د. عمرو عبد العظيم

لقد ظلّت مهنة التعليم هي المحراب الأقدس الذي تُصان فيه شعلة الوعي، وظلّ المعلم هو الحارس الأمين على عقول الأجيال. ولكننا اليوم نقف على أعتاب انعطافة تاريخية لم يسبق لها مثيل؛ فلم يعد التعليم مجرد وقوفٍ بين سبورةٍ وأقلام، بل تحول في الآونة الأخيرة إلى سباق مع الزمن في مضمار التكنولوجيا. وفي قلب هذا التحول، لم يقف المعلم مكتوف الأيدي أمام زحف الذكاء الاصطناعي، بل استلّه سيفًا ليقطع به دابر الروتين، ويفتح آفاقًا كانت بالأمس ضربًا من الخيال. وهذه ليست مجرد قصة تقنية، بل هي ملحمة المعلم الرقمي الذي قرر أن يطوع التقنية لخدمة العقل البشري.

من عبء التحضير إلى سحر الابتكار

كان تحضير الدروس في السابق يستهلك ساعات طوال من البحث والتدوين، أما اليوم، فقد أصبح المعلم كقائد أوركسترا؛ بلمسة واحدة ومن خلال أدوات التوليد الذكي مثل Gemini، يصيغ أهدافًا تعليمية دقيقة، ويصمم سيناريوهات تعليمية تشاركية في دقائق، فلم يعد التحضير مجرد ورق يملأ، بل أصبح “هندسة معرفية” تضمن وصول المعلومة بأقصر الطرق وأكثرها إثارة.

وأما في عالم العروض التقديمية، فقد ولت عصور الشرائح الجامدة. فالآن تقوم الأدوات الذكية بتحويل النصوص الصماء إلى لوحات فنية تفاعلية، تدمج الألوان والخطوط بتناغم بصري يبهر الألباب، مما يجعل الطالب متشوقًا للطلقة التالية من المعرفة.

من الفيديوهات إلى التقييم اللحظي

لقد شاهدت بنفسي كيف انتقل المعلم المبدع بطلابه إلى التعليم البصري من خلال إنشاء فيديوهات تعليمية احترافية باستخدام أدوات مثل Canva وVidnoz؛ حيث تمنحه هذه الأدوات الذكية قدرة فائقة على المونتاج وإضافة المؤثرات الصوتية والتعليق الصوتي بلغات متعددة، ليتحول الدرس إلى رحلة سينمائية لا تُنسى.

وفي سبيل تيسير المراجعة، برزت قوة الذكاء الاصطناعي في عمل ملخصات ذكية تركز على جوهر المعلومة، وتستخلص من المناهج الطويلة زبدة المعرفة، لتقدم للطلاب في قوالب سهلة الهضم مثل أداة NotebookLM. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل المهمة الأصعب وهي إنشاء الاختبارات وتصحيحها، فبفضل الخوارزميات، بات بإمكان المعلم صياغة أسئلة تقيس مستويات التفكير العليا، وتصحيحها فوريًا مع تقديم تغذية راجعة دقيقة لكل طالب، مما وفر جهدًا كان يُهدر في ركام الأوراق.

تجربةٌ من ميدان التدريب

في طليعة هذا التحول خضتُ غمار تدريب مئات المعلمين والمعلمات على هذه الأدوات، لم تكن مجرد دورات تقنية، بل كانت لحظات إشراق رأيتُ فيها بريق الحماس في أعين المعلمين والمعلمات وهم يكتشفون كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مساعدًا شخصيًا مخلصًا.

لقد أعدتم لنا شغف التدريس بعد أن كدنا نغرق في المهام الإدارية والورقية

معنى هذه الجملة كانت تتردد كثيرًا في قاعات التدريب. لقد شاهدتُ معلمين استعادوا وقتهم الخاص، وآخرين أذهلوا طلابهم بوسائل تعليمية لم يعتادوا عليها. إن تدريبي لهؤلاء النخبة لم يكن يهدف لاستبدالهم بالآلة، بل لتمكينهم من قيادتها بذكاء، ليتفرغوا لمهمتهم الأسمى في بناء الإنسان.

إنَّ ما لمسته في عيون المتدربين لم يكن مجرد انبهار بالسرعة التقنية، بل كان شعورًا بالتحرر؛ فبقدر ما تزيح التقنية عن كاهل المعلم أعباء الأوراق، بقدر ما تمنحه المساحة ليعود إلى دوره الإنساني كأب ومربٍ، يقرأ مشاعر طلابه خلف الشاشات، ويدعم تعثرهم بكلمة حانية لا تستطيع أعتى الخوارزميات صياغتها.

شاركها.