د.أحمد بن علي العمري
السودان البلد التاريخي العريق، والذي يحتضن النيل العظيم، والبلد ذو المساحة الكبيرة، والذي يمكن أن يكون سلة غذائية تورد خيراتها إلى العالم العربي والإسلامي، إن لم يكن إلى العالم قاطبة، يعيش هذا البلد العزيز أزمة سياسية وأمنية عميقة منذ أبريل من عام 2023م نتيجة الصراع الدامي المُحتدم والمتواصل بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي).
والسبب الرئيسي هو السلطة والنفوذ ومن يحكم. كان الجيش والدعم السريع حليفين سابقين أثناء حكم عمر البشير، وبعد الإطاحة به. بعد ثورة 2019م تشكلت سلطة انتقالية مدنية عسكرية، وتولى الدكتور عبدالله حمدوك رئاسة الحكومة، وهو رجل اقتصادي مُخضرم، وبدأت الأمور تتجه إلى مسارها الصحيح والهدف المنشود.
ولكن في عام 2021 قام الجيش والدعم السريع معًا بحل الحكومة الانتقالية، الأمر الذي أنهى الشراكة مع المدنيين. ويبدو أنَّ أسباب التباين هي خلاف حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش، بالإضافة إلى التنازع على السلطة والموارد، والخلاف حول اخبار عمان المستقبلية للدولة.
الأمر الذي زاد الطين بلة هو تدخل أطراف وقوى إقليمية ودولية لأطماع ومصالح لها في السودان، مما جعل السودان ساحة لمعارك دولية (لا ناقة له ولا جمل فيها)، منها ما هو مُبطن ومنها ما هو ظاهر للعلن.
والنتيجة ما حصل للسودان من مصائب وكوارث متتالية ولا زالت مُستمرة، فقد نزح الملايين من المدنيين مع نقص شديد في الغذاء والدواء، في كارثة إنسانية غير مسبوقة، وكذلك انهيار كامل للبنية التحتية، فتدمرت المستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد والجسور والطرق، واحترقت الأرض الزراعية الخصبة، وتهدمت جميع المرافق في حرب ضروس.
كما أدى ذلك إلى انقسام مجتمعي حاد في الشعب الواحد، حيث تصاعد الخطاب العرقي والقبلي والمناطقي، حتى أثر ذلك على استقرار المنطقة برمتها وزعزعة أمنها المستقر الآمن، بتدفق اللاجئين إلى جميع الدول المجاورة؛ الأمر الذي أثقل كاهل هذه الدول.
وعلى الرغم من بذل العديد من الجهود الإقليمية والدولية من قبل الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، بالإضافة إلى بعض الوساطات من السعودية وإثيوبيا وأمريكا، ولكنها لم تجد الآذان الصاغية حتى الآن، ولم تحقق وقفًا دائمًا لإطلاق النار.
وهذا يبقي وضع السودان غامضًا بلا أي ضوء في آخر النفق، وإن كانت هناك بعض السيناريوهات، فإما انتصار عسكري لأحد الطرفين، وهذا صعب المنال، أو تدخل دولي جاد، أو تسوية سياسية وإن كانت صعبة للغاية، ولكنها ليست مُستحيلة.
إنَّ السودان يحتاج لحل سياسي شامل يُعيد السلطة للمدنيين ويحقق العدالة الانتقالية المنشودة. وهذه الأزمة والمحنة تمثل تراجعات كبيرة جدًا عن آمال ثورة 2019 التي رفعت شعار الحرية والسلام والعدالة، وتؤكد ضرورة إيجاد نموذج حكم ديمقراطي يحل إشكالية العلاقة بين السلطة المدنية والعسكرية.
كم من شخص قُتل، وكم من واحد شُرّد ونزح، وكم من أعراض انتُهكت، وكم من بيوت دُمّرت، وكم من أسرة تفرّقت، وكم من ثكلى بكت. أليس لديكم ضمير يحس، أو قلب يخشع، أو عين تدمع؟
دعوني أذكركم بالأبطال السودانيين، وهم كثر في الحقيقة وفي جميع المجالات، ولكن لأنكم عسكريون وقادة سأختصرهم في واحد ذي السيرة العطرة، رحمة الله عليه، وهو الجنرال عبدالرحمن سوار الذهب الذي تسلم الحكم بعد ثورة شعبية أطاحت بحكم الرئيس جعفر نميري، وبعد عام واحد لا أكثر سلّم السلطة للمدنيين، على الرغم من المحاولات الجادة والمُستمرة لمطالبته بالاستمرار. فيا ليت لو تعتبرونه قدوة لكم، وهو عسكري مثلكم.
فلتتحاملوا على أنفسكم وتتنازلوا عن المكاسب الشخصية لأجل السودان، واجعلوا السودان أولًا؛ بل إنَّ هناك من يرى الحل الصعب الذي يجب أن يكون بأن يغادر كلا الجنرالين السودان بما اكتسبوه إلى مكان آمن لهم ولأسرهم وحتى أحفادهم وأبناء أحفادهم، ويسلموا السلطة للمدنيين، عسى أن يلملموا جراح السودان وينقذوا ما يمكن إنقاذه، ولتجعلوا من هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان المُبارك، خيرًا وبركة ورحمة لأهل السودان الكرام.
حمى الله السودان ووفق أهله لحل معضلته.
