تتسارع وتيرة التصريحات السياسية والإدارية المرتبطة بالعمل على تنفيذ اتفاق كانون الثاني بين الحكومة السورية و”قسد”، وسط تباين في المقاربات بين الجانبين حيال آليات التنفيذ وسرعته.

إجراءات حكومية متسارعة في الحسكة

أعلن محافظ الحسكة الذي رشحته “قسد” وتم تعيينه مؤخرًا من قبل الحكومة السورية، نور الدين أحمد، الجمعة 20 من شباط، عن حزمة إجراءات قال إنها تهدف إلى “تعزيز الاستقرار الخدمي والإداري وتسهيل شؤون المواطنين”.

وأوضح المحافظ أن جميع الطرقات المؤدية إلى مدينة الحسكة ستُفتح يوم الأحد، عقب استكمال الإجراءات اللازمة لضمان سلامة الحركة المرورية، في خطوة من شأنها تخفيف القيود التي فرضتها التطورات العسكرية والأمنية خلال الفترة الماضية.

كما أشار إلى وصول وفد فني من العاصمة دمشق يوم السبت، في إطار استكمال العمل على إعادة تشغيل مطار القامشلي الدولي ووضعه في الخدمة مجددًا، ما يُتوقع أن يسهم في تسهيل حركة السفر وربط المحافظة بالمركز بشكل مباشر.

ويُعد مطار القامشلي من المنشآت الحيوية في المنطقة، إذ يشكل شريانًا أساسيًا للنقل الجوي المدني والعسكري، وقد شهد خلال السنوات الماضية فترات تشغيل متقطعة، تبعًا للظروف الأمنية والسياسية.

دمج مؤسسات وإعادة موظفين

وفي سياق متصل، قال المحافظ إن لجنة مختصة أشرفت على عملية الدمج في المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب، إضافة إلى إعادة موظفين مفصولين إلى أعمالهم وفق الأصول القانونية.

ويأتي ذلك ضمن مسار أوسع لإعادة هيكلة المؤسسات العامة في الحسكة، بما يتماشى مع القوانين والأنظمة المعمول بها في الدولة السورية، بعد سنوات من الانقسام الإداري.

كما أعلن المحافظ عن التوجيه بالإفراج عن دفعة من السجناء في المحافظة، دون الكشف عن أعدادهم أو طبيعة القضايا المرتبطة بهم.

استئناف الرحلات البرية وتفعيل القطاعات

وأضاف المحافظ أن الرحلات البرية بين الحسكة ودمشق ستُستأنف، بما يسهم في تعزيز التواصل وتسهيل حركة المواطنين والبضائع، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من الخطوات العملية لإعادة تفعيل مختلف القطاعات الخدمية.

وتتزامن هذه الإجراءات مع تحولات أوسع تشهدها المحافظة، بعد سيطرة الجيش السوري على مساحات واسعة منها مطلع العام الحالي، أعقبها تفاهمات في إطار اتفاق كانون الثاني الماضي أفضت إلى إعادة انتشار محدود للقوات الأمنية في عدد من المراكز الحيوية داخل مدينتي الحسكة والقامشلي.

“الإدارة الذاتية”: التنفيذ يتعثر

في تصريحات للرئيسة المشتركة لـ”دائرة العلاقات الخارجية” في “الإدارة الذاتية”، إلهام أحمد، الجمعة 20 من شباط، قالت إن وفدًا من “الإدارة” أجرى محادثات مع ممثلين أمريكيين قبيل مغادرته إلى مدينة ميونيخ الألمانية للمشاركة في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن، مشيرة إلى أن الجانب الأمريكي أبلغهم برغبته في أن تكون الاجتماعات “بشكل مشترك”.

وأضافت أحمد أنهم اجتمعوا مع وزير الخارجية السوري، واتفقوا على “التنسيق وتنظيم الاجتماعات بشكل مشترك”، موضحة أن الدعوة إلى المؤتمر وصلت في وقت قصير، وأن الحكومة السورية طلبت لقاءهم قبل السفر، إلا أنهم كانوا قد غادروا بالفعل.

حول اتفاق كانون الثاني، الذي يشكل الإطار الناظم لعملية الدمج بين مؤسسات “الإدارة الذاتية” ومؤسسات الدولة السورية في محافظة الحسكة وأجزاء من شمال شرقي سوريا، قالت أحمد، إن “العديد من بنود الاتفاقية لم تُنفذ حتى الآن”، معتبرة أن عرقلة التنفيذ ترتبط بمسألة “وعي ومسؤولية مشتركة”.

وأشارت إلى أن “خطاب الكراهية الذي تستخدمه بعض فئات المجتمع” يسهم في تعطيل تنفيذ الاتفاق، داعية إلى تجاوز الخطابات التصعيدية والتركيز على آليات عملية تضمن تطبيق التفاهمات الموقعة.

ويأتي حديث أحمد في وقت تشهد فيه الحسكة خطوات إجرائية على الأرض، تتعلق بدمج قطاعات خدمية وإدارية، وإعادة هيكلة مؤسسات أمنية وعسكرية، ضمن مسار تقول دمشق إنه يهدف إلى إعادة بسط مؤسسات الدولة وتوحيد المرجعيات الإدارية.

إعادة تشكيل الألوية والملف العسكري

في الشق العسكري، أكدت أحمد أن “إعادة تشكيل الألوية تجري حاليًا”، دون الخوض في تفاصيل إضافية حول طبيعة دمج التشكيلات، في إشارة إلى أحد أكثر الملفات حساسية ضمن اتفاق كانون الثاني، والمتعلق بدمج الهياكل العسكرية والأمنية القائمة ضمن بنية وزارة الدفاع ووزارة الداخلية السوريتين.

ويُعد هذا الملف من أبرز نقاط التفاوض بين الجانبين، نظرًا لارتباطه بالتوازنات المحلية، وبالوجود العسكري الدولي في المنطقة، لا سيما القوات الأمريكية المنتشرة في شمال شرقي سوريا، والتي انسحبت من بعض القواعد داخل البلاد، لا سيما قاعدتي التنف والشدادي وسلمتهما للحكومة.

مشاركة المرأة والتعليم

تطرقت أحمد إلى ملف مشاركة المرأة، معتبرة أن حضورها في مختلف المجالات “محدود لدى الحكومة في دمشق”، مؤكدة ضرورة أن تكون مشاركة المرأة “مثالًا يُحتذى به”.

كما شددت على أهمية وضع “إطار واضح لموضوع التعليم”، في ظل استمرار ازدواجية المناهج في بعض مناطق الحسكة خلال السنوات الماضية، بين مناهج النظام السابق والمناهج التي اعتمدتها “الإدارة الذاتية”.

ويُعد ملف التعليم من أكثر القضايا إلحاحًا في سياق الدمج، إذ يرتبط بمصير الشهادات الدراسية، والاعتراف الرسمي بها، إضافة إلى مستقبل الكوادر التعليمية وآلية توحيد المناهج.

عودة المهجرين والتحذير من حرب جديدة

أشارت أحمد إلى وجود “إجراءات وإنجازات مشتركة لعودة المهجرين”، معتبرة أن اتفاق كانون الثاني كان “ركيزة أساسية” في اجتماعات ميونيخ، وأن المرحلة الحالية تتطلب “روح وحدة عالية وظهور تحالف”.

في المقابل، حذرت من “خطر اندلاع حرب جديدة في سوريا”، متهمة تركيا بلعب “دور سلبي في مختلف الجوانب”، وقالت إن “جزءًا من الداخل التركي لا يريد الحل في سوريا ويحاول إفشال الحوار دائمًا”.

كما اعتبرت أن “الأشخاص الذين يرون الكرد تهديدًا يعارضون الحل”، وأن من الشروط الأساسية لأي تسوية أن “يعيش الكرد على أرضهم بهويتهم”، داعية إلى دعم مشروع قانون لحماية الكرد، ومؤكدة أنه “لا ينبغي لأي طرف أن يقول الآن: أنا الضامن”.

 

بين الخطاب السياسي والإجراءات الميدانية

تعكس تصريحات إلهام أحمد ومحافظ الحسكة تداخل المسارات السياسية والإدارية في مرحلة حساسة من تاريخ المحافظة، حيث يسعى اتفاق كانون المبرم بين الطرفين إلى تثبيت معادلة جديدة قائمة على التنسيق المشترك الذي من المفترض أن يفضي إلى دمج المنطقة ضمن مؤسسات الدولة السورية على الأصعدة العسكرية والأمنية والخدمية.

إلى ذلك، يبقى نجاح هذه المرحلة مرهونًا بمدى القدرة على ترجمة التفاهمات المعلنة إلى خطوات عملية شاملة، تتجاوز العقبات السياسية والإدارية، وتنعكس مباشرة على حياة السكان في الحسكة، الذين يترقبون نتائج ملموسة بعد سنوات من الانقسام والتجاذبات.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.