في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتشتد فيه المنافسة الإقليمية، يبرز دور الرجل الدبلوماسي القادر على الجمع بين الرؤية الاستراتيجية والهدوء القيادي والعمل التشاركي. ومن هذا المنطلق، جاء إعلان معالي الدكتور الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة، وزير المواصلات والاتصالات، عن إطلاق الاستراتيجية الوطنية للطيران (20262027) تحت شعار «نبني جسوراً إلى العالم ومن أجل العالم»، ليعكس نموذجاً متقدماً في القيادة الواعية التي تدرك أن الطيران لم يعد مجرد قطاع خدمي، بل رافعة سيادية للاقتصاد الوطني ومؤشراً على مكانة الدول في خارطة العالم.
إن هذه الخطوة تنسجم بوضوح مع رؤية البحرين الاقتصادية 2030، وتؤكد التزام مملكة البحرين بتعزيز موقعها كمركز إقليمي وعالمي رائد في قطاع الطيران. ولم يكن الإعلان مجرد تصريح رسمي، بل رسالة سياسية واقتصادية تعكس عقلية دبلوماسية تؤمن بأن التكامل بين القطاعين العام والخاص هو السبيل إلى تحقيق النجاح المستدام.
ما يميز هذه الاستراتيجية أنها ثمرة عمل تشاركي مع مختلف الشركاء في القطاعين الحكومي والخاص. وهذه المقاربة تعكس فهماً عميقاً بأن الأسواق الحديثة لا تُدار بقرارات منفردة، بل تُبنى عبر حوار وتنسيق وتكامل. فالرجل الدبلوماسي لا يفرض الرؤية، بل يصوغها بالتشاور، ويمنح الجميع دورًا في صياغة المستقبل.
وقد ارتكزت الاستراتيجية على مبدأ الاستجابة لاحتياجات السوق، باعتبارها المحرك الحقيقي للنمو. وهي مقاربة عملية تعكس فكراً إدارياً مرناً يوازن بين المعايير الدولية والخصوصية الوطنية، ويضع التنافسية في قلب التخطيط.
جاءت الاستراتيجية بأهداف واضحة وطموح بلا سقف، ثلاثة مسارات رئيسية تؤكد وضوح الرؤية ودقة التنفيذ من خلال بناء منظومة طيران متكاملة متوافقة مع المعايير الدولية. وتحويل مطار البحرين الدولي إلى مركز عالمي للتميّز، ووجهة مفضلة لشركات الطيران ومشغلي الطيران الخاص، مع تعزيز دوره في مجالات الصيانة والإصلاح والتشغيل (MRO) والخدمات اللوجستية. وتوسيع شبكة الوجهات الجوية من 66 إلى 100 وجهة بحلول 2030، بما يسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي وخلق فرص عمل نوعية للمواطنين البحرينيين.هذه الأهداف ليست أرقاماً على ورق، بل تعكس رؤية استراتيجية تربط بين النقل الجوي والتنمية الاقتصادية المستدامة، وتضع المواطن في قلب معادلة النمو.
كما أن توقيع خطابات النوايا مع شركة BeOnd Airline وشركة The Helicopter Company يعكس بعداً دبلوماسياً اقتصادياً مهماً، يقوم على استقطاب شراكات نوعية تعزّز الربط الجوي وتفتح آفاقاً جديدة للطيران التجاري والخاص، وترسخ مكانة البحرين كمركز إقليمي متقدم في هذا القطاع الحيوي.
إن الاستراتيجية الوطنية للطيران ليست مجرد خطة قطاعية، بل مشروع وطني يعكس ثقة القيادة بقدرة البحرين على المنافسة والتميّز. وهي خطوة تجسّد رؤية رجل دولة يدرك أن السماء ليست حدوداً، بل مجالاً مفتوحاً لبناء الجسور وتعزيز الحضور العالمي.
بهذا النهج الدبلوماسي المتوازن لسعادة الوزير، تمضي البحرين نحو ترسيخ مكانتها في صناعة الطيران، مؤكدة أن الاستثمار في البنية التحتية، والكفاءات الوطنية، والشراكات الدولية هو الطريق الأمثل لصناعة مستقبل أكثر إشراقاً.. مستقبل تبنيه الأيادي البحرينية، وتنطلق به إلى العالم ومن أجل العالم.
* باحثة دكتوراه العلوم الإنسانية
