«نحن لا نشتاق لرمضان فقط.. نحن نشتاق للنسخة الهادئة من أنفسنا التي لا تظهر إلا فيه».
قبل إعلان الهلال بأيام، يحدث أمر لافت.. لا يتغير التقويم بعد، ولا تبدأ الطقوس رسمياً، لكن الإنسان يشعر بأن شيئاً في داخله بدأ يهدأ. كأن النفس، التي أنهكها إيقاع الحياة السريع، تدرك أن محطة قريبة على وشك الوصول.
نحن نعيش عاماً طويلاً من الاستعجال.
أخبار لا تنتهي، رسائل لا تتوقف، مقارنة دائمة على منصات التواصل، وسعي مستمر لنبدو أفضل مما نحن عليه. نركض كثيراً.. حتى أصبحنا نجهل أحياناً لماذا نركض أصلاً. ومع هذا التسارع، لا يتعب الجسد فقط، بل تتعب الروح أيضاً، بصمت.
رمضان ليس مجرد صيام عن الطعام والشراب، بل صيام عن الضجيج. هو إعادة ضبط سنوية للنفس، تذكير هادئ بأن الإنسان ليس آلة إنتاج، وأن القلب يحتاج سكوناً كما يحتاج الجسد إلى الغذاء.
في رمضان، تخفّ الخلافات، تجتمع العائلة حول مائدة واحدة، تتباطأ الإيقاعات قليلاً، ونستعيد شعور البساطة الذي نفتقده طوال العام. حتى من يعيش ضغط العمل أو الدراسة أو تحديات الحياة اليومية، يشعر بأن هذا الشهر يمنحه فرصة مختلفة… ليس ليكون أفضل أمام الناس، بل ليكون أهدأ مع نفسه.
لسنا ننتظر رمضان لأنه عادة متكررة، بل لأننا بحاجة إليه كاستراحة روحية، كمساحة مراجعة، كفرصة نعيد فيها ترتيب أولوياتنا: ماذا يستحق القلق؟ وماذا يستحق الاهتمام؟ وماذا يجب أن نتركه خلفنا؟
رمضان ليس ضيفاً عابراً.. بل محطة اتزان.
وفي كل عام نكتشف الحقيقة ذاتها: نحن لا نفتقد الشهر بقدر ما نفتقد أنفسنا حين نبتعد عن هدوئنا الداخلي.
