تشهد محافظة الحسكة حالة من الجمود في سوق العقارات، مع تراجع ملحوظ في عمليات البيع والشراء، عقب العمليات العسكرية التي نفذها الجيش السوري ضد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وسيطرته على مساحات واسعة من ريف المحافظة، في حين لا تزال مناطق رئيسة، بينها مركز مدينة الحسكة، تحت سيطرة “قسد”.

ويأتي هذا التراجع في سياق أمني وعسكري متقلب، انعكس بشكل مباشر على مختلف القطاعات الاقتصادية في المنطقة، وفي مقدمتها قطاع العقارات، الذي يُعد من أبرز مؤشرات الاستقرار أو الاضطراب في أي منطقة تشهد تغيرات ميدانية.

مخاوف أمنية تؤجل القرارات

بحسب ما أفاد به عدد من الأهالي،، فإن المخاوف الأمنية، واحتمالات تغير خارطة السيطرة في أي وقت، دفعت كثيرين إلى تجميد قرارات البيع أو الشراء، بانتظار اتضاح المشهد.

أحمد التركي، وهو موظف يقيم في أحد أحياء مدينة الحسكة، قال ل، إن عائلته كانت تستعد لبيع منزلها والانتقال إلى حي آخر، “لكن بعد التطورات الأخيرة فضلنا التريث، لأن الوضع غير مستقر، ولا أحد يعرف كيف ستكون الأمور خلال الأسابيع المقبلة”.

وأضاف أن “الخشية من أي تصعيد جديد، أو حصول موجة نزوح كما حدث في مرات سابقة، تجعل الناس يحجمون عن اتخاذ قرارات كبيرة مثل بيع منزل أو شراء عقار جديد”، لافتًا إلى أن الأولوية لدى كثيرين باتت “تأمين الاستقرار والأمان، لا الاستثمار أو تبديل السكن”.

ويخشى بعض السكان من أن تؤدي أي تغيرات مفاجئة في السيطرة إلى تعقيدات قانونية أو إدارية تتعلق بإثبات الملكيات أو تثبيت العقود، خاصة في ظل الانقسام الإداري القائم بين مؤسسات الحكومة السورية والإدارات التابعة لـ “قسد”.

صاحب مكتب عقاري في مدينة الحسكة (رفض نشر اسمه لأسباب أمنية)، قال ل، إن حركة السوق “تراجعت بشكل حاد” منذ بدء العمليات العسكرية الأخيرة، مشيرًا إلى أن عدد عمليات البيع والشراء انخفض إلى حد كبير مقارنة بالأشهر السابقة.

وقال إن “السوق كان يشهد حركة مقبولة قبل التطورات الأخيرة، لكن حاليًا معظم المراجعين يكتفون بالاستفسار عن الأسعار دون اتخاذ خطوات جدية”، مضيفًا أن “الناس ينتظرون استقرار الأوضاع، ولا يريدون المجازفة بأموالهم في ظل هذه الظروف”.

وبيّن صاحب المكتب العقاري أن عددًا من تجار ومتعهدي وسماسرة العقارات في المحافظة مرتبطون بشكل مباشر أو غير مباشر بـ “قسد”، ما انعكس سلبًا على نشاط السوق في ظل المستجدات الأمنية والعسكرية الراهنة، إذ إن حالة الترقب والقلق طالت حتى العاملين في هذا القطاع.

وأشار إلى أن “بعض الوسطاء العقاريين توقفوا عن العمل مؤقتًا، خشية التعرض لأي مساءلات أو ضغوط في حال تبدلت موازين السيطرة”، معتبرًا أن “غياب وضوح الرؤية هو العامل الأبرز وراء حالة الجمود الحالية”.

إغلاق المحاكم والسجل العقاري

إلى جانب المخاوف الأمنية، برز عامل إداري وقانوني ساهم في شلل السوق، تمثل في إغلاق عدد من الدوائر الحكومية، ومنها المحاكم والسجل العقاري، ما حال دون تثبيت العقود أصولاً في المؤسسات الرسمية.

خلف الجمعة، وهو وسيط عقاري من مدينة الحسكة، قال ل، إن “أي عملية بيع أو شراء تحتاج إلى تثبيت رسمي في السجل العقاري لضمان الحقوق، ومع إغلاق الدوائر المختصة أصبح من الصعب إتمام أي صفقة بشكل قانوني”.

وأضاف أن “بعض الناس حاولوا تنظيم عقود عرفية مؤقتة، لكن معظم المشترين يرفضون هذا الخيار، لأنه لا يوفر ضمانات كافية في حال نشوب أي نزاع مستقبلي”، لافتًا إلى أن “تجميد العمل في المحاكم زاد من تعقيد الوضع”.

وأوضح خلف أن “السوق لا يمكن أن يعمل بشكل طبيعي من دون وجود مرجعية قانونية واضحة ومعترف بها من جميع الأطراف”، مشيرًا إلى أن “المستثمر أو المواطن العادي يحتاج إلى ضمانة رسمية تحمي أمواله، وهذا غير متوفر حالياً”.

تراجع الأسعار وتوقف العروض

بحسب عاملين في القطاع، فإن حالة الجمود لم تقتصر على انخفاض عدد الصفقات، بل انعكست أيضًا على مستوى الأسعار، إذ تراجعت العروض الجديدة في السوق، وامتنع كثير من المالكين عن طرح عقاراتهم للبيع.

خلف الجمعة قال إن “بعض المالكين يخشون بيع عقاراتهم بأسعار منخفضة في ظل الركود، ويفضلون الانتظار إلى حين عودة النشاط”، موضحًا أن “قلة الطلب أدت إلى شبه ثبات في الأسعار، مع وجود حالات بيع محدودة بأسعار أقل من المعتاد”.

ويرى مشتغلون في القطاع أن سوق العقارات في الحسكة يرتبط بشكل وثيق بالاستقرار الأمني والإداري، وأن أي اضطراب في هذين العاملين ينعكس فورًا على حجم التداول، نظرًا لكون العقار استثمارًا طويل الأمد يحتاج إلى بيئة مستقرة.

بين الترقب والحذر

في ظل هذا المشهد، يعيش سوق العقارات في محافظة الحسكة مرحلة ترقب، بانتظار ما ستؤول إليه التطورات الميدانية والإدارية، سواء على مستوى السيطرة العسكرية أو إعادة تفعيل المؤسسات الرسمية.

ويأمل عاملون في القطاع أن تسهم عودة الدوائر الحكومية إلى العمل، وتثبيت خطوط السيطرة، في إعادة الثقة تدريجيًا إلى السوق، معتبرين أن “العقار يبقى ملاذًا آمنًا على المدى الطويل، لكن الناس تحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار قبل ضخ أموالها”.

في المقابل، لا يخفي سكان مخاوفهم من استمرار حالة عدم اليقين، وما قد يرافقها من موجات نزوح أو تغييرات إدارية مفاجئة، وهو ما يجعل قرارات البيع والشراء مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

وبين المخاوف الأمنية، وتعطل المؤسسات، وتضارب المرجعيات، يبقى سوق العقارات في الحسكة رهين التطورات المقبلة، في محافظة أنهكتها سنوات من الصراع وتعدد السلطات، لتجد نفسها اليوم أمام اختبار جديد ينعكس مباشرة على حياة سكانها واقتصادها المحلي.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.