أمير حقوق | وسيم العدوي
شكّل إعلان وزارة الخارجية السورية، في آذار 2025، إحداث “الأمانة العامة للشؤون السياسية”، محطة مفصلية في مسار إعادة تنظيم الحياة السياسية في سوريا، ولا يزال في الوقت نفسه يثير جدلًا واسعًا حول طبيعة هذا الكيان الجديد، وحدود صلاحياته، وانعكاساته القانونية والسياسية.
وبحسب تصريح مدير إدارة المنظمات الدولية في وزارة الخارجية والمغتربين، سعد بارود، في يوم الحوار المدني، الذي حضرته، في 15 من تشرين الثاني 2025، فإن “الأمانة العامة للشؤون السياسية” تملأ فراغ حزب “البعث”، الذي كان مرتبطًا بالنظام السابق.
هذا الدور الواسع، كما هو معلن، يطرح تساؤلات قانونية وسياسية عميقة، لا سيما في ظل الإرث الثقيل لحزب “البعث”، الذي ارتبط لعقود بالنظام السابق، وهيمن على الحياة السياسية بموجب نصوص دستورية وقانونية قيدت التعددية والحريات العامة.
إعادة توظيف أصول الحزب وأطره السابقة ضمن كيان جديد، حتى وإن حمل مسمى مختلفًا، يثير مخاوف من أن تكون “الأمانة العامة” بديلًا عمليًا لحزب “البعث”، أو أداة لإعادة إنتاج دوره ووظيفته في ضبط المجال السياسي والسيطرة على المفاصل الحكومية والنقابات، ولكن بصيغة مؤسسية جديدة.
في هذا الملف، تطرح، مقاربة تشكيل “الأمانة العامة للشؤون السياسية” من عدة زوايا: الأولى قانونية، تدرس الإطار الذي أُنشئت ضمنه، وصلاحياتها، وحدودها، والثانية سياسية، تبحث في أثرها على الحريات والحياة السياسية، وقولبة عملها تحت إطار “البعث”، أما الثالثة، فتناقش انعكاسات “الأمانة” المباشرة على المجتمع المدني السوري، في ضوء مخاوف ناشطيه من عودة أشكال الهيمنة القديمة بآليات جديدة.
حاولت التواصل مع المكتب الإعلامي في وزارة الخارجية والمغتربين للاستفسار حول مهام وعمل “الأمانة العامة للشؤون السياسية” دون تجاوب من جانب المكتب.
في ظل مرحلة انتقالية تشهد إعادة تشكيل المشهد السياسي والمؤسساتي في سوريا، برزت “الأمانة العامة للشؤون السياسية”، المعروفة بـ”الهيئة السياسية”، ككيان جديد يثير جدلًا قانونيًا ودستوريًا واسعًا.
في قراءته لواقع إحداث أو تشكيل “الأمانة العامة للشؤون السياسية” التي تعرف بـ”الهيئة السياسية”، قال المحامي والناشط المدني غزوان قرنفل، “لا يوجد سند قانوني أو دستوري يشرّع تأسيس الأمانة العامة للشؤون السياسية، هناك فقط قرار صدر عن وزارة الخارجية السورية في 27 من آذار 2025، برقم 53، بتأسيسها بهدف تنظيم العمل السياسي ومهام مرتبطة بالشؤون السياسية”.
لكن هذا القرار من قبل وزير الخارجية والمغتربين، أسعد الشيباني، لا يعتبر تشريعًا يؤسس لقانونية ممارستها للعمل السياسي على مستوى البلاد، وهذا ما تفعله عمليًا، وفق قرنفل.
وأضاف أن لها ممثلين عنها في مختلف المحافظات، “وكأنها طُوبت كمرجعية سياسية أحادية لشغل الفضاء السياسي في غياب تشريع يسمح بتأسيس أحزاب سياسية في البلاد، حتى يمكن القول اليوم، إن الهيئة السياسية هي (القائد للدولة والمجتمع) كما كان حزب البعث تمامًا”.
أما عن تبعيتها للخارجية، فقال المحامي قرنفل، إنه وضع محيّر لأنه من غير المألوف في العالم ذلك، “لكن أعتقد أنها محاولة من الوزير الشيباني لتكريس موقع قوة مدني يعادل به كفة الميزان الراجحة لمصلحة تيار القوة التابع لوزارة الداخلية”.
اجتماع الأمانة العامة للشؤون السياسية التابعة للخارجية السورية بدمشق برئاسة مدير الأمانة محمد كحالة مع مديري المديريات الفرعية للشؤون السياسية في مختلف المحافظات – 17 تشرين الأول 2025 (سانا)
المادة “14” من الإعلان الدستوري السوري:
-
تصون الدولة حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية وفقًا لقانون جديد.
-
تضمن الدولة عمل الجمعيات والنقابات.
حزب سياسي غير معلن
التأسيس جاء في ظل فراغ الفضاء العام بعد قرار حل الأحزاب القائمة وحظر إنشاء أحزاب جديدة لحين صدور تشريع بذلك، بحسب المحامي السوري غزوان قرنفل، وبالتالي يمكن تفسير تشكيل “الهيئة السياسية” على أنها محاولة استباقية لوضع اليد على الفضاء العام، وإشغاله من قبلها و”تأسيس بنية أخطبوطية ضمن هياكل الدولة ومؤسساتها تدين بالولاء لها، قبل أن يعاود المجتمع السوري تنظيم صفوفه في بنى حزبية”.
وتابع أن قرارات “الأمانة العامة للشؤون السياسية” يفترض نظريًا أنها قرارات إدارية، لأنها تصدر عن جهة ادارية، وبالتالي تفترض إمكانية طلب إلغاء قراراتها أمام القضاء الإداري.
و”الأمانة” هي من الناحية العملية حزب سياسي غير معلن، سيأخذ صفة الديمومة بالتأكيد، وهي حزب مهيمن دون بنية حزبية واضحة، وفق المحامي السوري، لذلك من المهم صدور قانون أحزاب يعيد صياغة الهيئة السياسية كحزب مستقل عن الإدارة، ولا تكون له مزية أكثر من بقية الأحزاب الأخرى فقط لأنه حزب السلطة.
تجربة “البعث” تتكرر
يعتقد الناشط المدني قرنفل أن “تجربة البعث تتكرر حرفيًا، ولكن بصمت”، بحسب تعبيره، فـ”لا حدود ولا شيء واضح يتعلق بدور الأمانة العامة للشؤون السياسية، ومهمتها، وصلاحيتها، وكل شيء مبهم في هذا السياق، والقصد هو بسط السيطرة على مفاصل الدولة، وإداراتها، لتكون السلطة أبدية للنظام الجديد”.
وبالنسبة لممتلكات حزب “البعث” المنحل، التي وضعت “الهيئة السياسية” اليد عليها، يرى المحامي قرنفل أن هذه المقار يجب أن تعود لملكية الدولة، وهي تتصرف بها لخدمة الدولة، وليس من حق السلطة، أو مفرزاتها كالهيئة السياسية استخدامها كمقار لها، لأنها كجهة سياسية يجب أن تكون منفصلة عن الدولة وممتلكاتها.
وأكد أنه يمكن طرح تلك الممتلكات للاستثمار، والعائد منها يدخل الخزينة العامة للدولة.
تأسس أول حزب في سوريا بعد أربعة أيام من سقوط نظام الأسد المخلوع، إذ أعلن الحزب الدستوري السوري (حدْس) من مقرّه بمدينة طرطوس عن بدء عمله العلني في سوريا، وإنهاء فترة “المنفى الاضطراري”، منذ تأسيسه في الخارج عام 2017، مناديًا بمبادئه الخمسة “الديمقراطية، العلمانية، المواطنة، التنمية، السلام”.
لكن هذا الإعلان لم يكن موثقًا قانونيًا في سوريا وسط غياب قانون الأحزاب وترخيصها إلى اليوم.
غياب السند القانوني
قال الدكتور في القانون الإداري بجامعة “دمشق” والمعهد الوطني للإدارة العامة (INA) محمد الحسين، إن “الأمانة العامة للشؤون السياسية” التابعة لوزارة الخارجية السورية لا تستند إلى أي أساس قانوني، موضحًا أن هناك فجوة واسعة وكبيرة بين الصلاحيات الممنوحة قانونًا لوزارة الخارجية وبين الصلاحيات التي أُعطيت لهذه “الأمانة”.
وأشار إلى أن إحداث مثل هذه الهيئة لا يمكن أن يتم إلا بموجب قانون صادر عن الجهة التشريعية المختصة، في حين أن “الأمانة العامة للشؤون السياسية” أُحدثت بقرار إداري صادر عن وزير لا يملك أصلًا الصلاحية القانونية لاتخاذ قرار من هذا النوع.
ومجرد إنشاء هيئة بهذه الطبيعة والصلاحيات عبر قرار إداري يشكّل مخالفة صريحة لمبدأ المشروعية، وفقًا للحسين، كما يعد خروجًا واضحًا عن الأطر الدستورية والقانونية المعمول بها في الدولة.
مخالفة الإعلان الدستوري
أضاف الدكتور الحسين أن أي ثورة تصل إلى الحكم وتنجح في إدارة الدولة تفرض بالضرورة أن تكون الصلاحيات السياسية من اختصاص رئيس الدولة، أو على الأقل من اختصاص مجلس الوزراء برئاسته، ولا سيما في حال وجود فراغ تشريعي.
وهذا الإجراء المتمثل بإحداث “الأمانة العامة للشؤون السياسية” بقرار من وزير الخارجية السوري، لا يتوافق مع مبدأ الفصل بين السلطات وأحكام الإعلان الدستوري، الذي ينص صراحة على وجوب التزام الحكومة بالعمل ضمن القوانين والتشريعات النافذة ما لم يتم تعديلها أو إلغاؤها وفق الأصول الدستورية المعتمدة، بحسب ما أوضحه الحسين.
تجاوز هذه القواعد يشكّل مساسًا بمبدأ سيادة القانون، بحسب الدكتور الحسين، ويؤسس لسوابق إدارية خطيرة قد تفتح الباب أمام فوضى تشريعية وتنظيمية داخل مؤسسات الدولة.
المادة “51” من الإعلان الدستوري السوري:
يستمر العمل بالقوانين النافذة ما لم يتم تعديلها أو إلغاؤها.
تعارض مهام “الأمانة” مع عمل وزارة الخارجية
أوضح الدكتور المختص بالقانون الإداري محمد الحسين، أن صلاحيات “الأمانة العامة للشؤون السياسية” بعيدة عن طبيعة عمل وزارة الخارجية والمغتربين واختصاصاتها المحددة قانونًا، معتبرًا أن الأولى كان إحداث هيئة مستقلة تُعنى برعاية أو استثمار أموال حزب “البعث” المنحل.
واعتبر الحسين أن إلحاق هذا النوع من العمل بوزارة الخارجية لا يتوافق مطلقًا مع القوانين والأنظمة التي تحكم عمل هذه الوزارة، والتي تُعنى حصريًا بإدارة العلاقات الخارجية والشؤون الدبلوماسية.
ويعكس هذا الخلط في الاختصاصات بين الهيئة والخارجية، وفقًا للدكتور الحسين، سوء تنظيم إداري، يؤدي إلى إضعاف دور وزارة الخارجية وتشويه وظيفتها الأساسية.
إدارة أموال حزب “البعث” وآليات الاستثمار
أشار الخبير في القانون الإداري السوري إلى أن الأموال المنقولة وغير المنقولة لحزب “البعث” المنحل يجب أن توضع ضمن صندوق خاص يخضع لإشراف جهة مختصة، ويتم استثمار هذه الأموال بما يحقق العدالة الاجتماعية ويخدم المصلحة العام للدولة.
وفي حال كان الهدف من إنشاء “الأمانة العامة للشؤون السياسية” هو التنسيق فقط، قال الحسين، إنه يمكن عندها تشكيل أمانة عامة داخل وزارة الخارجية والمغتربين أو إنشاء قسم فني مختص يتولى مهام التدريب والتأهيل وتنظيم العمل الدبلوماسي.
وأكد في هذا السياق أنه لا يجوز أن يقود وزير الخارجية السوري العمل السياسي الداخلي في الدولة، لما في ذلك من مخالفة صريحة للقوانين والأعراف الدستورية.
“الأمانة العامة”: تنسيق العمل بين المؤسسات الحكومية
عقد مدير “الأمانة العامة للشؤون السياسية”، محمد كحالة، اجتماعًا تنسيقيًا، في تشرين الأول 2025، ضم مديري المديريات الفرعية للشؤون السياسية في مختلف المحافظات، وذلك في إطار تعزيز التكامل المؤسسي وتطوير الأداء الحكومي، وفقًا لما ذكرته الوكالة السورية للأنباء (سانا).
وخلال الاجتماع، جرت مراجعة شاملة لأعمال المديريات التابعة للأمانة خلال الفترة السابقة، والوقوف على أبرز الإنجازات والتحديات، بالإضافة إلى مناقشة الخطط المستقبلية وآليات تنفيذها بما ينسجم مع التوجهات الوطنية، وبحث سبل تنسيق العمل بين المؤسسات الحكومية.
وشدّد كحالة خلال الاجتماع على أهمية توحيد الجهود وتبادل الخبرات بين المديريات، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب مضاعفة العمل والارتقاء بمستوى الأداء بما يلبي تطلعات المواطنين ويعزز الثقة بالمؤسسات الرسمية.
وخلال العام 2025، أجرت “الأمانة” لقاءات عديدة منها مع رجال دين مسيحيين في سوريا ولبنان، وعدد من النساء الناشطات في دمشق وريفها، وكان لها مشاركات في تفقد مديرياتها، وزيارات للمحافظات مثل دمشق وإدلب وحلب، وكان لافتًا مشاركة وفد من “الأمانة العامة للشؤون السياسية” في زيارة لمجمع الكنائس في دمشق القديمة بمناسبة عيد الفصح المجيد في 2025.

اجتماع الأمانة العامة للشؤون السياسية التابعة للخارجية السورية بدمشق برئاسة مدير الأمانة محمد كحالة مع مديري المديريات الفرعية للشؤون السياسية في مختلف المحافظات – 17 تشرين الأول 2025 (سانا)
العمل السياسي ممنوع داخل وزارة الخارجية، بحسب الخبير في القانون الإداري محمد الحسين، وهو محصور قانونًا بالأحزاب السياسية ومجلس الشعب، على أن تصدر قوانين تنظم عمل الأحزاب بما يتناسب مع الحالة الوطنية والتوجهات السياسية العامة للدولة.
ويعد السماح بممارسة العمل السياسي داخل وزارة سيادية كوزارة الخارجية والمغتربين السورية انتهاكًا لمبدأ الحياد الوظيفي، ويقوّض مهنية السلك الدبلوماسي.
وشدد الأكاديمي السوري على أن تنظيم الحياة السياسية يجب أن يتم عبر أطر تشريعية واضحة ومؤسسات مختصة، وليس عبر قرارات إدارية فردية.
إشكالية الرقابة والجهة المشرفة
تساءل الدكتور محمد الحسين عن ماهية الجهة التي ستتولى مراقبة “الأمانة العامة للشؤون السياسية”، وعن الأجهزة الرقابية المكلفة بالإشراف على عملها ومحاسبتها.
وهذه “الأمانة” إذا تم إحداثها، يجب أن تُشكَّل بأمر مباشر من رئيس الجمهورية وأن ترتبط به بشكل مباشر، باعتباره القائد السياسي العام في الدولة، وليس وزير الخارجية.
واعتبر الأكاديمي المختص بالقانون الإداري أن غياب جهة رقابية واضحة يزيد من خطورة هذه “الأمانة” ويجعلها خارج إطار المساءلة والمحاسبة.
“كان من الواجب أن تكون هذه الهيئة مستقلة، وأن تُشكَّل بنص قانوني صادر عن رئيس الجمهورية، استنادًا إلى مبادئ الحكم الرشيد وسيادة القانون”، بحسب الحسين.
وأكد الخبير بالقانون الإداري أن من المستحيل عمليًا وجود رقابة فعلية على هيئة سياسية تتمتع بهذه الصلاحيات الواسعة، معتبرًا أنها تصبح أكبر من جميع مؤسسات الدولة الأخرى.
وأوضح أن خطورة هذه الهيئة تكمن في أنها مكلفة بالعمل السياسي، ما يجعلها فوق المساءلة إذا لم تُضبط بنصوص قانونية صارمة.
مشروعية القرار وقابلية للطعن
يعتقد الدكتور محمد الحسين أن قرار وزير الخارجية بتشكيل “الأمانة العامة للشؤون السياسية” يُعد قرارًا غير مشروع وقابلًا للطعن أمام القضاء الإداري.
كما أكد أن هذا القرار لا يتوافق مع أحكام الإعلان الدستوري، وكان من الواجب أن تتبع هذه الهيئة لرئاسة الجمهورية أو للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية.
ويعد قرار التشكيل منعدمًا من الناحية القانونية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تشكيل “الأمانة العامة للشؤون السياسية” بموجب قرار صادر عن وزير الخارجية، مختتمًا بالتأكيد أن “البون شاسع بين صلاحيات وزارة الخارجية وصلاحيات هذه “الأمانة”، التي لا يعقل إحداثها إلا بقانون، في حين أنها أُحدثت بقرار إداري صادر عن وزير لا يملك الصلاحية القانونية لاتخاذ مثل هذا القرار”.

لقاء بين مدير الأمانة العامة للشؤون السياسية محمد كحالة ومستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الإعلامية أحمد موفق زيدان في مقر الأمانة بدمشق – 25 أيلول 2025 (سانا)
على مستوى المجتمع المدني، أثار القرار مخاوف واسعة في أوساط الناشطين والناشطات، الذين يرون في “الأمانة العامة” تهديدًا مباشرًا لاستقلالية عملهم، إذ يخشى هؤلاء أن يؤدي توسع صلاحيات “الأمانة” إلى فرض وصاية سياسية على منظمات المجتمع المدني، وتقييد أنشطتها تحت ذرائع تنظيمية أو سيادية، بما يعيد إنتاج أنماط التدخل والسيطرة التي سادت في عهد النظام السابق.
الناشط المدني جورج طلاماس، يرى أن هناك تضاربًا واضحًا في المسؤوليات، خصوصًا بالنسبة للجمعيات والمنظمات المدنية، حيث يتعارض دور “الأمانة” مع اختصاص وزارة الشؤون الاجتماعية، ما يولد غياب الشفافية، وعدم وضوح المرجعية القانونية، وخوفًا من التدخل الانتقائي في نشاطات المجتمع المدني.
وأوضح أن التطبيق يختلف بين المناطق، فبينما تتمتع دمشق وحلب ببعض الحرية، تشهد مناطق أخرى كالساحل وإدلب تدخلًا كبيرًا يطول نشاطات المجتمع المدني والسياسي، بما في ذلك طلب الموافقات المسبقة على الندوات والجلسات التدريبية والمحتوى المقدم.
واعتبر طلاماس أن هذا التدخل لا يُسمّى تنظيمًا بل فرضًا للوصاية على الحياة المدنية والسياسية، وهو عكس ما تهدف إليه الثورة من حرية للأحزاب والمجتمع المدني.
وشدد على أن الحل يكمن في فتح حوار وطني حقيقي، ووضع عقد اجتماعي ودستور يحمي حرية الرأي والتجمع وتشكيل الأحزاب، ويضع المجتمع المدني في موقعه الطبيعي ضمن الفضاء العام، بعيدًا عن سيطرة جهة واحدة أو إعادة إنتاج نموذج الحزب الواحد.
تدخل “الأمانة العامة للشؤون السياسية” يختلف بين المناطق، فبينما تتمتع دمشق وحلب ببعض الحرية، تشهد مناطق أخرى كالساحل وإدلب تدخلًا كبيرًا يطول نشاطات المجتمع المدني والسياسي.
جورج طلاماس
ناشط مدني
قوة الدولة الحقيقية تكمن في احترام حقوق المواطنين وكرامتهم، بحسب طلاماس، الذي يعتقد أن الدولة يجب أن تكون منفصلة عن السلطة التنفيذية التي تتغير عبر انتخابات حرة وتداول سلمي، بما يضمن استقلال المجتمع المدني وحرية عمله.
عراقيل تقلص قدرة المجتمع المدني
الناشطة النسوية والسياسية وعضو مجلس إدارة “رابطة النساء السوريات”، سوسن زكزك، اعتبرت أن لعمل “الأمانة العامة للشؤون السياسية” تأثيرًا كبيرًا على عمل المجتمع المدني في سوريا، مؤكدة أن الأخير ليس مجرد مجتمع خيري، بل هو معنيّ بشكل مباشر بالقضايا السياسية والاجتماعية والحقوقية في سوريا.
وجود “الأمانة العامة” يخلق عراقيل أمام نشاطات النقابات والمنظمات النسوية، بما في ذلك ورشات العمل والندوات، ما يقلص قدرة هذه المؤسسات على أداء دورها السياسي والاجتماعي، بحسب تعبيرها.
وحذرت من أن تدخل “الأمانة العامة” قد يؤدي إلى المنع من العمل في قضايا الديمقراطية أو رفض منح الموافقات اللازمة لها.
الحركة النسوية تولي اهتمامًا خاصًا بالدستور وحقوق النوع الاجتماعي، بحسب زكزك، معتبرة أن أي دستور غير حساس للنوع الاجتماعي سيؤثر سلبًا على مكتسبات النساء، خصوصًا في قضايا مثل الاتفاقية الدولية “سيداو” وسحب التحفظات عنها.
وشددت زكزك على أن تدخل “الأمانة العامة” في قوانين الأحزاب أو الانتخابات قد يؤدي إلى إنشاء أحزاب تابعة للسلطة أو تقييد العمل الحزبي، بما ينعكس مباشرة على قدرة المجتمع المدني والحركة النسوية على المشاركة في صنع القرار.
وأكدت أن الحل يكمن في إلغاء “الأمانة العامة للشؤون السياسية”، ووضع قانون جمعيات حديث يضمن حرية التأسيس والعمل المدني والحصول على التمويل، مع آليات رقابية واضحة، مستندة إلى التجارب المعتمدة في المنطقة.
ما “الأمانة العامة للشؤون السياسية”؟
أعلنت وزارة الخارجية السورية عن إحداث قسم جديد ضمن هيكلية الوزارة تحت مسمى “الأمانة العامة للشؤون السياسية”، “بناء على مقتضيات العمل السياسي، وفي إطار عملية تطوير وتحديث هيكلية العمل والكفاءة السياسية في المرحلة الجديدة وتعزيز المؤسسات الرسمية”.
وأشارت الوزارة، في بيان نشرته في 28 من آذار 2025، إلى أن “الأمانة العامة للشؤون السياسية” سوف تتولى مهام المشاركة في صياغة ورسم السياسات والخطط العامة المتعلقة بالِشأن السياسي، كما ستعمل على إعادة توظيف أصول حزب “البعث العربي الاشتراكي” وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية وما يتبع لها، بما يخدم المهام والمسؤوليات السياسية والوطنية.

من ندوات يوم الحوار مع المجتمع المدني بحضور ممثليين من الحكومة السورية – 15 تشرين الثاني 2025 (/ أمير حقوق)
أثار إحداث “الأمانة العامة للشؤون السياسية” نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية السورية، باعتباره تطورًا مفصليًا في شكل إدارة الحياة السياسية بعد حل حزب “البعث”.
كما يثير إحداثها القلق من أن تتحول مهام “رسم السياسات” و”تحديد المسؤوليات السياسية والوطنية” إلى أدوات لتقييد النشاط السياسي، وإعادة تعريف ما هو “مقبول” أو “غير مقبول” في المجال العام.
وبين من يراه إجراء تنظيميًا يواكب المرحلة الجديدة، ومن يعتبره إعادة صياغة لأدوات السيطرة القديمة، تتكثف الأسئلة حول طبيعة هذا الكيان، وحدود أدواره، وانعكاساته على مستقبل التعددية والحريات والعمل السياسي والمدني في سوريا.
وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، قال خلال ندوة حوارية في مركز “تشاثام هاوس” في لندن، في 13 من تشرين الثاني 2025، إن “التجربة السورية الجديدة تسعى لتكون نموذجًا في الحكم التعددي، وإن نجاحها يعتمد على التعايش وبناء الثقة ونبذ الطائفية التي كان يزرعها النظام السابق.
وأشار إلى العمل على “تعزيز التعددية” في الحكومة والوزارات والمجتمع، والحفاظ على ثقافة المؤسسات، والعمل على ترميم الدستور والقوانين بطريقة مدروسة.
هيمنة على الفضاءين السياسي والاجتماعي
الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، قدم قراءة نقدية للتصريحات المتداولة حول دور “الأمانة العامة” وطبيعة التحولات السياسية الجارية، مؤكدًا أن الإشكالية لا تتعلق بإحلال شخص أو جهة مكان حزب “البعث”، بل باستبدال المادة الثامنة من دستور عام 1973، التي كرّست حزب “البعث” قائدًا للدولة والمجتمع.
السيطرة على المجتمع السوري لم تكن ناتجة عن هيمنة حزب بعينه بقدر ما كانت مفروضة بنص دستوري منح هذه الهيمنة غطاء قانونيًا.
وأشار إلى أن القرار المتعلق بعمل “الأمانة السياسية” جعلها مهيمنة على الفضاءين السياسي والاجتماعي، مع ربطها بوزارة الخارجية، وهو ما وصفه بـ”الأمر الخطير”، لأنه ينقل ممارسة النفوذ من المجال الخارجي إلى الداخل.
الغاية الحقيقية من هذه الترتيبات لا تزال غير واضحة، رغم تداول أحاديث عن تهيئة المشهد لتأسيس حزب رئاسي يخوض الانتخابات، إلا أنه رجّح أن “الأمانة السياسية” لا تعمل بالضرورة بهذا الاتجاه، بحسب تعبيره، لافتًا إلى أن أحزاب السلطة غالبًا ما تُنشأ خارج الأطر التقليدية ولا تكون معنية ببناء أسس سياسية سابقة.
واعتبر أن ما يجري حاليًا يعكس استمرار حالة الهيمنة، إلى جانب تنازع تيارات داخل السلطة الجديدة، من بينها تيار يسعى للسيطرة الاجتماعية، وربما يرتبط ذلك بضعف الخلفية العسكرية لبعض الشخصيات القادمة من خلفيات مدنية، ما يجعل مسألة التغلغل في المجتمع السوري، وارتباط وزارة الخارجية بها، أمرًا بالغ الخطورة.
“البعث”.. حل شكلي ووجود فعلي
في التجارب السياسية، لا يعني حلّ الأحزاب المهيمنة بالضرورة انتهاء أدوارها أو وظائفها، إذ كثيرًا ما تستمر هذه الأدوار بأشكال جديدة أو عبر مؤسسات مختلفة، ومن هنا يبرز السؤال حول ما إذا كان المشهد السوري يشهد قطيعة فعلية مع تجربة حزب “البعث”، أم تحولًا شكليًا في البنية مع بقاء الجوهر السياسي ذاته.
ويُعد تدخل السلطة التنفيذية في تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية مؤشرًا حساسًا على طبيعة النظام السياسي واتجاهاته المستقبلية، ومع تزايد الشكاوى من تدخل “الأمانة العامة للشؤون السياسية” في مجالات متعددة، يطرح هذا الواقع تساؤلات حول دلالاته السياسية.
تأسس حزب “البعث العربي الاشتراكي” بالعاصمة السورية دمشق في 7 من نيسان 1947، على يد المفكر والأديب السوري ميشيل عفلق، والسياسي صلاح الدين البيطار، وزكي الأرسوزي، ومزجت أيديولوجيته بين القومية العربية والاشتراكية العربية، وانتشرت فروعه في عدة دول، إلا أنه لم يتولَّ السلطة سوى في سوريا والعراق.
وفي 11 من كانون الأول 2024، أعلن إبراهيم الحديد الأمين العام المساعد للحزب، بعد ثلاثة أيام من سقوط نظام الأسد، تعليق عمل الحزب ونشاطه، “حتى إشعار آخر”، عقب 61 عامًا من حكم الحزب لسوريا، وتم إخضاع ممتلكات وأموال الحزب بداية إلى رقابة وإشراف وزارة المالية ووزارة العدل وتحويل العائدات إلى مصرف سوريا المركزي، والآليات إلى وزارة الداخلية.
خلال عقود حكمه، اعتمد حزب “البعث” في سوريا سياسات مركزية قمعية هدفت إلى السيطرة على كل مفاصل الدولة والمجتمع، شملت هذه السياسات:
-
احتكار السلطة السياسية: تحكم الحزب الواحد في الحياة السياسية.
-
تقييد الحريات العامة: منع التجمعات السياسية المستقلة، ومراقبة المجتمع المدني.
-
التحكم بالموارد والمؤسسات: وضع ممتلكات الدولة والمرافق العامة تحت سيطرة الحزب.
مخاوف من تكريس الاستبداد
الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، قال إن الإطار الناظم في المرحلة الأولى قام على مبدأ التدخل في كل شيء، إذ اشترطت موافقة الهيئة السياسية على أي نشاط، كما فُرض على أي حركة مجتمعية ذات طابع سياسي الحصول على إذن مسبق.
هذا النهج، بحسب تعبيره، يؤدي في بعض المناطق إلى تعطيل الأنشطة، وفي مناطق أخرى إلى منعها بالكامل، ما اعتبره تعطيلًا لأي فرصة لبناء مجتمع سياسي سوري في مرحلة ما بعد دولة الاستبداد، فهذه المسألة كان يفترض أن تكون منضبطة أو مقننة بشكل واضح، إلا أنها لم تحظَ بنقاش كافٍ.
غياب حياة سياسية فاعلة في المجتمع يقود إلى تكريس الاستبداد، وما يرافقه من تخلف سياسي واقتصادي وحالة من الجمود العام.
عمار جلو
باحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات”
قضية الحريات بدت في النصوص أقرب إلى بنود إنشائية، لكنها في الواقع جاءت بصورة سيئة للغاية، بحسب الباحث، مشيرًا إلى معلومات سمعها عن منع بعض الندوات أو عدم منح تراخيص لها بحجة تعقيد الإجراءات، ما اعتبره تضييقًا على الحريات يصل إلى حد شبه قتلها.
انعكاس ذلك سياسيًا يتمثل في إعادة إنتاج الاستبداد، إذ يبدأ دائمًا بالضغط على المجتمع وعلى أي حياة سياسية فيه، ما يؤدي إلى تدوير دورة الاستبداد من جديد.

من ندوات يوم الحوار مع المجتمع المدني بحضور ممثليين من الحكومة السورية – 15 تشرين الثاني 2025 (/ أمير حقوق)
عاشت سوريا بعد تحقيق استقلالها، في 17 من نيسان 1946، حياة سياسية وحزبية نشيطة تميزت بالديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، إذ تنوعت التيارات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، واستطاعت الأحزاب حينها ممارسة دورها السياسي رغم الانقلابات العسكرية، وكان البرلمان السوري رمزًا لدور ونشاط هذه الأحزاب.
وكانت الأحزاب السياسية تمارس نشاطها على الساحة الوطنية بحرية مصونة وفق القوانين والدستور، ومن أبرز الأحزاب في تلك المرحلة: “التعاوني الاشتراكي”، ”الإخوان المسلمون”، ”الشيوعي السوري” حزب “البعث العربي الاشتراكي”، حزبا “الشعب” و”الوطني” اللذان كانا حصيلة انقسام الكتلة الوطنية التي تشكلت عام 1926 بهدف مقاومة الاستعمار الفرنسي.
ومع الوحدة بين سوريا ومصر، عام 1958، تقيدت الأحزاب السورية، وشددت الأجهزة الأمنية قبضتها على عمل ونشاط الأحزاب، في محاولة تمهيد للحكم الفردي وفصل السياسة عن المجتمع، ومع انقلاب حزب “البعث العربي الاشتراكي”، عام 1963، وصل حافظ الأسد إلى سدة الحكم باستخدام السلطة العسكرية، بعدما نفذ انقلابًا عسكريًا في 16 من تشرين الثاني عام 1970.
بدأ حزب “البعث” بالقضاء على الأحزاب السياسية، كما تحول بعضها للعمل السري، ولكن القمع الشديد لم يسمح لتلك الأحزاب بالانتشار أو التأثير، وللقضاء على هذه الأحزاب بشكل كامل أنشأ حافظ الأسد ما يسمى بـ”الجبهة الوطنية التقدمية” ما أدى إلى انسحاب الأحزاب المعارضة لسياسة “البعث” منها كالشيوعيين والقوميين، وجرت ملاحقة المعارضين منهم.
وانتهت حقبة حزب “البعث العربي الاشتراكي” بعد سقوط نظام بشار الأسد، في 8 من كانون الأول 2024، وفي 29 من كانون الثاني 2025، أعلنت “القيادة العامة” حل حزب “البعث” الحاكم في سوريا بعهد النظام السابق، وأحزاب “الجبهة الوطنية التقدمية”، وما يتبع لها من منظمات ومؤسسات ولجان، وحظر إعادة تشكيلها تحت أي اسم آخر، وإعادة جميع أصولها إلى الدولة السورية.
ومع حركة التغيير السياسي التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام الأسد، التي تمثلت بـ”مؤتمر النصر” وحتى مؤتمر “الحوار الوطني”، الذي تلاه الإعلان الدستوري للمرحلة المؤقتة، يبقى المشهد السياسي مفتقدًا للأحزاب السياسية، وسط غياب قانون خاص لتنظيم عمل الأحزاب السياسية، وطبيعة نشاطها.
القانون الخاص بعمل الأحزاب لا يمكن أن يصدر دون مجلس تشريعي، والذي لا يزال معطلًا بعد انتخاب ثلثي المجلس بطريقة تمثيلية، في تشرين الثاني 2025.
Related
المصدر: عنب بلدي
