدثوا لـ”الشرق”، فإن بريطانيا، رغم خروجها من التكتل الأوروبي، فيما بات يعرف بـ”بريكست”، لا تزال تحتفظ بأهمية استراتيجية في القارة العجوز، من خلال قدراتها الدفاعية والاقتصادية ونفوذها الدبلوماسي، لكنها قد تواجه قيوداً في قيادة القارة بسبب وزنها العسكري المحدود والوضع الاقتصادي الداخلي.

رؤية بريطانية جديدة تجاه أوروبا 

مستشار السياسة الخارجية والدفاعية في المفوضية الأوروبية، ماريان دوريس، قال في تصريحات لـ”الشرق”، إن ستارمر، خلال خطابه اللافت في مؤتمر ميونخ للأمن، رسم ملامح رؤية جديدة لدور بلاده في أوروبا، وهي أن “بريطانيا تسعى إلى ترسيخ مكانتها كشريك أمني واستراتيجي لا غنى عنه للقارة”، رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي. 

واعتبر دوريس، أن رؤية بريطانيا ترتكز على 3 محاور أساسية: “قيادة في مجال الدفاع، وتعاون اقتصادي أوثق، وبناء جسور دبلوماسية”.

ففي المرحلة الأولى، لا تزال بريطانيا واحدة من أكبر الدول إنفاقاً على الدفاع في أوروبا بعد ألمانيا، كما تُعد فاعلاً رئيسياً داخل حلف الناتو، وتمتلك قدرات متقدمة في مجالات الاستخبارات والأمن السيبراني والردع النووي. وتسعى لندن، من خلال ذلك تعميق التنسيق العسكري مع الشركاء الأوروبيين، إلى التأكيد أن الريادة الأمنية لا ترتبط بالضرورة بعضوية الاتحاد الأوروبي، وفق دوريس.

أما المرحلة الثانية، فقد أشار دوريس، خلال تصريحاته لـ”الشرق”، لما تحدث عنه ستارمر بشأن توجه بريطاني نحو “مواءمة عملية أقرب” مع الأوروبيين فيما يتعلق بالمعايير التجارية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد، بما يقلل الاحتكاكات ويعزز الثقة المتبادلة.

ومضى يقول: “بالنسبة للمرحلة الثالث، فتتمثل في سعي لندن إلى أداء دور الجسر العابر للأطلسي بين أوروبا والولايات المتحدة، مستفيدة من علاقاتها الدفاعية ونفوذها الدبلوماسي للمساهمة في صياغة ردود جماعية على التحديات الإقليمية والعالمية”.

وفي السياق الأوروبي الراهن، تبرز أهمية بريطانيا، كما يوضح دوريس، من خلال “ما تملكه من أدوات القوة الصلبة واتساع نطاقها الدبلوماسي ودورها كحلقة وصل استراتيجية”.

ففي الجانب السياسي، بعثت حكومة ستارمر بإشارات واضحة إلى رغبتها في إعادة ضبط العلاقات مع الشركاء الأوروبيين، في مرحلة ما بعد “بريكست”، عبر تعزيز التنسيق في ملفات الأمن ومرونة الطاقة والاستقرار الاقتصادي.

وإلى جانب ذلك، تحتفظ لندن بمقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، كما يظل حي المال والأعمال في لندن، أحد أهم المراكز المالية العالمية، فضلاً عن علاقاتها الثنائية العميقة مع واشنطن، وهو ما يضعها في موقع الوسيط بين أوروبا والولايات المتحدة، بحسب درويس. 

قدرات عسكرية واستخباراتية

وفي مرحلة تتسم بالصراعات والاضطرابات في أسواق الطاقة وتصاعد التنافس الاستراتيجي، تستمد بريطانيا أهميتها من قدراتها الذاتية ومن ثقلها الجيوسياسي.

في الجانب العسكري، لفت درويس، في تصريحاته لـ”الشرق”، إلى أن لندن التي تُعد واحدة من القوتين النوويتين في أوروبا، تحافظ على قدرة ردع مستمرة عبر منظومة “ترايدنت”، كما تمتلك قوات متكاملة تشمل حاملتي طائرات، ومقاتلات متطورة، ووحدات بحرية قابلة للانتشار عالمياً.

وأضاف: “وهي كذلك من أكبر المساهمين الأوروبيين في حلف الناتو، ومن بين أعلى الدول الأوروبية إنفاقاً على الدفاع”. 

أما اقتصادياً، فيبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 3  تريليونات دولار، ما يجعلها من أكبر اقتصادات القارة خارج الاتحاد الأوروبي، في حين تبقى لندن المركز المالي الأول في أوروبا في مجالات تداول العملات والأسواق الرأسمالية.

وفيما يتعلق بتأثير الاستخبارات البريطانية في أوروبا وربما عالمياً، يشير دوريس، إلى أن بريطانيا تستضيف واحدة من أكثر وكالات الاستخبارات كفاءة في العالم، كما أنها عضو محوري في تحالف “العيون الخمس”، “ما يمنحها وصولاً مميزاً إلى تدفقات معلومات استخباراتية لا تستطيع غالبية الدول الأوروبية مضاهاتها”. وتابع: “أضف إلى ذلك التكامل الوثيق مع الوكالات الأميركية والتعاون التاريخي مع أجهزة أخرى”.

ومع ذلك، فإن صورة النفوذ الاستخباراتي البريطاني، تتأرجح في بعض الأوساط الإعلامية والسياسية بين المبالغة والتقليل؛ إذ غالباً ما يجري تحليل هذه القدرات بصورة غير دقيقة، ما يؤدي إلى تضخيمها أحياناً أو التقليل من شأنها أحياناً أخرى، على حد قول دوريس.

طموحات بريطانية 

وفي سياق أخر يرى المسؤول السابق في حلف الناتو، نيكولاس وليامز، أنه على الرغم من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلا أن لندن تسعى، إلى لعب دور رئيسي في الشؤون الأوروبية. 

ومع ذلك، يشير ويليامز خلال حديثه لـ”الشرق”، إلى أن بريطانيا لا تمتلك الإمكانات اللازمة لقيادة أوروبا، سواء كانت داخل الاتحاد أم خارجه. 

وعزا وليامز، وهو أيضاً مسؤول سابق في وزارة الدفاع البريطانية، حيث عمل في مجال سياسات الدفاع والتخطيط، ذلك، إلى افتقار لندن حالياً إلى الوزن العسكري والموارد الكافية والموقع الجغرافي الذي يؤهلها لذلك.

ويرى وليامز أن ألمانيا هي “الوحيدة القادرة على الطموح إلى الزعامة الأوروبية”، إلا أن تصريحات ستارمر، بحسب وليامز، كانت بمثابة “رسالة قوية تؤكد أن المملكة المتحدة لن تتخلى عن دورها في الشؤون الأوروبية، لا سيما في مجالي الأمن والدفاع”.

ولكن في الوقت نفسه، أشار وليامز إلى أن بريطانيا تبقى ذات أهمية كبيرة في تعزيز الأمن الأوروبي، حيث تسهم بشكل ملموس في الدفاع عن القارة.

وتؤكد جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، خاصة دول أوروبا الشرقية، أهمية زيادة مشاركة بريطانيا في هذه القضايا. غير أن هذه المشاركة، بحسب ويليامز، تظل محكومة بعلاقة لندن الوثيقة مع واشنطن، وبتفضيلها العمل ضمن إطار حلف الناتو، وهو ما يحد من قدرتها على الانخراط الكامل في مشاريع الدفاع الأوروبية.

أما من حيث الوزن العسكري، فتعد بريطانيا واحدة من القوى العسكرية البارزة في أوروبا. إذ تضيف عنصراً بحرياً حاسماً إلى القوات البرية الأوروبية الكبيرة، مما يعزز قدرة القارة على مواجهة التحديات الأمنية. 

العلاقات البريطانية الأميركية

ولفت وليامز إلى وجود مخاوف تتعلق بالقوة النووية الأوروبية الأخرى، حيث تستخدم فرنسا حق النقض ضد انضمام بريطانيا إلى بعض برامج الاتحاد الأوروبي لتعزيز الدفاع، خشية أن تكون بريطانيا أكثر ولاءً للولايات المتحدة منها للاتحاد الأوروبي.

 فبينما يُبالغ البعض في تقدير تأثير الاستخبارات البريطانية، يقرّ ويليامز، خلال حديثه لـ”الشرق”، بأنها تظل الأكثر قدرة استخباراتياً بين القوى الأوروبية، إذ تتمتع بريطانيا بعلاقة مميزة في تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة، وهي علاقة تمتد منذ الحرب العالمية الثانية.

ومع ذلك، فإن لندن لا يمكنها أن تحل محل واشنطن في هذا المجال، ولا يمكنها مشاركة المعلومات الاستخباراتية الأميركية مع الاتحاد الأوروبي بسبب الاتفاقات الموقعة بين البلدين.

ومن هنا، فإن تعزيز التعاون الاستخباراتي البريطاني مع الاتحاد الأوروبي سيكون مفيداً، لكنه لن يكون حاسماً في صياغة السياسات الأمنية الأوروبية.

أما على الصعيد الاقتصادي،أوضح وليامز أن بريطانيا تواجه صعوبات كبيرة، حيث إنها تعاني من ديون مرتفعة ومعدل نمو ضعيف، وهو ما يحد من قدرتها على زيادة نفقاتها الدفاعية في المستقبل القريب. في هذا الصدد، يلفت ويليامز إلى أن الوضع الاقتصادي البريطاني مشابه للواقع الذي تعيشه فرنسا.

من جانبه يرى فرنسوا شوفانشي، وهو مستشار عسكري سابق في القوات البرية بوزارة الدفاع الفرنسية، أن بريطانيا عقب “بريكست”، لم تتخلَّ عن سعيها إلى تعظيم مكاسبها من القارة الأوروبية، ولكن “دون تحمّل الكلفة الكاملة للشراكة”. 

ويشير شوفانشي في هذا السياق، خلال حديثه لـ”الشرق”، إلى أن المفاوضات المتعلقة بالوصول إلى نظام الملاحة الفضائية “جاليليو” تعكس هذا التوجه بوضوح، ومن هذا المنطلق، تقوم الاستراتيجية البريطانية على استعادة دور قيادي في أوروبا عبر بوابة الأمن، ومن خلال حلف شمال الأطلسي وصناعة الدفاع.

وأوضح شوفانشي، أن خطاب ستارمر في مؤتمر ميونخ للأمن، “منسجم مع هذه الرؤية”؛ إذ تسعى لندن إلى أن تعود أحد مراكز الثقل الاستراتيجي في القارة، ولكن دون العودة مجدداً إلى الاتحاد الأوروبي.

ومنذ عام 2022، اتخذت المملكة المتحدة خياراً واضحاً بجعل الدفاع الرافعة الأساسية لنفوذها السياسي في أوروبا.

غير أن هذه المقاربة، كما يلفت شوفانشي، تقوم على” عناصر قوة حقيقية لكنها تبقى محدودة”. فالمملكة المتحدة تمتلك جيشاً قابلاً للانتشار خارج الحدود، إلا أنه يعاني من ضعف في عديد القوات وصعوبات متزايدة في التجنيد. 

كما أكد أن بريطانيا تحتفظ بقدرة ردع نووي، غير أن صواريخها النووية أميركية الصنع، فضلاً عن قدرات استخباراتية مهمة استفادت طويلاً من آلية “العيون الخمس فقط”، وهي صيغة تعاون تتأثر جزئياً خلال عهد دونالد ترمب.

وفيما يتعلق بمكانة بريطانيا في السياق الأوروبي الراهن، يرى شوفانشي، أن التوتر الذي شاب علاقاتها المميزة مع الولايات المتحدة في عهد ترمب دفعها إلى إعادة توجيه بوصلتها نحو الاتحاد الأوروبي، في محاولة لاستعادة نفوذها على المستوى الإقليمي. 

ورغم أن دورها ظل متحفظاً نسبياً، فإن انخراطها في الملف الأوكراني منذ عام 2015، يعكس رغبتها في الإسهام في الأمن الأوروبي، ولا سيما في مواجهة روسيا.

وفي موازاة ذلك، بحسب شوفانشي، فإن لندن تعمل على “بناء كتلة استراتيجية ذات دفع بريطاني”، عبر “تكثيف الأطر والهياكل خارج الاتحاد الأوروبي”. فهي تقود “القوة الاستكشافية المشتركة (JEF)”، (وهي قوة غير دائمة تضم 10 دول تقع حول بحر الشمال وبحر البلطيق والمنطقة القطبية الشمالية، من بينها الدنمارك وإستونيا وفنلندا وآيسلندا ولاتفيا وليتوانيا والنرويج وهولندا والسويد).

كما عززت لندن، بحسب شوفانشي، شراكات عسكرية ثنائية مع بولندا ودول البلطيق والنرويج والسويد وفنلندا، في إطار شبكة أمنية موازية للأطر الأوروبية التقليدية.

وعلى الجانب الاقتصادي، يشير شوفانشي إلى أن الاقتصاد البريطاني لا يمر بأفضل مراحله، في حين تأثر الجيش البريطاني سلباً جراء سنوات من تقليص الإنفاق، رغم أن ميزانيته تبقى أعلى من نظيرتها الفرنسية خصوصاً في الناتو. 

وفي الوقت ذاته، وبحكم اندماجها العميق في هياكل الناتو ومواقع المسؤولية داخله، تسعى بريطانيا إلى تكريس نفسها قائداً للدفاع الأوروبي، مستندة إلى خبرتها وتحالفاتها.

وبخصوص الجدل الدائر حول تأثير أجهزة الاستخبارات البريطانية في أوروبا وربما عالمياً، يقر شوفانشي بندرة المعلومات الدقيقة المتاحة بشأن هذا الملف، ما يجعل من الصعب إصدار حكم حاسم حول مدى تضخيم هذا الدور أو واقعيته.

هل ينتظر الاتحاد الأوروبي قيادة بريطانية؟

بدوره أوضح أستاذ الدراسات الأوروبية بجامعة ستانفورد في برلين،  أولريك بروكنر، لـ”الشرق”، أن بريطانيا تُعد القوة الأهم بين الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو، عندما يتعلق الأمر بالقدرات الاستخباراتية والعسكرية، مؤكداً أن هذا التوصيف لا ينطوي على أي مبالغة.

فالمملكة المتحدة، بحسب تقديره، “تمتلك أدوات تأثير حقيقية تجعلها شريكاً لا غنى عنه للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، حتى وإن كان من المبكر أو المبالغ فيه الحديث عن (قيادة) بريطانية لأوروبا”.

ويشير بروكنر، خلال حديثه لـ”الشرق”، إلى أن ستارمر يسعى بالفعل إلى إعادة التقارب مع الاتحاد الأوروبي، في محاولة لإعادة تموضع بلاده داخل المعادلة الأوروبية بعد سنوات من التباعد.

غير أن هذا المسعى، برأيه، “لا يعني أن الاتحاد الأوروبي ينتظر قيادة بريطانية”، كما أن “ستارمر لا يملك في الداخل البريطاني أغلبية سياسية راسخة تخوّل له الاضطلاع بدور قيادي من هذا النوع على المستوى القاري”، على حد وصفه.

وفي السياق ذاته، يلفت بروكنر إلى أن أجواء مؤتمر ميونخ للأمن، عكست التحولات التي طرأت على المشهد الدولي منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض.

فالتغير في الإدارة الأميركية أعاد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الالتزام الأميركي بأمن أوروبا، وهو ما دفع العواصم الأوروبية، وكذلك لندن، إلى إعادة تقييم حساباتها الاستراتيجية وتعزيز قنوات التنسيق فيما بينها.

ووفق أحدث بيانات رسمية من الناتو لعام 2025، نقلها موقع UK Defence Journal البريطاني المتخصص في شؤون الدفاع والأمن، يبلغ الإنفاق الدفاعي للملكة المتحدة لعام 2025 نحو 90.5 مليار دولار، ما يجعلها من أعلى دول الناتو إنفاقاً على الدفاع بعد الولايات المتحدة وألمانيا.

ومقارنة بأكبر الاقتصادات الأوروبية، تنفق ألمانيا نحو 93.7 مليار دولار، وفرنسا حوالي 66.5 مليار دولار، وإيطاليا نحو 48.8 مليار دولار.

ووفق موقع الحكومة البريطانية GOV.UK فإن البيانات الرسمية، تشير إلى أن المملكة المتحدة، تنفق نحو 2.3% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، وقد التزمت باستمرار بتحقيق هدف الإنفاق الدفاعي كنسبة من الناتج الإجمالي الذي حدده حلف الناتو، مع التوجه إلى رفع النسبة إلى 2.5% بحلول 2027، وهو معدل أعلى من كثير من دول أوروبا الغربية الكبيرة.

من حيث الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لعام 2026، وفق المسؤول السابق في الناتو، نيكولاس وليامز، تظل بريطانيا “قوة اقتصادية مهيمنة”، متفوقة على فرنسا وإيطاليا، رغم تخلفها عن ألمانيا بشكل واضح.

وأضاف أن الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لعام 2026 في ألمانيا، يصل إلى 5.3 تريليون دولار، والمملكة المتحدة 4.2 تريليون دولار، وفرنسا 3.6 تريليون دولار، وإيطاليا 2.7 تريليون دولار.

وبحسب موقع Global Firepower، المتخصص في تصنيف وتحليل القوى العسكرية العالمية، تمتلك المملكة المتحدة عدداً أقل من القوات النشطة مقارنة بفرنسا، إلا أنها تحافظ على ترتيب عالمي أعلى في مؤشر القوة العسكرية بفضل قدراتها النووية وأساطيلها البحرية المتقدمة.

مقاربة جغرافية

رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي، لم تغادر بريطانيا أوروبا جغرافياً ولا أمنياً. فكما يؤكد مدير مؤسسة باريتو للأبحاث الاقتصادية ومقرها لندن، كليزمان موراتي، فإن أمن الاتحاد الأوروبي “يعني بالضرورة أمن المملكة المتحدة، والعكس صحيح”، ما يجعل المقاربة المشتركة في هذا المجال خياراً استراتيجياً لا مفر منه.

وعلى الرغم من تداعيات “بريكست” والتحديات الاقتصادية الداخلية لدى الطرفين، أكد موراتي لـ”الشرق”، أن “هناك علاقة خاصة لا تزال تربط بين لندن وبروكسل، تتجاوز الاعتبارات السياسية الضيقة”.

وفي هذا السياق، جاء خطاب ستارمر في ميونخ ليؤكد أن “لا أمن لبريطانيا من دون أمن أوروبي، ولا أمن لأوروبا من دون بريطانيا”.

وبحسب موراتي، حاول ستارمر تقديم بلاده بوصفها لاعباً محورياً في إيقاظ “العملاق النائم” لقدرات أوروبا الدفاعية، عبر تعزيز التعاون في مجالات المشتريات العسكرية، والصناعات الدفاعية، بل وحتى تعميق الروابط الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، بهدف تقليص الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة ومواجهة التحدي الروسي.

هذه الرؤية لقيادة ما بعد “بريكست” تبدو منطقية من منظور استراتيجي، إذ أن التهديدات المشتركة تستدعي استجابات جماعية، كما أن بريطانيا لا تزال تمتلك أصولًا مهمة، من بينها الردع النووي، والقدرات الاستخباراتية، ومجموعات حاملات الطائرات.

ويشدد موراتي على أن التعاون الدفاعي “ليس لعبة محصلتها صفر”؛ فالمشروعات المشتركة يمكن أن تحقق كفاءة أكبر في الإنفاق، وتوفر فرص عمل في الصناعات الدفاعية البريطانية، ومن المفترض أن تدفع إلى النمو.

نمو اقتصادي يحد من طموحات النفوذ الدفاعي

ويبدو أن الواقع الاقتصادي، كما يشير موراتي، يفرض قراءة أكثر حذراً، فالنمو في بريطانيا لا يزال ضعيفاً، إذ لم يتجاوز 1.3% في عام 2025، مع توقعات تتراوح بين 1.2 و1.4% لعام 2026.

وأضاف، خلال حديثه لـ”الشرق”: “كما بلغ معدل البطالة قرابة 5.1%، وهو من أعلى مستوياته منذ سنوات، في حين ظل التضخم عند نحو 3.4% أواخر 2025، رغم اتجاهه التدريجي نحو هدف 2%”. 

أما الدين العام، فقد أوضح موراتي، أنه يناهز 95% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تواجه الخدمات العامة ضغوطاً متواصلة، من تراكمات القطاع الصحي إلى تحديات التعليم وأزمات تمويل المجالس المحلية.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، يلفت موراتي إلى أن الالتزامات الأمنية تتطلب موارد مالية كبيرة، في وقت تتنافس فيه مخصصات الدفاع، التي قد تصل إلى 270 مليار جنيه إسترليني خلال الدورة البرلمانية الحالية، مع أولويات داخلية ملحّة، مثل الصحة والرعاية الاجتماعية وخدمة الدين العام.

وإذا استمر ضعف النمو، على حد وصف موراتي، فإن الأسر ستبقى تحت ضغط تآكل الدخول الحقيقية، ما قد يضعف التأييد السياسي لأي إنفاق إضافي يُنظر إليه على أنه موجّه نحو الخارج، خصوصاً إذا ترافق مع استمرار انتظار البريطانيين لتحسين ظروفهم داخلياً. 

وعليه، يطرح موراتي تساؤلات: “هل يمثل هذا التعاون استثماراً اقتصادياً طويل الأجل؟ الإجابة، برأيه، محتملة ولكن مشروطة.

وأشار إلى أنه إذا أفضى الاستثمار البريطاني مع أوروبا، إلى خفض تكاليف المشتريات، وإنعاش القاعدة الصناعية، وفتح فرص تصدير جديدة للتكنولوجيا الدفاعية البريطانية ضمن مشاريع أوروبية، فقد يسهم بالفعل في تحفيز النمو وتمويل إنفاق دفاعي أكبر مستقبلاً.

وهذا تحديداً ما يدافع عنه ستارمر، معتبراً أن الروابط الأقوى تعني “أمناً أكبر ونمواً أقوى” يتيح زيادة الإنفاق.

إلا أن الصورة الراهنة، كما يختم موراتي، تعكس التزاماً سياسياً أكثر منه استثماراً مثبت العوائد. ففي المدى القصير، تحدّ الضغوط الداخلية من قدرة بريطانيا على تقديم مساهمات مالية كبرى. فالقيادة الرمزية، والدور النوعي داخل الناتو، والمساهمات المتخصصة تظل ممكنة؛ أما التعهدات المالية الضخمة أو تحمّل أعباء ثقيلة على نحو مستدام، فقد تفرض مقايضات تؤثر سلباً في الناخبين. 

كما أن التجارب السابقة في مرحلة ما بعد “بريكست”، وفق موراتي، تُظهر أن الاندماج العملي ليس مساراً سهلاً، بل يتطلب إرادة سياسية واقتصادية متماسكة من الجانبين. 

شاركها.