حلب – محمد ديب بظت
لم يكن انهيار المبنى السكني في حي الكلاسة بمدينة حلب، في 13 من شباط الحالي، ومبنى آخر بحي الحميدية، في 17 من الشهر ذاته، حدثًا استثنائيًا بقدر ما كان تذكيرًا جديدًا بواقع تعيشه المدينة منذ سنوات، حيث انتهى الحادثان بأضرار مادية فقط، لكن صداهما تجاوز الحيين، ليعيد فتح ملف الأبنية التي لا تزال تحمل في جدرانها آثار الحرب وتصدعات الزلزال.
خلال سنوات الحرب، تعرضت أحياء واسعة في حلب لقصف مباشر، بينما أصيبت أخرى بأضرار غير مباشرة نتيجة الزلزال أو غياب الصيانة، لم تنهَر كثير من الأبنية حينها، لكنها خرجت من الحرب بأعمدة متعبة، وأسقف فقدت جزءًا من تماسكها.
المهندس المدني حسام الدين حردان، قال إن المشكلة الأخطر ليست في الأبنية المدمرة كليًا، بل في تلك التي بقيت واقفة رغم تضررها، لأن خطرها غير مرئي للسكان.
وأضاف المهندس، خلال حديث إلى، أن بعض الأضرار تظهر بعد سنوات، خاصة مع غياب الصيانة وتأثر الأساسات بالرطوبة وتسرب المياه.
بين السلامة والحاجة
ارتفاع الإيجارات خلال السنوات الأخيرة، نتيجة خروج جزء كبير من المساكن عن الخدمة، قابله دخل محدود ومستقر عند مستويات منخفضة، ما خلق فجوة دفعت بالسكان نحو حلول إسعافية، أحد هذه الحلول كان ترميم المنازل المتضررة بوسائل بسيطة، غالبًا بجهود شخصية أو عبر ورشات محلية، تركز على جعل المنزل قابلًا للسكن دون النظر إلى معايير الأمان، فبالنسبة لكثيرين، لم تعد المنازل تُختار لأنها آمنة وإنما لأنها موجودة.
في هذا السياق، لفت المهندس المدني حسام الدين حردان إلى أن معظم أعمال الترميم التي تجرى حاليًا تندرج تحت ما يمكن تسميته في إطار المعالجة السطحية.
إغلاق الشقوق أو إعادة طلاء الجدران قد يعطي انطباعًا بأن المشكلة انتهت، بينما يبقى الخلل الحقيقي في الأعمدة أو الأساسات دون معالجة.
وقال المهندس، إن الترميم الإنشائي الصحيح عملية مكلفة ومعقدة، وقد تتطلب أحيانًا تدعيم الهيكل أو إخلاء المبنى مؤقتًا، وهو ما لا تستطيع أغلبية العائلات تحمله، سواء بسبب التكلفة المباشرة أو بسبب عدم امتلاك بديل للسكن.
هذا الواقع خلق معادلة صعبة، حيث يجد السكان أنفسهم أمام خيارين كلاهما قاسٍ، إما الانتقال إلى منزل بإيجار يفوق قدرتهم، وإما البقاء في منزل يعرفون أنه لم يعد سليمًا بالكامل، ومع الوقت، يتحول الخطر من احتمال طارئ إلى جزء من الحياة اليومية.
كشوف مستمرة للأبنية المتضررة
مدير خدمات السليمانية، يحيى حاج غازي، قال إن مجلس مدينة حلب شكّل لجنة سلامة عامة مركزية، تفرعت عنها لجان سلامة فرعية في مختلف قطاعات المجلس، تتولى إجراء كشوف مستمرة على الأبنية المتضررة، وإعداد التقارير والتوصيات اللازمة بشأنها.
وقال حاج غازي، في حديث إلى، إن عدد المناطق التي تضم أبنية آيلة للسقوط أو متضررة في قطاع السليمانية يبلغ ست مناطق، هي بستان الباشا والسيد علي والحميدية والجابرية والميدان والهزازة.
أبرز الأسباب التي تؤدي إلى تدهور هذه الأبنية تتمثل في استمرار وصول المياه إلى أساساتها، بحسب حاج غازي، مبينًا أن ذلك يحدث نتيجة ارتفاع منسوب المياه السطحية في بعض المناطق، مثل الجابرية والحميدية، إلى جانب تسرب مياه الصرف الصحي ومياه الشرب بسبب أعطال أو انسدادات مختلفة، فضلًا عن مرور حمولات ثقيلة بالقرب من المباني أو إضافة حمولات غير مدروسة إليها.
وفيما يتعلق بخطط الترميم، أشار حاج غازي إلى أن المجلس أعد جداول بالأبنية المتضررة، وأصدر قرارات إخلاء أصولًا وإغلاق للأبنية غير الآمنة، في حين ترمم الأبنية القابلة للترميم استنادًا إلى تقارير لجان السلامة العامة، وبموجب تقرير فني صادر عن نقابة المهندسين.
وبيّن أن تحديد جدول زمني لتنفيذ أعمال الترميم أو الإصلاح يخضع للقوانين والأنظمة النافذة، التي تشترط حضور جميع المالكين أو من ينوب عنهم، معتبرًا أن هذا الشرط يعد من أبرز أسباب التأخير في تنفيذ الترميم.
كما لفت إلى أنه بعد انتهاء عقد إزالة الأبنية المتضررة مع الشركة العامة للموارد المائية، طرح مجلس المدينة مناقصة للتعاقد مع شركة متخصصة لتنفيذ أعمال الإزالة.
وأكد حاج غازي أن المجلس ينسق مع نقابة المهندسين لضمان إعداد الدراسات الإنشائية وفق الكود السوري لمقاومة الزلازل، مع التشدد في إعداد تقارير ميكانيك التربة لضمان قدرتها على التحمل.
وأشار إلى أن الأبنية الخطرة أُخليت بموجب ضبوط أصولية، في حين توجد بعض الأبنية المهددة نتيجة عوامل فجائية، مثل تسرب المياه الشديد أو الهبوطات السريعة، موضحًا أن التعامل مع هذه الحالات يتطلب أجهزة ومعدات حديثة غير متوفرة حاليًا، ولا يمكن التكهن بحدوثها مسبقًا.
تقديرات توضح حجم الدمار
أظهرت تقديرات أممية حجم الضرر الواسع الذي لحق بالبنية السكنية في مدينة حلب خلال سنوات الحرب، ففي عام 2019، نشر معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب أطلسًا لتقييم الأضرار في المدن السورية، بيّن أن محافظة حلب سجلت أعلى نسبة دمار في البلاد.
وبحسب الأطلس، بلغ عدد المباني المدمرة كليًا 4773 مبنى، إضافة إلى 14680 مبنى مدمرًا بشكل بالغ، و16269 مبنى متضررًا بشكل جزئي، ليصل مجموع المباني المتضررة إلى 35722 مبنى.
وأشار التقرير إلى أن عدد سكان حلب كان يتجاوز 2.5 مليون نسمة قبل عام 2011، وانخفض إلى نحو 1.6 مليون نسمة، بينهم نحو 200 ألف يقيمون في القسم الشرقي من المدينة، الذي تحمّل النسبة الكبرى من الدمار.
Related
المصدر: عنب بلدي
