د. سيف بن سالم المعمري

[email protected]

 

الآراء المتعددة مصدر قوة المجتمع، وخيارات مفتوحة لتجدد الرؤى، وتقدم المؤسسات، ونضج القرار. والفكر ليس جريمة، إذ إنَّ تقدم الأمم مرهون بتعدد مشارب الآراء، وتلاحق الأفكار، واحترام الاختلاف، وإن مصادرة الفكر وخنقه أولى العتبات المؤدية إلى جمود العقول، وتعطيل الإبداع، وإقصاء الكفاءات، وغلق مبادرات الاجتهاد، وعلو الصوت الواحد.

لقد أصّل القرآن الكريم احترام الفكر والرأي وحسن الاختيار، والحوار بالحسنى في مواضع متعددة من آياته العظيمة، ففي قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، (النحل: 125)؛ توجيهٌ رباني إلى أن يكون الحوار راقيًا قائمًا على الحجة والأدب، وفي قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾، (الشورى: 38)؛ إقرار رباني بمبدأ التشاور وتعدد وجهات النظر في إدارة الشأن العام.

وعطفًا على ما تقدم؛ فإن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتشريعات الوطنية جاءت متسقة مع التوجيهات الربانية باحترام الإنسان لإنسانيّته ولمعتقداته، وإفساح المجال لفكره الحر المسؤول دون تقييد، وإن القيمة الفعلية لكل فرد هو أن يكون فاعلا في مجتمعه، ومستوعبًا لتحدياته، ومتطلعًا لنمائه وتطوره.

ومن المؤسف حقًا أن تجد من يحارب الفكر ويدعو إلى إقصاء المفكرين وكتاب الرأي، ويُجنِّد من ينوب عنه لذلك، فتجده يعتبر أن النقد البناء وسيلته للخصام، واختلاف الرأي منهجه للانقسام، وتناسى إن تعدد الآراء يعد إسهامًا حقيقا وشراكة مثالية للتنمية المجتمعية، وإن الاختلاف في الآراء يثري المشهد الوطني، ويعمق الفهم، ويصحح المسار.

ومن مظاهر محاربة الفكر في المجتمع أن يتحسس البعض مما يكتب، وأن يضع نفسه في قفص الاتهام بإنه المقصود فعليًا أو من هو في دائرته الضيقة، بينما يغفل عن إن الكاتب لا يكتب عن الأشخاص لذواتهم، بل عن الأفكار التي تتولد بفكره، وإن رسالته السامية ومنهجه النبيل تحمله مسؤولية جسيمة؛ لتوظيف الكلمة الصادقة في رقي مجتمعه ومعالجة مواطن الخلل أيًا كان مصدرها ومكانها.

إنَّ بصر الكاتب وبصيرته حاضرة في المشهد المجتمعي، يسعد بسعادته، ويكمد لكمده، ويسدد ويقارب بالكلمة الصداقة، والرأي الحر المسؤول في تناغم متوازن، يعكس حيوية المجتمع، ويحقق طموحاته وتطلعاته، وينبذ كل ما يعكر صفو الحياة، والانسجام المجتمعي ويؤدي به إلى موارد الهلاك والعياذ بالله، وإن كل ما ينطق به الإنسان ويكتبه محل مراقبة الله الدائمة، والله في كتابه العزيز يقول: ﴿وَمَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، (ق: 18)، وصوت الحق ولو كان هادئًا فهو الباقي، وصوت الباطل وإن كان صاخبا، لكنه مؤقت، لقوله تعالى : ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، (الرعد: 17).

لذا علينا أن ندع العقول تعمل، والأسئلة تُطرح، والرؤى تتباين، دون إقصاء أو تهميش، ومن لديه النقيض على ما يُكتب، فعليه أن يكتب! والاختلاف لا يفسد للود قضية كما يقال؛ لتبقى مجتمعاتنا حية تنبض بالعطاء والأفكار، وتعيش الديناميكية والحيوية وتحرك المياه الراكدة من منابعها، فلا تُصادروا الفكر، ولا تسجنوه في قفص الجهل والعبودية؛ فبالفكر تُبنى الأوطان، لا بالصمت.

شاركها.