فاطمة الحارثي
عندما لا يحترم العدو عقلك فهذا يحمل أحد الأمرين، إمَّا أنه أحمق أو أن ثمَّة خائن بالقرب منك، وكان العرب قديمًا يرفعون من شأن خصومهم، كنوعٍ من أنواع تمجيد الذات؛ إذ لا يليق خوض المعارك أو الانتصار إلّا على ندٍ عظيم، بينما انقلب الوضع في العصر الحديث؛ إذ ضخَّموا الخِصم حتى تمدد الخوف في صدورهم، وتغلغل العجز الممزوج بوهن الخيال، وأقنعوا أنفسهم أن الوضع أكبر من قدرتهم؛ مما وفَّر على خصومهم وأعدائهم ملايين الدولارات على الجواسيس والإعلام المُكثَّف، وصنعوا بأيديهم “موزة القفص” فيا لها من سخرية!
عندما لا أعلم أسألُ، وعندما لا أستطيع فعل أمرٍ ما أُقرُ بذلك، لذلك دعوني أشارككم بعض الذي لا أعلم عنه شيئًا، وأُقرُ بأنني لا أستطيع أن أجد له مغزى أو هدفًا محددًا.
وُلِدَ جيفري إبستين، وكان طفلًا فشابًا وهكذا، فمن صنع إبستين وموَّل كل الذي صار عليه؟
مات هذا المجرم في 2019، وهذا يفرض سؤالًا: من احتفظ بالملفات التي تم نشرها الآن بعد سنوات من وفاته، ولماذا الآن؟ وما نسبة توظيف الذكاء الاصطناعي في هذه الملفات؟ وهل هم ذاتهم أصحاب أجندة المثليين؟ وألوان الطيف التي تم سلب براءتها؟
هل كان التسلسل كالآتي: كوفيد19، ثم قرف المثليين، ثم ديدي والآن إبستين، وفضائح المسؤولين، إذن ماذا بعد هذا؟ أم أن ثمة أجندة أخرى؟
القائمة تطول والتشتيت واضح لطبول الحرب من حولنا.
أعود وأسأل: لماذا الآن؟ ألم يكتفوا بالانتهاك السافر والظالم لفلسطين والسودان ومناطق المسلمين ومواقعهم وبلادهم؛ بل وظفوا أنفسهم ودمروا سلامهم، لخدمة عدوهم الذي “عصى وكفر”، ليخدموا أجندة إبليس “وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم” (إبراهيم: 22). العامل المشترك في كل هذه الأحداث هو “تشويه الرجال”؛ أي الكيان المسؤول عن تطبيق خلافة الله في الأرض؛ فهو المعتدي في جميع الحالات، والنساء والأطفال والشيطان أدوات لا غير. لا يرفع الأمم ويكسرها إلّا رجالها، ومن يغرس القيم سواهم. لا يجب أن نلتفت إلى ساحة صنعها العدو بأدواته لنتراشق الاتهامات، الرجل مسؤول ثم المرأة، والأطفال امتداد بيولوجي، لتستمر الحياة على هذه الأرض، فإذا دُنِّس الرجل وعُهرت المرأة واغتُصِب الطفل، فماذا بقي؟
والأكثر مرارة أنهم يُسوِّقون هذه المشاهد حتى تعتاد الأنفس ويصبح وكأنه “عادي”؛ فالمشاهد المكررة تتحول إلى روتين عند الكثير من الناس، خاصةً ضعاف النفوس والنشأة، دون أن يشعر بذلك.. غزو أخلاقي فكري على هيئة تقليد أعمى!
ومن ناحية أخرى، يُدرك البعض أن الضجيج الصاعد هو تمويه وتسويق للتجارة المستترة وتجارة الأسلحة، والسلع قد فاضت في المخازن والعملاء في شُح مستمر، والسخرية تكمُن في الكَمِّ لا الفعّالية؛ فبعض الدول تُكدِّس حتى تصدأ، والبعض الآخر يصرف الفائض في الدول الفقيرة، عن طريق إشعال فتيل الفتن والحروب الأهلية؛ أي يبيع بخسارة، فلا يجد سلام الدنيا ولا راحة الآخرة.
إذا لاحظ المتأمل لحقيقة الحياة، أنه كلما ارتفع شأن الشخص، زادت العيون عليها، والزحام من حوله حتى لا يأمن على نفسه، ويستعين بالحراس الشخصيين، ليعِش القمة في عزلة، ورغد العيش بين أسوار عالية مُطعَّمة بالخوف والريبة، فتضيع الحرية ولذة الطعام في كاشف السموم.
اليوم.. نعيش هذا الكمَّ من الكشف، والانتهاكات، والفضائح، والتعرف الصريح لشياطين الإنس وساداتهم وأعوانهم، فيسقط الواقع بكل تجرد، ليُصبح الشباب في ريب من حقيقته، ويتفكك المجتمع الذي بات يرتاب من استقامة شبابه، وعفة نسائه وبراءة أطفاله. إنه أمر يحتاج إلى إعادة نظر والسعي نحو الإصلاح الاجتماعي، والتكثيف الإعلامي البنَّاء، ليُقلِّل أو يطغى على ضجيج وضوضاء الإعلام الغربي المريض، ويُعيد للقارئ والمستمع القيم والأخلاق الحميدة، بعيدًا عن تسهيل وتسويق الفجور والفواحش.
وإن طال…
هلَّ علينا الشهر الفضيل؛ فأكثروا من السعي، والعمل الصالح، وأقيموا الكلمة الطيبة، وكونوا قدوة حسنة. تدبَّروا عُمق الأمور، وحقيقة القصد، لا ظاهر الكَلِمِ، وتباعات القرار ممتدة إلى عقود قادمة، ومؤثرة على جماعات لا أفراد فقط، وردود الفعل نتاج طبيعي لفعل مُسبق.
وكل عام وأنتم بخير.
