في كل بيت تقريباً مريض بالسكري أو الضغط أو أحد الأمراض المزمنة، ومع اقتراب شهر رمضان تتكرر الأسئلة ذاتها: كيف نصوم دون أن نؤذي أجسادنا؟ كيف نوازن بين روحانية الشهر ومتطلبات الصحة؟ وكيف كان هدي النبي محمد ﷺ في طعامه حتى يكون لنا فيه قدوة عملية لا مجرد حكاية تُروى؟
الحقيقة التي نغفلها كل عام أن رمضان لم يُشرع ليكون موسماً للطعام، بل موسماً لتهذيب النفس وإعادة ترتيب الأولويات. غير أن موائدنا، في كثير من البيوت، تحوّل الشهر الكريم إلى سباق يومي في عدد الأصناف، وكأن ساعات الصيام الطويلة تبرر الإفراط لحظة الإفطار. هنا تحديداً تكمن المشكلة، خصوصاً حين يكون بيننا مريض سكري يرتفع لديه مستوى الجلوكوز فجأة بعد وجبة ثقيلة، أو مريض ضغط يتأثر بالملح والمخللات والمقليات، أو كبير سن لا يحتمل تقلبات الطعام المفاجئة.
مريض السكري يحتاج في رمضان إلى انتظام لا إلى مفاجآت. كسر الصيام يجب أن يكون هادئاً، بتمرات قليلة وماء، ثم وجبة متوازنة تُقسم على فترتين بدل أن تُؤكل دفعة واحدة. المشكلة ليست في الطعام ذاته بقدر ما هي في الكمية وطريقة التناول. طبق واحد متوازن يضم بروتيناً مشوياً، ونشويات معقدة بكميات معتدلة، وخضروات طازجة، يغني عن خمسة أطباق تُرهق البنكرياس وتُربك الجسم. أما العصائر المحلاة والحلويات اليومية، فهي قفزة سريعة في مستوى السكر يعقبها هبوط حاد وإجهاد عام، بينما الاعتدال يمنح طاقة مستقرة ويجعل الصيام أكثر أماناً.
ومريض الضغط ليس بعيداً عن هذا التحدي. الملح الزائد، والمخللات، واللحوم المصنعة، والمقليات الغزيرة، كلها عوامل ترفع الضغط وتزيد العبء على القلب. رمضان فرصة ذهبية لإعادة ضبط الذوق نفسه؛ أن نكتشف أن الطعام يمكن أن يكون شهياً دون إفراط في التوابل والدهون، وأن الشبع لا يعني الامتلاء حد التخمة. شرب الماء بانتظام بين الإفطار والسحور، وتقليل المنبهات، والاعتماد على الخضروات والفواكه الطازجة، كلها عادات بسيطة لكنها تصنع فرقاً كبيراً في استقرار الصحة.
وإذا عدنا إلى هدي النبي ﷺ، وجدنا صورة مختلفة تماماً عن موائدنا الحديثة. كان يفطر على تمرات وماء، وربما لبن، وكان طعامه في غالب أيامه بسيطاً: خبز شعير، تمر، زيت، خل، وقليل من اللحم في بعض الأحيان. لم يكن الشهر موسم تنويع أصناف، بل موسم عبادة وخفة في البدن تعين على قيام الليل وطول الدعاء. وكان يقول: «ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه»، في تذكير واضح بأن الامتلاء المفرط ليس علامة نعمة، بل قد يكون باب تعب ومرض.
الاقتداء لا يعني أن نكرر تفاصيل الحياة القديمة بحذافيرها، لكن أن نستحضر جوهرها: البساطة، الاعتدال، وعدم جعل الطعام محور الشهر. حين نجعل الإفطار بسيطاً، نقلل من عدد الأصناف، ونحدد للحلوى يوماً أو يومين في الأسبوع بدل أن تكون عادة يومية، فإننا لا نحمي صحتنا فحسب، بل نحرر قلوبنا من ثقل الانشغال بالمطبخ والمائدة. كم من بيوت تقضي ساعات طويلة في إعداد أطباق لا يُؤكل نصفها، ثم نشكو من الإرهاق والميزانية والمرض في آن واحد.
رمضان فرصة لإعادة بناء علاقتنا بالطعام. أن نأكل لنقوى على العبادة، لا أن نأكل فنثقل عنها. أن نفكر في مريض بيتنا قبل أن نضيف صنفاً جديداً إلى المائدة. أن نجعل الرحمة أساس قراراتنا الغذائية، رحمة بالجسد الذي ائتمننا الله عليه، ورحمة بقلوبنا حتى تبقى خفيفة مقبلة على الطاعة.
دون شك الصحة ليست عائقاً أمام الصيام إذا أُحسن التدبير، بل قد يكون الصيام المنظم سبباً في تحسين كثير من المؤشرات الصحية. أما الإفراط، فهو الذي يحوّل العبادة إلى مشقة. وبين هذا وذاك يبقى الخيار بأيدينا: إما أن نجعل رمضان شهر امتلاء الموائد، أو شهر امتلاء القلوب.
