رحلت الولايات المتحدة دفعة جديدة من رعايا دول ثالثة إلى الكاميرون، وفق ما أفاد به محامون لوكالة “أسوشيتد برس”، وذلك بعد أيام من اكتشاف إرسال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب 9 أشخاص إلى الدولة الواقعة في وسط إفريقيا الشهر الماضي ضمن برنامج سري لترحيل مهاجرين إلى بلدان لا تربطهم بها أي صلات.
وقالت المحامية ألما ديفيد من مجموعة “نوفو ليجال جروب” الأميركية، إن مجموعة من المهاجرين غير الحاملين للجنسية الكاميرونية وصلت على متن رحلة ترحيل هبطت في العاصمة ياوندي، الاثنين.
وقالت ديفيد والمحامي جوزيف أواه فرو، المقيم في الكاميرون، إنهما يعتقدان أن الطائرة كانت تقل 8 من رعايا دولٍ ثالثة، لكنهما لم يتمكنا بعد من التواصل معهم.
وأوضح المحاميان أنهما يقدمان المشورة القانونية لبعض المهاجرين الـ9، 5 نساء و4 رجال، المنحدرين من دول إفريقية أخرى، الذين رُحلوا من الولايات المتحدة إلى الكاميرون الشهر الماضي.
وأضافا أنهما يتوقعان أيضاً تقديم المشورة للمجموعة الجديدة من المرحلين. وقال فرو: “في الوقت الراهن، ينصبّ تركيزي على التعامل مع صدمتهم”.
وأقر مسؤول بالبيت الأبيض، تحدث للوكالة شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مُصرح له بالحديث علناً عن المسألة، بحدوث رحلة ترحيل ثانية إلى الكاميرون، من دون تقديم تفاصيل.
وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” أول من كشف، السبت، عن إرسال المجموعة المؤلفة من 9 أشخاص سراً إلى الكاميرون الشهر الماضي. وقالت ديفيد إن اثنين منهم أُعيدا لاحقاً إلى بلديهما.
أوامر حماية
وقالت ديفيد إن 8 من بين المهاجرين الـ9 الذين رُحلوا سابقاً كانوا قد حصلوا على أوامر حماية من قاضٍ أميركي مختص بشؤون الهجرة، تمنع ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية خشية التعرض للاضطهاد أو التعذيب، مشيرةً إلى أن بعضهم مُنح الحماية بسبب ميوله الجنسية وآخرين بسبب نشاطهم السياسي.
وأضافت أن ترحيلهم إلى دولة ثالثة مثل الكاميرون، حيث يمكن في نهاية المطاف إعادتهم إلى بلدانهم، يُشكل عملياً “ثغرة” قانونية.
وقال فرو: “لهذا السبب لم تُرسلهم الولايات المتحدة مباشرة إلى بلدانهم. لأن هناك ما يدعو إلى القلق من احتمال تعرضهم للأذى، وأن حياتهم مهددة”.
وأوضحت ديفيد أن أياً من الـ9 الذين أُرسلوا إلى الكاميرون الشهر الماضي، ومن بينهم مهاجرون من زيمبابوي والمغرب وغانا، لم تكن لديهم سوابق جنائية باستثناء مخالفات مرورية. وأضافت أنها لا تملك بعد تفاصيل عن الثمانية الذين وصلوا الإثنين.
اتفاقات ترحيل
وتُعد الكاميرون، التي يحكمها الرئيس بول بيا البالغ من العمر 93 عاماً منذ عام 1982، أحدث دولة من بين 7 دول إفريقية على الأقل استقبلت رعايا دولٍ ثالثة مرحلين في إطار اتفاق مع الولايات المتحدة. وتشمل الدول الأخرى التي أبرمت اتفاقات مع إدارة ترمب كلاً من جنوب السودان ورواندا وأوغندا وإسواتيني وغانا وغينيا الاستوائية.
وبحسب وثائق صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية، تلقت بعض هذه الدول ملايين الدولارات مقابل استضافة مهاجرين مرحلين. غير أن تفاصيل بعض الاتفاقات الأخرى، بما في ذلك الاتفاق مع الكاميرون، لم تنشرها إدارة ترمب.
وكشف تقرير أعده طاقم الحزب الديمقراطي في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ونُشر الأسبوع الماضي، أن إدارة ترمب أنفقت ما لا يقل عن 40 مليون دولار لترحيل نحو 300 مهاجر إلى دول غير بلدانهم في إفريقيا وأميركا الوسطى ومناطق أخرى.
وبحسب وثائق داخلية للإدارة اطلعت عليها وكالة “أسوشيتد برس”، هناك 47 اتفاقاً مع دول ثالثة في مراحل تفاوض مختلفة، أُبرم منها 15 اتفاقاً، فيما يوجد 10 أخرى في طور الإبرام أو على وشك الانتهاء.
“أولوية قصوى”
وقالت وزارة الخارجية الأميركية، الاثنين، في بيان لـ”أسوشيتد برس” بشأن عمليات الترحيل إلى الكاميرون، إنها “لا تعلق على تفاصيل اتصالاتها الدبلوماسية مع حكومات أخرى”.
وأضافت: “يُعد تنفيذ سياسات الهجرة الخاصة بإدارة ترمب أولوية قصوى لوزارة الخارجية”. وتابعت: “نحن ملتزمون التزاماً راسخاً بإنهاء الهجرة غير الشرعية والجماعية وتعزيز أمن الحدود الأميركية”.
وقالت “أسوشيتد برس” إن وزارة الخارجية الكاميرونية لم ترد على طلب للتعليق.
وأكدت وزارة الأمن الداخلي الأميركية حدوث عمليات ترحيل إلى الكاميرون في يناير الماضي، لكنها لم تقدم معلومات محددة بشأن رعايا الدول الثالثة، كما لم تعلق على الرحلة الثانية.
وقالت الوزارة: “نطبق القانون كما هو مكتوب. إذا خلص قاضٍ إلى أن أجنبياً مقيماً بصورة غير قانونية لا يملك حق البقاء في هذا البلد، فسنقوم بترحيله. هذا كل شيء”.
وأضافت: “اتفاقات الدول الثالثة هذه، التي تضمن الإجراءات القانونية الواجبة بموجب الدستور الأميركي، ضرورية لأمن وطننا والشعب الأميركي”.
“أداة ردع”
واستخدمت إدارة ترمب اتفاقات الترحيل إلى دول ثالثة كأداة ردع لدفع المهاجرين المقيمين بصورة غير قانونية في الولايات المتحدة إلى المغادرة طوعاً، محذرةً من أنهم قد ينتهي بهم الأمر “في أي عدد من الدول الثالثة” إذا جرى ترحيلهم.
كما دافعت الإدارة عن هذه الممارسة باعتبارها جزءاً من حملة تستهدف ترحيل من تصفهم بالمجرمين الخطرين وأعضاء العصابات.
غير أن نشطاء ومحامين يقولون إن على الولايات المتحدة أن تدرك أن إرسال مهاجرين إلى دول ثالثة ذات سجلات ضعيفة في مجال حقوق الإنسان يعرضهم لخطر الحرمان من الإجراءات القانونية الواجبة والتعرض لسوء المعاملة.
وفي العام الماضي، رحلت الولايات المتحدة 5 مواطنين من فيتنام وجامايكا وكوبا واليمن ولاوس إلى دولة إسواتيني في جنوب إفريقيا. وكان المرحلون قد أُدينوا جميعاً بجرائم خطيرة، بينها القتل والشروع في القتل والاغتصاب، وقد أمضوا كامل العقوبات الصادرة بحقهم في الولايات المتحدة.
ويُحتجز 4 منهم في سجن شديد الحراسة في إسواتيني منذ أكثر من 6 أشهر من دون توجيه تهم، ولم يُسمح لهم بلقاء محامٍ وجهاً لوجه. ويواجه احتجازاتهم دعويين قضائيتين في إسواتيني.
ووفق تفاصيل الاتفاق التي كشفتها وزارة الخارجية، ستحصل إسواتيني، على 5.1 مليون دولار مقابل استقبال ما يصل إلى 160 من رعايا الدول الثالثة المرحلين.
