خالد بن سالم الغساني
يعلن البنتاغون في استراتيجيته الدفاعية الجديدة أن الولايات المتحدة تسعى إلى «شرق أوسط أكثر سلامًا وازدهارًا»، وعبارة كهذه فإن أبلغ ما يمكن وصفها به هو أنها مبتذلة وفجّة، تمامًا كما هي السياسة الأمريكية في جوهرها؛ فالتاريخ القريب والبعيد لممارسات الولايات المتحدة في المنطقة يحدثنا بوضوح أن هذا الخطاب لا ينفصل عن استخدام القوة، وإدارة الصراعات بدل حلّها، وتكريس اختلالات بنيوية في موازين الأمن والسيادة. وهي سياسة لطالما قامت على إدارة الأزمات بدل حلّها.
الاستراتيجية الجديدة لا تعرض رؤية لتحول سياسي حقيقي ينبع من داخل المنطقة، بل تؤكد بشكل قاطع أن حلفاء الولايات المتحدة هم من تقع على عاتقهم «المسؤولية الأساسية» في ردع إيران والقوى المرتبطة بها. وهذا الطرح لا يعكس نقلًا للقرار أو احترامًا لاستقلالية الحلفاء، كما هو ديدن السياسة الاستعمارية، بقدر ما يعكس إعادة توزيع للأدوار؛ حيث يُطلب من دول المنطقة تحمّل كلفة المواجهة الميدانية، بينما تحتفظ واشنطن بحق التدخل الحاسم متى رأت أن مصالحها مهددة. إنها صيغة مألوفة في العلاقات الإمبريالية؛ تتلخص في: “شركاء في المخاطر وتابعون في القرار”.
ووسط هذه اخبار عمان، يطفو إلى الواجهة الدعم اللامحدود وغير المشروط لإسرائيل (دويلة الكيان الصهيوني المحتل)، بوصفه العنصر الثابت الذي لا يقبل النقاش؛ فالاستراتيجية تشدد على «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها» وعلى ضرورة تعزيز اندماجها في المنطقة، دون أي إشارة مقابلة إلى حقوق الشعب الفلسطيني أو إلى واقع الاحتلال المستمر. ليتحول الأمن هنا إلى مفهوم انتقائي، يُقاس بمدى قدرة إسرائيل على التحرك دون قيود، لا بمدى تحقيق العدالة أو إنهاء أسباب الصراع. وهذا التجاهل المتعمد للقضية الفلسطينية يعكس تغييبها عن الحسابات بشكل كامل من جهة، ومن جهة ثانية إخراجها من معادلة الاستقرار الإقليمي.
في هذا الإطار، يُعاد تعريف مفهوم السلام نفسه؛ حيث لم يعد السلام يعني تسوية عادلة أو اعترافًا بالحقوق التاريخية، أو التزامًا بالقانون الدولي؛ بل أصبح يعني وضع قانون لإدارة الاضطرابات ومنع انفجارها بما يهدد المصالح الأمريكية والإسرائيلية. وبالتالي يصبح هذا السلام المزعوم قائمًا على عنجهية الردع والقوة، لا على التفاهم والمصالحة، سلامًا هشًا لا يمنع الانفجار، بقدر ما يؤجله، ومشحونًا بعوامل الانهيار الذاتي.
ولا يختلف الخطاب كثيرًا عندما تنتقل الاستراتيجية إلى القارة الإفريقية؛ فالأولوية المعلنة هي منع «الإرهابيين الإسلاميين» حسب وصفهم من استخدام الملاذات الآمنة، مع التأكيد على حق الولايات المتحدة في تنفيذ عمليات عسكرية مباشرة. مرة أخرى، يُختزل واقع شديد التعقيد في توصيف أمني ضيق، يُستخدم لتبرير التدخل العسكري وتجاهل السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تغذي العنف. يغيب الحديث عن الفقر، وعن فشل الدول، وعن آثار الاستعمار ونهب الموارد، ليحل محله منطق القوة السريعة والحلول العسكرية قصيرة الأمد.
أما فيما يخص الإشادة بما سُمّي بـ«الدبلوماسية الرصينة والدؤوبة» للرئيس دونالد ترامب، فهي تكشف حجم الانفصال بين الخطاب والواقع. فسجل هذا ترامب في السياسة الخارجية قائم على العقوبات القصوى، والانسحاب من الاتفاقيات الدولية، واستخدام التهديد كأداة تفاوض أساسية. هذه ليست دبلوماسية بقدر ما هي فرض إرادة؛ حيث تُختزل العلاقات الدولية في منطق الإملاء والامتثال، وتُدار السياسة العالمية بعقلية الصفقة لا بعقلية الشراكة.
وفي المحصلة، فإن الاستراتيجية الدفاعية الجديدة لا تعكس أي تحول يمكن أن يعد نوعيًا في اخبار عمان الأمريكية، بقدر ما تؤكد استمرارية نهج إمبريالي قديم، يُعاد إنتاجه بلغة أكثر نعومة وأقل صراحة على الورق، وغلظة ووقاحة وصراحة متناهية على لسان ترامب. لذلك فإن الشرق الأوسط وإفريقيا لا يُنظر إليهما كفضاءين لشعوب تسعى إلى الكرامة والاستقرار؛ بل كساحات نفوذ تُدار فيها الأزمات بما يخدم مصالح القوة الكبرى. وفي ظل هذا النهج تبقى القضية الفلسطينية مغيبة عمدًا؛ لأنها تمثل التناقض الأخلاقي والسياسي الأوضح في هذا الخطاب، وتفضح زيف الادعاء بأن السلام يمكن أن يتحقق دون عدالة.
لعل ما نشهده اليوم ليس ذروة قوة الإمبريالية، بل ذروة انكشافها. فبعد كل ذلك، ألم تصل الإمبريالية بعد إلى أعلى درجاتها التي تعني بالضرورة تفككها وحتمية زوالها؟ ألا يعني موت مؤسسات المجتمع الدولي، وصحوة شعوب العالم، المسمار الأخير في نعش الغطرسة الاستعمارية الإمبريالية؟
