حمد بن خلفان آل تويّه
ما كان العرب والمسلمون يومًا دعاة عنف وإرهاب؛ وذلك ترجمة وتطبيقًا لمبادئ الدين الإسلامي الحنيف والقيم الأخلاقية الرفيعة الداعية إلى التعايش السلمي بين جميع شعوب الأرض وإلى عدم اللجوء إلى العنف والحروب، إلا لصد العدوان ورد كيد المعتدين، وهذه المبادئ السامية العظيمة هي التي وجّهت سلوك المقاومة الشريفة المظفرة في غزة؛ حيث لم تبدأ هي العدوان، وإنما جاء ما أقدمت عليه ردًا على ما كان يفعله ويقترفه الصهاينة المجرمون من إجرام وإرهاب بحق الشعب المحتلة أرضه والمنتهكة حقوقه، وليس بالطبع من رد كمن بدأ!
ومن بين الأمثلة التي تؤكد تمسك العرب والمسلمين بهذه المثل العليا؛ إدانتهم للاعتداءات الإرهابية على العزل والآمنين أيًا كان شكلها أو بواعثها، ومن الأمثلة الأخيرة التي تساق ضمن هذا الإطار؛ الاعتداء الذي وقع على مجموعة من اليهود الذين كانوا يحتفلون بإحدى المناسبات الدينية عيد الأنوارحانوكا على شاطئ بوندي في مدينة سيدني الأسترالية خلال شهر ديسمبر 2025، وقتل فيه أكثر من 15 شخصًا، والذي قام خلاله شاب عربي مسلم يدعى أحمد الأحمد بالمخاطرة بنفسه عبر إقدامه على عمل بطولي فدائي تمثل في السيطرة على أحد مطلقي النار في هذه الحادثة وانتزاع السلاح منه ليتلقى هو إصابة بالغة برصاصتين في جسده ألزمته البقاء في المستشفى لتلقي العلاج أيامًا، ولا ريب في أن ما يؤمن به هذا الشاب من مثل ومبادئ ترفض العنف والإرهاب، هي التي دفعته للمغامرة بنفسه على هذا النحو الإنساني المشرف.
كما لا يدعو العرب والمسلمون إلى إلقاء اليهود في البحر ولا قتلهم، وإنما يدعون إلى التعايش مع هؤلاء وفق مبدأ لا ضرر ولا ضرار أما إن تنكر هؤلاء لذلك وبدأوا العدوان، فإن الواجب الديني والإنساني والأخلاقي حالئذٍ، يدعو إلى رد عدوانهم بالمثل، واتخاذ كل ما من شأنه الحؤول دون أن يكون لهم القهر والغلبة.
لقد طغى الأعداء كثيرًا وتجبروا بل وتجاوزوا كل الحدود في طغيانهم، الأمر الذي يفرض التصدي لهم بمختلف أشكال المجابهة بما في ذلك حشد كل أشكال القوة، وفي موازاة ذلك أيضًا العناية بتنمية وعي الأمة لاسيما جيل الشباب فيهاوهنا يبرز دور المثقفين والقدوات وأصحاب الفكر والرأي في مختلف البلاد العربيةوذلك عبر بناء عقلية التمسك بالكرامة والمقاومة لمجابهة حملات غسل دماغ أبناء الأمة التي تتم الآن من خلال تزيين نظرية الاستسلام تحت ذريعة التعايش والسلام التي تَبين بأن الهدف منها ليس مضمون الكلمات الرنانة التي تتكون منها بقدر ما تخفيه هذه العبارات من سوء الطوية لدى أعداء الأمة الساعين إلى تغيير مناهج التربية والتعليم لتكون متسقة ومنسجمة مع نواياهم وأهدافهم الرامية إلى تخلي الأمة عن هويتها وشخصيتها المميزة لها مقابل فرض إملاءات فكرية وثقافية دخيلة وخطيرة عليها كالمثلية الجنسية وما إلى ذلك من أفكار هدامة ومصطلحات مخاتلة مراوغة لا تعكس الحقيقة من وراء إطلاقها ومن شأنها أن تجعل من هذه الأمة مجرد تابع ومنفذ لما يملى عليها.
إن المتابع للأحداث الجارية في المنطقة الآن، يرى ويدرك بوضوح تام مدى اللهاث والاستماتة من الكيان الصهيوني المجرم بالتعاون مع مجلس حرب ترامب من أجل محاولة ترويض وتدجين شعب غزة الباسل عن طريق اعتزام تغيير المناهج في هذا القطاع وإحلال ثقافة أخرى تقضي على كل الموروث الفكري والثقافي الفذ الذي كان وراء كل هذا الصمود الأسطوري غير المسبوق في حياة الأمة بأسرها عبر استغلال حاجة أهل القطاع إلى مستلزمات العيش وتوقف الحرب حتى وإن كانت لقمة عيشهم ستكون مغمسة بالذل والهوان!
ومن البديهي والحال كذلك أن يتساءل المرء: وماذا عن مناهج دويلة الكيان اللقيط، وهل يمكن أن يسري عليها ذات الشيء مما يدبر للفلسطينيين في القطاع الصامد؛ بحيث يتم تغيير مناهج التعليم والفكر والثقافة فيها حتى تكون أكثر قابلية للاندماج في محيطها الجغرافي ولو من باب ذر الرماد في العيون؛ إذ إن مناهجها الآن والتي تكرس من الدويلة العبرية، دولة دينية، تنبذ الآخر المختلف وتصنفه في فئة أدنى من شعبها المختار وتعتبره من الأغيار الأشبه بدواب الركوب، وغير ذلك من التصنيفات العنصرية التي تحض على الكراهية والتعالي على الآخر.
وختامًا، فإن الإجابة على السؤال الوارد آنفًا حول مدى هذا الطغيان ومتى نهايته؛ تتمثل في اليقين التام بقدرة الله العلي الكبير على سحق الطغاة ومحق الجبابرة ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ثم استلهام أحداث التاريخ التي تنبئنا ولا ينبئك مثل خبير بأنه ما من امبراطورية وصلت إلى الذروة وكانت في قمة جبروتها وزهوها، إلا وانهارت جذاذًا كأن لم تغن بالأمس ولا من طاغية وجبار إلا سقط وخر على وجهه ليكون بطن الأرض مستقرًا ومقامًا له، وأما عن الطواغيت والمجرمين الذين ذكروا فيما تقدم، فإن من كان أشد منهم بأسًا وقوة كفرعون وغيره، لم يغلبوا الله القوي العزيز، فكان انتقام القوي الجبار منهم عبرة لكل معتبر لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد… فكيف بهؤلاء الصعاليك السفلة الذين هزموا شر هزيمة وارتدوا على أعقابهم خاسرين وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.. وتلك الأيام نداولها بين الناس.. والله غالب على أمره… لله الأمر من قبل ومن بعد… إنهم يرونه بعيدًا ونراه قريبًا فانتظروا إنّا منتظرون..
الليالي من الزمان حُبالى يلدن كل جديد.. ومن يعشْ، يرى!
