حماة – عدي الحاج حسين

يعيش أهالي حي عين الباد في مدينة حماة كارثة بيئية وصحية غير مسبوقة، تحولت معها الحياة اليومية إلى معاناة مزدوجة، إذ لم يعد الطريق الوحيد المؤدي إلى الحي مجرد ممر للعبور، بل تحول إلى مكب مفتوح لفضلات المسالخ والحيوانات النافقة، يجاور مداخل المنازل والمدرسة في المنطقة، وسط غياب كامل لأي تحرك جاد من الجهات المعنية.

تحدث أهالي الحي ل عن معاناتهم اليومية، جراء انتشار الروائح الكريهة، والأمراض الجلدية، والكلاب الشاردة التي باتت تتغذى على الجيف المتراكمة في المنطقة، ما جعلهم يعيشون في عزلة قسرية، خجلًا من استقبال الضيوف، وخوفًا من هجوم الكلاب على أطفالهم أو إصابتهم بـ”حبة السنة”.

“الطريق الوحيد”.. مكب للنفايات

خالد النايف، أحد سكان الحي، روى ل، بلهجة يملؤها الأسف، تفاصيل المعاناة اليومية التي يعيشها أهالي المنطقة بسبب الكارثة البيئية المحيطة بطريق مدخل حيهم.

ووصف خالد الوضع بأنه “كارثي”، مشيرًا إلى أن طريق الحي من جهة المسلخ البلدي، إضافة إلى منطقة المزارب باتت مكبًا عشوائيًا لفضلات المسالخ والجيف.

و”ما يزيد الطين بلة”، وفق قوله، أن الجرافات (التركسات) تقوم فقط بإزاحة “القاذورات” عن وسط الطريق لتكديسها في أكوام عالية، مما يخلي مساحات جديدة تسمح للمخالفين بإلقاء المزيد من الفضلات.

تحدث خالد عن حادثة تعرض طفل لعضة كلب في ساقه خلال توجهه إلى مفرق الحي. هذه الكلاب، التي “استوطنت” نتيجة تغذيتها المستمرة على دماء وجيف المسالخ، تهاجم المارة وأصحاب الدراجات النارية بشراسة.

قال خالد، إن إصابة الطفل كانت بليغة، وكادت أن تؤدي إلى بتر ساقه.

“كارثة أخرى” مع فصل الصيف، أضاف خالد، وهي انتشار الحشرات والبعوض فوق أكوام الجيف، ما أدى إلى انتشار مرض “الليشمانيا” (حبة السنة) بين أطفال المنطقة، مخلفًا إصابات وتشوهات واضحة في الوجوه والأيدي.

هذا الطريق هو المنفذ الوحيد لأهالي الحي، بحسب خالد، الذي قال إنه بسبب حالة الطريق التي وصفها بـ”المقرفة” أصبح السكان يشعرون بحرج شديد أمام ضيوفهم.

مدرسة محاصرة بالقمامة

“الواقع هنا يتجاوز الوصف، القمامة والجيف تحاصرنا من كل جانب، والطريق الذي يسلكه الطلاب القادمون من منطقة المزارب ليس مجرد طريق، بل هو مكب للحيوانات النافقة التي تتكوم على جانبيه أمام أعين الصغار”، هكذا تحدثت براءة، وهي مديرة مدرسة “عين الباد”، عن الواقع المحيط بالمدرسة.

وقالت مديرة المدرسة ل، “بدأنا ندفع الثمن صحيًا، حبة السنة (الليشمانيا) تنتشر بشكل مخيف بين الطلاب بسبب القوارض والحشرات. ليس الأطفال وحدهم، بل حتى الكادر التدريسي. إحدى الزميلات تعاني من الربو، وقد ساءت حالتها جدًا بسبب الروائح الكريهة، لدرجة أنها تفكر جديًا بترك المدرسة والرحيل لمجرد الهروب من هذا الطريق”.

وأكدت المديرة أنه بسبب سوء حالة الطريق وتراكم النفايات، “بات الوصول إلى المدرسة معضلة. لا أحد يرضى أن يأتي إلى هنا، حتى وسائل المواصلات تعجز عن الوصول، والمعلمات يعانين الأمرَّين. صرنا في عزلة يفرضها القرف والإهمال”.
ووجهت مديرة المدرسة رسالة للجهات المسؤولة، “أدعو كل مسؤول ليأتي ويرى بعينه ما يعيشه هؤلاء الأطفال. ما نتحدث عنه ليس مجرد قمامة، بل هو انتهاك صارخ لكل معاني الإنسانية والطفولة”.

تراكم النفايات وبقايا المسالخ عند مدخل حي عين الباد في حماة - 10 شباط 2026 ()

تراكم النفايات وبقايا المسالخ عند مدخل حي عين الباد في حماة – 10 شباط 2026 ()

منطقة ضائعة بين الحي والقرية

أحمد خلوف، عضو لجنة الحي، لم يخفِ، في حديث إلى، إحباطه مما آلت إليه الأمور، كاشفًا عن أبعاد جديدة للأزمة في الحي الذي بات بلا هوية إدارية ولا خدمات.

أوضح خلوف أن عين الباد تعاني من ضياع هويتها الإدارية بين تصنيفها كقرية أو حي تابع لمدينة حماة.

وذكر أن هذا التخبط تسبب بغياب الميزانيات الخدمية، فحين يطالب الأهالي بالخدمات يُقال لهم “أنتم حي”، وعند مراجعة مؤسسات المدينة يُردّ عليهم “أنتم قرية”، لتسقط المنطقة في سلة النسيان.

أشار خلوف إلى أن عائلته كانت ضحية مباشرة، حيث أصيبت زوجته وأربعة من أبنائه الخمسة بمرض “الليشمانيا”.

ولفت إلى أن المنطقة تعاني من انتشار كثيف للكلاب الشاردة التي تهاجم السكان وتسبب الرعب للأطفال، خاصة أمام المدرسة والمسجد.
وأضاف أن مدرسة الحي تفتقر تمامًا لسور يحمي الطلاب. السيارات والدراجات النارية والكلاب الشاردة تمر داخل ساحة المدرسة وبين الطلاب في أثناء الدوام. كما أن المقاعد الدراسية محطمة، مع نقص حاد في المياه والمرافق الصحية.

وأكد أن العديد من الأهالي اضطروا لنقل أطفالهم إلى مدارس المدينة بتكاليف باهظة، بينما ترك الفقراء التعليم نهائيًا خوفًا على سلامة أولادهم.

في وصف لمشكلة المياه، أشار خلوف إلى أن هناك ثلاث آبار في أراضي عين الباد تضخ المياه لمناطق تبعد 11 كم، بينما يحرم سكان الحي من بئر لا يبعد عنهم سوى كيلومتر واحد. ويضطر الأهالي لشراء صهاريج المياه بأسعار مرتفعة بسبب تهالك الشبكة ونظام “الدور” الذي لا يوفر المياه سوى يومين في الأسبوع.

ولفت إلى أن مدخل الحي يفتقر للإنارة تمامًا، ما جعله عرضة للجرائم، إذ وقعت جريمة قتل قبل عامين، قتل فيها شاب، استغل فيها الجناة الظلام الدامس بهدف سرقة دراجته النارية.
كما أكد أنه قدم العديد من الطلبات للبلدية ولجنة الحي والمختار، لكن دون أي تنفيذ على أرض الواقع.

حجز آليات مخالفة.. وعود بخطة مراقبة

بين شهادات الأهالي الموجعة، ومسؤولية الجهات الرسمية المحدودة، يبقى سكان حي عين الباد تحت كارثة بيئية تستفحل يومًا بعد يوم، وإهمال يفتك بحقهم في العيش بكرامة.

المسؤول في مديرية النظافة بمجلس مدينة حماة، علاء عبد الغني عربو، قدّم ل روايته للأزمة، معترفًا بوجود تقصير، ومقدمًا وعودًا جديدة.

وفي رده على أسباب عودة الرمي العشوائي، أرجعها عربو إلى عدم وجود رقابة كافية، وتقصير في تطبيق الإجراءات القانونية ضد المخالفين، إضافة إلى نقص التوعية البيئية لدى بعض المواطنين وأصحاب المنشآت، وكذلك قلة الموارد البشرية والمالية، وعدم وجود دوريات مراقبة منتظمة.

وحول غياب الشاخصات التحذيرية أو الإجراءات الهندسية، أوضح عربو أن العمل جارٍ لوضعها وستنفذ قريبًا بهدف منع وصول الشاحنات إلى الموقع.

وبيّن أن المجلس يمتلك قائمة بأسماء المنشآت المخالفة، وسيُتخذ الإجراء القانوني بحقها.

وفي ما يخص العقوبات، قال إنه سيتم تطبيق قانون النظافة رقم “49” لعام 2004 وتعديلاته، وقرار محافظة حماة رقم “22” لعام 2025، مشيرًا إلى أنه تم حجز عدد من الآليات المخالفة لرمي المخلفات داخل الأحياء السكنية.

وأكد أن المديرية تقوم بترحيل هذه المخلفات بشكل دوري، ويوجد تعاون مع قوى الأمن الداخلي التي قامت بحجز عشرات السيارات المخالفة، مع خطة لتشكيل دوريات “شرطة بلدية” لمراقبة المحور.

ووعد بتنظيف الموقع بشكل نهائي، ومراقبته بشكل مستمر لمنع عودة الرمي العشوائي، مع العمل على توعية المواطنين بأهمية الحفاظ على النظافة البيئية.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.