د. إبراهيم بن سالم السيابي
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: 185).
بهذا التعريف القرآني يبدأ الحديث عن رمضان. لم يصفه الله بشهر الجوع والعطش، بل شهر القرآن، شهر الهداية، شهر الفرقان. وكأنَّ الرسالة واضحة منذ البداية: الصوم ليس انقطاعًا عن الطعام بقدر ما هو عودة إلى الوعي.
كثيرون يصومون عن المفطرات، لكن القليل من يصوم عن الأفكار الخاطئة. نصوم عن الماء ساعات محدودة، فهل نصوم عن القسوة؟ نصوم عن لقمة، فهل نصوم عن الكلمة الجارحة؟ الصوم الجسدي بداية الطريق، أما الصوم الفكري فهو الغاية.
الصوم الفكري أن نراجع قناعاتنا لا بطوننا فقط. أن نعيد النظر في أسلوب حياتنا، وفي طريقة إدارتنا لأعمالنا، وفي تعاملنا مع الموظفين والزملاء، وفي علاقتنا بأسرنا ومن حولنا. كم من شخص يحافظ على صيامه بدقة، لكنه لا يحافظ على عدالته في الميزان، ولا على إنصافه في القرار، ولا على رفقه في الكلمة؛ فالأخلاق هي جوهر الدين، وقد قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
رمضان فرصة لإعادة تشكيل السلوك؛ أن نتوقف عن الغضب السريع، وعن الانفعال غير المبرر، وعن إلقاء اللوم على الظروف. أن نتعلم الصبر الحقيقي؛ لا صبر الامتناع عن الطعام فحسب، بل صبر التحمل والحِلم وسعة الصدر. أن نصوم عن الغيبة كما نصوم عن الشراب، وعن التشهير كما نصوم عن الأكل.
ويمتد الصوم الفكري إلى وعينا الاستهلاكي. كيف نتحدث عن روحانية الشهر ونحن نغرق في المبالغة في المشتريات؟ كيف نعلّم أبناءنا معنى الاعتدال ونحن نربط رمضان بتكدّس الموائد؟ الصوم ليس إعلان تخفيضات، ولا سباق وصفات، ولا استعراض أطباق. الاعتدال عبادة، والاقتصاد في النعمة شكر.
ولعل أخطر ما يفسد الصوم الفكري هو التعالي الأخلاقي. أن نظن أننا الأفضل لأننا نصوم، وأننا أهدى لأننا التزمنا مبكرًا، فيتحول الصيام إلى شعور بالتفوق بدل أن يكون وسيلة للتواضع. الصوم الحقيقي يكسر الكِبر، لا يغذّيه. يقرّبنا من الناس برحمة، لا يبعدنا عنهم بحكم قاسٍ.
ومن المؤسف أن يتحول رمضان عند البعض إلى شهر خمول وتبرير للتقاعس. تتأجل الأعمال، وتخف الهمم، وتُقال العبارة المعتادة: “نحن في رمضان”. بينما التاريخ يحدثنا بصورة مغايرة. في رمضان كانت بدر يوم الفرقان، وفيه كان فتح مكة. لم يكن الصيام عذرًا للضعف، بل مصدرًا للقوة؛ لأن العقول كانت يقظة، والإرادة حاضرة، والغاية واضحة.
رمضان لا يعطّل الحياة، بل يصحح مسارها. لا يوقف الطموح، بل ينقّيه من الأنانية. هو تدريب مكثف على ضبط النفس، ومن يضبط نفسه شهرًا، قادر على أن يضبطها عامًا.
ومن مظاهر غياب الصوم الفكري أيضًا تحوّل الشهر إلى ساحة وصاية. حين ترى إنسانًا عاد إلى المسجد، أو أمسك بالمصحف بعد طول انقطاع، تنهال التعليقات همسًا وعلنًا: “بعد العيد سيعود كما كان”. وكأننا نملك مفاتيح القلوب!
دعوه يقرأ القرآن.
دعوه يُصلّي.
دعوه يقترب من الله كما استطاع.
لسنا أوصياء على النوايا؛ فالهداية قد تبدأ بخطوة صغيرة في ليلة هادئة من ليالي رمضان. لعل آية توقظ قلبًا، أو ركعة تغيّر مسار عمر. من يدري؟
ولا يكتمل معنى الصوم دون استحضار المحتاج. فحين نجوع ساعات، نشعر بشيء مما يعيشه غيرنا كل يوم. الصيام ليس تجربة مؤقتة للجوع، بل درس في الإحساس بالآخرين. هناك من لا ينتظر أذان المغرب ليفطر، بل ينتظر عونًا يسد حاجته.
رمضان شهر الصدقات بامتياز. فيه تتضاعف الأجور، وتُفتح أبواب الخير، وتلين القلوب. وما أجمل أن يتحول شعورنا بالجوع إلى عطاء، وأن يكون صيامنا سببًا في إطعام غيرنا، ومواساة من ضاقت بهم الحياة. الصدقة في رمضان ليست فضلًا فحسب، بل هي جزء من معنى الصيام نفسه.
وقبل أن نختم، لنتذكر رمضان كما عاشه آباؤنا ومن سبقونا.
كان أبسط في مظاهره… وأعمق في أثره. موائد أقل، لكن قلوبًا أكثر امتلاء. تفاصيل محدودة، لكن سكينة واضحة تُرى في الوجوه قبل البيوت. كانوا يستقبلونه بفرح صادق، ويعيشونه بخشوع هادئ، ويودّعونه وقلوبهم معلّقة به.
وكلما أتى رمضان، عاد إلينا بصوتٍ قديم… بأسماءٍ كنا نسمعها حول المائدة ثم غابت. مقعدٌ لا يزال مكانه محفوظًا في الذاكرة، ودعوةٌ تصلهم كل عام قبل أن تصل إلى أي أحد. فنفهم أن رمضان لا يجمعنا بالحاضرين فقط، بل يفتح لنا نافذة وفاء لمن سبقونا.
رمضان في جوهره مشروع إصلاح شامل: إصلاح الفكرة قبل العادة، وإصلاح الخلق قبل المظهر، وإصلاح الداخل قبل الانشغال بصورة الخارج. فإذا خرجنا من الشهر ونحن أكثر صبرًا، وألين قلبًا، وأصدق كلمة، وأعدل حكمًا، وأرحم بالناس… حينها فقط نكون قد صمنا حقًا.
في الختام.. رمضان ليس أيامًا تمضي بسرعة، بل فرصة للتغيير الحقيقي. ليس المهم كم صمنا، بل ماذا تغيّر فينا. هل أصبحنا أهدأ؟ أعدل؟ ألين كلمة؟ أقرب إلى أهلنا؟ أقل حكمًا على الآخرين؟
إذا خرجنا من الشهر وقد تحسن سلوكنا، واستقامت كلماتنا، واقتربنا خطوة صادقة من الله… فقد صمنا كما ينبغي. أما إن عاد كل شيء كما كان، فعلينا أن نراجع أنفسنا من جديد.
رمضان فرصة قد تتكرر فالله، وقد لا تتكرر والاعمار بيد الله فوحده يعلم الغيب؛ فلنجعل منه بداية واضحة، لا مجرد ذكرى جميلة.
اللهم بلغنا رمضان، واجعل صيامنا صيام عقلٍ وقلب قبل أن يكون صيام جسد، وأصلح فينا ما خفي، وتقبل منا الصيام والقيام، واكتب لنا أثرًا يبقى بعد انقضائه.
