الرقة – أحمد الحمدي
تفاجأ حمزة الخضر (45 عامًا)، وهو من المقيمين في مدينة الرقة شمالي سوريا، بأن أرض المنزل الذي اشتراه قبل عدة سنوات هي بالأساس أرض مخصصة للمطار الزراعي بالمحافظة وليست ملكية خاصة، كما أوهمه الشخص الذي باعه إياها نهاية العام 2022.
وقال حمزة ل، إنه قرر أن يبيع منزله بعد سقوط النظام، للتوجه إلى قريته بريف محافظة دير الزور، قبل أن يطلب منه الشاري تسلسل عقود يظهر الشخص الأساسي الذي كان يملك الأرض، وعلى إثر ذلك توجه للبائع الذي أخبره أنه بالفعل مطار زراعي، وأنه استحوذ عليه بعد خروج النظام من الرقة عام 2013.
وأشار إلى أن البائع قال له عندما اشترى الأرض إنها مسجلة باسمه كمالك، إلا أن نقل الملكية يتعذر حينها بسبب تعطل عمل المؤسسات الحكومية في الرقة، وإيقاف معاملات نقل الملكية، وأنه سيفرغها باسمه حال عودة المؤسسات.
وشهدت بعض مناطق شمالي سوريا، بما فيها محافظة الرقة، انتشار ظاهرة الاستيلاء على أملاك الدولة وبيعها بشكل غير قانوني، إذ إن كثيرًا من الأراضي والمباني المخصصة لأغراض عامة تم إدراجها على أنها ملك خاص، وسط غياب الرقابة القانونية وتعطل المؤسسات الحكومية، ما وضع السكان أمام مخاطر قانونية واقتصادية كبيرة.
هشاشة حماية الأملاك العامة
هذا الوضع تسبب بتعقيدات في نقل الملكية وإجراء المعاملات الرسمية، كما عكس هشاشة آليات حماية الأملاك العامة خلال فترة سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على المحافظة، وطرح تساؤلات حول قدرة الدولة على ضبط هذه الممارسات وضمان حقوق المواطنين والممتلكات العامة.
وقال سكان من الرقة تحدثوا ل، إنهم كانوا يضطرون لإجراء عقود خارج إطار المؤسسات لتسيير شؤونهم في عملية بيع وشراء العقارات، على أمل تثبيتها حين عودة المؤسسات الحكومية للعمل.
واعتمد السكان على آلية أسموها “تسلسل العقود”، التي تتضمن مجموعة من العقود تبدأ بالمالك الأساسي ثم الذي يليه وصولًا إلى المالك الذي يشغل العقار حاليًا، إلا أن هذه الآلية لا تعد سندًا قانونيًا، خصوصًا في حال طلب المالك الحالي دليلًا على أن الملك خاص وليس من الأملاك العامة.
وأكد المحامي محمد العواد، أن الاستيلاء على أملاك الدولة وبيعها للمدنيين يُعد مخالفة صريحة للقانون السوري، وأن الأراضي والمباني المملوكة للدولة أو المخصصة لأغراض عامة لا يجوز التصرف فيها إلا عبر الإجراءات الرسمية للجهات الحكومية المختصة وتسجيلها في الدوائر العقارية، من قبل الجهات صاحبة العلاقة.
وأشار العواد، في حديث ل، إلى أن أي عقود تُبرم خارج هذا الإطار، مثل ما يُعرف بـ”تسلسل العقود”، لا تمنح المشتري حقًا قانونيًا مستقلًا، وقد تُلغى في حال الطعن القضائي أو مطالبة الدولة باسترداد الأرض، مؤكدًا أن هذا الوضع يضع المواطنين في موقف قانوني هش، خصوصًا في المناطق التي شهدت نزاعات كبيرة وتغييرات إدارية بعد عام 2011.
وشدد على أن أي تسلط أو استيلاء على الأملاك العامة دون أمر صادر عن الدولة يُعدّ باطلًا بشكل مطلق ولا يترتب عليه أي أثر قانوني، مشيرًا إلى أنه لا يوجد أي تعويض للأشخاص الذين اشتروا أراضي من أملاك عامة، لأن هذه التصرفات تُعد غير مشروعة من الأساس.
وأوضح العواد أن القضاء يملك اليوم صلاحية إعادة هذه الأملاك إلى الدولة، كما أن مديرية أملاك الدولة أو البلديات أو المؤسسات الحكومية ذات العلاقة بتلك الأملاك تستطيع، بشكل مستقل، استرجاعها، استنادًا إلى القوانين النافذة التي تحمي الأملاك العامة، ومنها قانون البلديات، إضافة إلى القوانين الجزائية والمدنية ذات الصلة.
وفيما يتعلق بالمطار الزراعي في محافظة الرقة، الذي تم الاستيلاء عليه من قبل جهات نافذة خلال فترة سيطرة “قسد” على المحافظة، توقع المحامي أن يعود هذا الموقع إلى وزارة الزراعة، بوصفها الجهة الوحيدة المخولة قانونيًا ببيع هذا النوع من الأملاك.
وأكد أن هذه المسائل تتصل بنصوص قانونية واضحة، مشددًا على أن “قسد” لا تملك أي شرعية قانونية، وأن ما جرى من تصرفات في هذا السياق يُعد غير قانوني، وقد سُمح لنافذين ضمنها باستخدام الأملاك العامة والتعدي عليها.
“الأملاك العامة لا تُباع ولا تُكتسب بالتقادم”
المحامي محمد العواد، أشار إلى وجود قاعدة قانونية تنص على أن “الأملاك العامة لا تُباع ولا تُكتسب بالتقادم”، وأن أي تصرف يقع عليها يُعد باطلًا ولا يحظى بأي حماية قانونية، كما لا يترتب عليه أي تعويض، وأن هذه التجاوزات لا يمكن تحصينها قانونيًا مهما طال الزمن.
وقال إن الدولة قادرة على إزالة جميع التعديات التي طالت الأملاك العامة، سواء كانت أبنية مشيّدة عليها أو مقاسم جرى إشغالها، مؤكدًا أن القضاء يستطيع استرجاع أملاك الدولة بشكل مستقل.
كما أن الجهات المعنية بإدارة هذه الأملاك، مثل البلديات أو المديريات التنفيذية، تملك الصلاحية القانونية لاتخاذ الإجراءات اللازمة وفق القوانين الخاصة التي تحمي الأملاك العامة.
وأوضح أن منظومة الحماية القانونية للأملاك العامة تستند إلى عدة تشريعات، من بينها قانون أملاك الدولة الصادر بالمرسوم رقم “52” لعام 1959، والقانون المدني، إضافة إلى قوانين أخرى مثل قانون البلديات، وقانون الحراج، وقانون التخطيط العمراني، وقانون الطرقات العامة، إلى جانب النصوص الجزائية والمدنية، وحتى الدستور نفسه.
وأكد أن الحماية تبدأ من الدستور، ثم تتكرس في القانون المدني ابتداء من المادة “87”، فيما تتجلى الحماية الجزائية في قانون العقوبات العام، ولا سيما المواد من “721” حتى “723”، التي تجرّم التعدي على الأملاك العامة وتمنح الدولة الأدوات القانونية لاستردادها ومحاسبة المتجاوزين.
القضاء هو الفصل
مدير المصالح العقارية في الرقة، حميدي الأحمد، قال إن المديرية بدأت بعد دخول الحكومة السورية إلى المحافظة، في 18 من كانون الثاني الماضي، عملية لجرد وإحصاء الأملاك العامة، والكشف عن التعديات التي طالتها على مدار السنوات الماضية.
وأضاف، في تصريح ل، أن المديرية ستحول قضايا التعدي على الأملاك العامة إلى القضاء، الذي سيقوم بدوره بالبت في تلك القضايا، وأن القرار الفصل يعود إلى المؤسسة القضائية.
واعتبر أن خروج النظام من المحافظة ليس ذريعة للتعدي على الأملاك العامة، التي من المفترض أن تكون ملكًا للشعب، وألا ترتبط بموقف سياسي يمنح بعض الأشخاص أهلية التصرف بها، على حد تعبيره.
وحول إمكانية تعويض السكان الذين اشتروا أملاكًا عامة، أكد مدير المصالح العقارية، أن الأمر متروك للقضاء ومن غير المعقول أن تتحمل الدولة مسؤولية التعدي.
ماذا فعلت “الإدارة الذاتية”؟
خلال فترة حكم “قسد” لمحافظة الرقة، أصدر “المجلس التشريعي” التابع لـ”الإدارة الذاتية”، منتصف كانون الثاني 2021، قرارًا يمنع “منعًا باتًا” البناء (التشييد أو التشجير أو التسوير) على أراضي أملاك الدولة، وتملّك أو بيع أو شراء الأملاك العامة (عقود الإيجار، وضع اليد) بعد تاريخ 4 من آذار 2013، “حفاظًا على الأملاك العامة”.
كما منع جميع المكاتب العقارية من بيع أو شراء أو أي وساطة عقارية تقع على أراضي الأملاك العامة، الزراعية وغير الزراعية، تحت طائلة المساءلة القانونية، واعتبر أن أي إجراء “مخالف” يعد كأنه لم يكن، وتُبطل جميع آثاره ومفاعيله القانونية.
وأكد الصحفي عمار عبد اللطيف، أن قرار “المجلس التشريعي” طُبق بالفعل لكن على الفقراء والبسطاء وليس على المتنفذين داخل “قسد” و”الإدارة الذاتية”، وفق تعبيره.
وأشار عبد اللطيف إلى أن لجنة الأملاك العامة التابعة لـ”مجلس الرقة المدني” لم تكن قادرة على فرض قرارات استرجاع الأملاك العامة أو حمايتها على أشخاص كانوا يتمتعون بالنفوذ والذين عملوا بدورهم على التصرف بها وبيعها.
ولفت الصحفي إلى أن الذين كانوا يشترون الأملاك العامة يستندون إلى قوة نفوذ أشخاص باعوهم إياها، إلا أن هذه القوة سقطت بمجرد خروج “قسد” من الرقة.
Related
المصدر: عنب بلدي
