عشرة شهور تقريباً مرت على مشاهدتي فيلم Sinners  للمرة الأولى، لم يزد انطباعي وقتها عن أنه فيلم مسلي جداً، يثير في النفس إحساساً غريباً بأنه يمارس متعة محرمة، ليس فقط لإن هذا هو الإطار العام لموضوع الفيلم، وحياة شخصياته، ولكن بسبب هذا المزيج الغريب من الموسيقى والأغاني الجميلة على مشاهد مصاصي الدماء الصادمة، المرعبة، التي تثير القشعريرة في الأوصال.

لم يتغير انطباعي عن الفيلم كثيراً حين عدت لمشاهدته بعد عدة أشهر، كان قد اكتسب خلالها شهرة ومكانة كما كسب عشرات الجوائز التي كللت بترشيحه لـ16 جائزة أوسكار، ضارباً بذلك رقما قياسياً لم ينله أعظم الأفلام في تاريخ السينما!

هل يستحق الأوسكار؟

سيظل Sinners فيلماً مسلياً ممتعاً مرعباً، ولكن هل هو بالفعل أفضل أفلام 2025؟ وهل يستحق بالفعل أن يتربع على قمة الأفلام التي رشحت للأوسكار؟ (ومن يدري؟ لعله يتوج أيضاً برقم قياسي من الجوائز، فيصبح، رسمياً، ضمن قائمة أعظم أفلام السينما؟).

ربما تكمن الإجابة على هذه الأسئلة، جزئياً، في معرفة أسماء ومصائر الأفلام التي حصلت على أكبر عدد من الترشيحات أو الجوائز في الماضي: هناك 3 أفلام حصلت على 14 ترشيحاً هي All About Eve، Titanic وLa La Land، ورغم حبي للأول والثالث، لكنني لا أعتقد أن أياً منهم يعد من أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما.

وإذا ذهبنا إلى الأفلام التي حصدت أكبر عدد من جوائز الأوسكار سنجد أن كل من Ben- Hur وTitanic وLord Of The Rings: The Return Of The King قد حصل على 11 أوسكار، وبالتأكيد، رغم حبي للثالث، لا يعد أياً منهم من أفضل 100 فيلم، والأول والثاني لا يعتبرون حتى من أفضل 1000 فيلم في تاريخ السينما!

لكن Sinners، مع ذلك، قد يفوز بنصيب الأسد في ليلة الأوسكار، لأسباب عدة، منها أنه لا يوجد منافس حقيقي له باستثناء One Battle After Another، ولكن الأخير مثير للجدل، وقد يفقد عدداً من الأصوات بسبب مضمونه الثوري الزائد، ومنها أن Hamnet رغم جماله البصري وممثلته الموهوبة، ثقيل الوطأة والظل، بل متكلفاً وغليظ الحس أحياناً، ومنها أن The Secret Agent أجنبي، رغم أنه الأفضل والأكثر ابتكاراً وتفرداً بين كل الأعمال المرشحة.

حسنات ومزايا

ولكن ذلك كله لا يعني، بأية حال، أن Sinners لا يخلو من الحسنات والمزايا الفنية والفكرية، التي سأحاول أن أعددها، وأقيمها، بقدر ما أستطيع من موضوعية، هنا.

كون Sinners فيلماً مسلياً وممتعاً لا يعني بالضرورة أنه ممتاز، أو العكس، فالأفلام قد تكون مسلية وجيدة أو مسلية ورديئة فنياً، ولذلك يحتاج الأمر إلى فصل العناصر، مؤقتاً.

يعتمد الفيلم في تسلية وامتاع مشاهديه على عنصرين أساسيين، طالما كانا مصدر جذب وامتاع للجماهير: وهما الموسيقى الشعبية، والرعب. يضاف إلى ذلك بالطبع، كون الفيلم يدور عن معاناة الأميركيين الأفارقة في فترة صعبة ومفصلية، خلال بداية ثلاثينيات القرن الماضي، مع تنامي العنف ضد الأقليات الملونة، والتنامي المتزايد لثقافات هؤلاء الأقليات وتعبيرهم عن ذاتيتهم وهويتهم.

يبدأ Sinners بحكاية أسطورية متداولة في التراث الإفريقي وشعوب أمريكا الأصليين، عن قدرة بعض الموسيقيين الموهوبين بفتح البوابة الفاصلة بين الأحياء والموتى، وجمع الأرواح في خدمة الله أو الشيطان، وهي النواة التي ينبني حولها فكرة وحبكة الفيلم: ولد مراهق موهوب في العزف، ابن قس محافظ يعتقد أن الموسيقى والغناء رجس من عمل الشيطان، يذهب لاحياء ليلة افتتاح ملهى جديد، ليتبين أن الشيطان بالفعل قد أرسل أحد أعوانه، من مصاصي الدماء، لكي يقتل الولد، ويستولي على روحه لتسخيرها في خدمته! 

توليف وتأليف

ولكن هذه الفكرة/ النواة ليست سوى الشرارة الأولى التي يولد منها الفيلم، الباقي كثير من التوليف وقليل من التأليف، لصياغة عمل مختلف، بالرغم من شبهه بأعمال كثيرة.

يعترف رايان كوجلر، مؤلف ومخرج الفيلم، في حوار أجراه حول الفيلم، بأنه تأثر بأعمال كل من كوينيتن تارانتينو وروبرت رودريجز، خاصة في الفيلم الذي كتبه الأول وأخرجه الثاني From Dusk Till Dawn، 1996، والذي كان من أوائل الأفلام الهوليوودية التي مزجت بين نوعين فنيين مختلفين تماما، حيث يبدأ العمل كفيلم ويسترن، قبل أن ينقلب فجأة، بالقرب من منتصفه، إلى فيلم رعب حيث يتبين أن ملهى ليلي يظهر فجأة وسط الصحراء النائية يعج بمصاصي ومصاصات الدماء.

تأثير رودريجز لا يقتصر على هذا الفيلم، ولكن كوجلر يستلهم أيضاً بعض عناصر فيلمه The Faculty، في مزجه لنوعي أفلام الطلبة بالخيال العلمي بالرعب، بجانب شخصية المراهق الأساسية التي يعتمد عليها الفيلم.

مصدر الإلهام الثاني الذي يشير إليه كوجلر هو فيلم Get Out إخراج جوردان بيل، 2017، الذي يربط العبودية واضطهاد الأميركيين الأفارقة بمصاصي الدماء، من خلال قصة خيالية تبدأ على طريقة فيلم Guess Who’s Coming To Dinner، الذي يدور حول قصة حب بين فتاة بيضاء من عائلة أرستقراطية وشاب أسود، ليتبين أن الفتاة وأهلها وطبقتها ما هم إلا مصاصي دماء قاموا باستدراج الشاب للتغذي على قواه البدنية، كما فعلوا مع العشرات من قبله!

هذه الفكرة المبتكرة، التي تجسد مقولة ماركس عن الرأسمالية التي تمتص دماء الفقراء، يعيد رايان كوجلر تدويرها في Sinners، من خلال شخصية الشيطان وأعوانه البيض..بينما يقف الأمريكيين الأفارقة والأصليين في موقف الضحايا أو المتصدين لهؤلاء الشياطين.

ترفيه له معنى

يواصل كوجلر استلهام أنواع فنية وأعمال وأساليب مخرجين آخرين، ليصنع تركيبته الفريدة، من نوع الفيلم الـEpic الذي يدور في فترات تاريخية قديمة، إلى الفيلم الغنائي الاستعراضي، ولكن المهم أن هذا الخليط متآلف، مألوف، وغريب في الوقت نفسه، وفي كل الأحوال متجانس وشهي المذاق!

يجيد كوجلر صناعة الأفلام الترفيهية ذات الجماهيرية العريضة، ولكن ميزته عن غيره من صناع الترفيه تكمن في قدرته على إضفاء معني ومغزى ومضمون يهم المشاهد من وراء هذا الترفيه. ولعل المثل الأكبر على ذلك هو فيلميه المارفيليين (نسبة إلى شركة “مارفل”) Black Panther، 2018، و Black Panther: Wakanda Forever، 2022، اللذين كانا من أنجح أعمال مارفل الأخيرة على مستوى الإيرادات، وفي الوقت نفسه استطاع كوجلر تحميلهما بمضامين “إفريقية” و”دينية” و”أنثروبولجية” تخاطب الأجيال الصغيرة وتتجاوز فكرة التسلية للتسلية.

الأمر نفسه نجده في Sinners المحمل بطبقات من الأفكار: 

من هذه الأفكار ما أشرت إليه سابقاً عن الأسطورة الشعبية عن الموسيقى وقدراتها الروحية (الطيبة أو الشريرة)، وهي فكرة تتماس بقوة مع بعض الأفكار المسيحية والاسلامية التي تنظر بريبة وشك إلى الموسيقى، التي يمكنها أن تصلح أو تفسد، والتي يمكن أن تكون أناشيد الملائكة أو فحيح الشياطين.. ذلك أن الموسيقى يمكنها أن تسمو بالفكر إلى حدود الشعر والفلسفة، ولكنها أيضاً يمكن أن تثير الحواس وتدفعها إلى “الجنون” أحيانا!

لقد ولدت موسيقى الأميركيين الأفارقة داخل الكنائس الخاصة بهم، ولكنها اكتست بايقاعات إفريقية قوية وراقصة ومربكة لمن لا يألفها، بينما ولدت موسيقى “الريف” الأميركي من ألحان وايقاعات ناعمة ومحتشمة وإن كانت محملة بما يحمله الرجل الأبيض من وزر الإبادة والعنصرية، ويلعب Sinners  بعبقرية على الجدل بين النوعين.

ومن الأنثروبولوجي والديني ينتقل كوجلر إلى النفسي عبر جو الرعب الذي يهيمن على الفيلم، في البداية كخلفية غير منظورة، ثم يجتاح المشهد مع بداية الحفل والموسيقى، وكأنما هذه الموسيقى قد استحضرت الأشباح والشياطين الداخلية للشخصيات، التي تتمثل في العنف والإبادة التي تهدد السكان الأصليين والأفارقة وبقية الأقليات، وهو رعب ينعكس بدوره على الشخصيات البيضاء التي تخشى ذلك الحضور الموسيقي والثقافي الإفريقي الهائل، وتحاول قمعه موسيقياً (من خلال أغاني الريف) أو ابتلاعه والقضاء عليه.

الرعب كمجاز سياسي

الرعب هنا هو مجاز نفسي للوضع الإنساني والاجتماعي، الذي تعيشه الشخصيات داخل جماعاتها المنعزلة المتعارضة، والعنف الذي يمارس عليها أو تمارسه هي نفسها ضد الآخرين.

والرعب في الفيلم ينبع من هذا الواقع النفسي/ الاجتماعي/ السياسي، ولا يأتي من فراغ كما يحدث في معظم أفلام الرعب التجارية. ويستغرق رايان كوجلر من زمن فيلمه الطويل (140 دقيقة تقريباً) ما يقرب من 40 دقيقة في التمهيد لظهور الرعب، بعد أن يتعرف المشاهد على الفترة التاريخية ونوع الحياة في مدينة ريفية تسكنها أقلية سوداء، قريبة من مستوطنة سكان أصليين، محاطة بالغازي الأبيض.

بطلا الفيلم هما توأم، يؤدي الدورين مايكل جوردان، عضوان سابقان في عصابات شيكاجو يحترفان التهريب والإجرام ويعودان إلى قريتهما في الميسيسيبي، لكي يرتقيا مادياً بحياتهما، ويحلمان بتأسيس ملهى للغناء والرقص والترفيه خاص بالسود.. ولكن المناخ المحيط بهما، وبكل مجتعهما الأسود، قمعي وعنصري ومهدد.

لوحة كئيبة

يرسم Sinners  لوحة داكنة كئيبة للفترة التاريخية يغلب عليها الأحمر والأسود والأصفر، وبجانب شخصيتي التوأم هناك الكثير من الشخصيات المكتوبة جيدا، والتي يؤديها فريق تمثيلي بارع، يشكلون معاً فرقة عازفين متناغمة لا تقل عن تناغم الموسيقى والأغاني، وبالتأكيد يعزز هذا الحضور التمثيلي القوي من قيمة الفيلم ومستواه الفني (على عكس ما تفعل الأفلام التجارية عادة التي لا تهتم ببناء الشخصيات أو التمثيل).

يستخدم كوجلر أسلوباً كلاسيكياً في الإخراج، وفقاً للمدرسة الأمريكية في الأفلام الملحمية Epic، من خلال الشاشة العريضة واستعراض الأفق والطبيعة، واللقطات المتوسطة، وقلة اللجوء للقطات الذاتية أو المقربة جدا. وهذه المسافة الموضوعية بين المشاهد والرعب تجعل لهذا الرعب حضوراً عقلياً أكثر منه جسدياً، ما يعلو بالفيلم فوق “الاستغلال” و”التلاعب” الذي تمارسه أفلام الرعب التجارية عادة.

في النهاية، ربما لا يرقى Sinners إلى مصاف الأعمال العظيمة التي تعيش لعقود قادمة، أو لمستوى One Battle.. أو The Secret Agent أو حتى Sentimental Value، ولكنه فيلم “عصري” جداً، مناسب للمرحلة وجمهور المرحلة، وإذا وضعنا في الحسبان مستوى الأفلام الأخرى المنافسة، فربما تكون ساعة الحظ قد دقت بقوة ليكتسح جوائز الأوسكار القادمة.

* ناقد فني

شاركها.