أحمد عسيلي

انشغل السوريون خلال الأسبوع الماضي بجريمة وقعت في مدينة حمص، حيث قُتل الشاب خضر كراكيت مع خطيبته ندى السالم، وكلاهما من أبناء الطائفة العلوية، برصاص مجهولين يقودون دراجة نارية، في حادثة أثارت صدمة واسعة في الشارع المحلي، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وسرعان ما أعادت الجريمة إلى الواجهة أسئلة العدالة والأمن، والعلاقة بين مكوّنات المدينة، ودور الطائفة العلوية في نسيجها الاجتماعي، خاصة أن هذا النوع من حوادث القتل أصبح متكررًا بكثرة في الآونة الأخيرة بحسب بعض ناشطي المدينة، وأن حمص نفسها تعيش حالة من العلاقة المرتبكة بين مكونات المدينة منذ سنوات عديدة.

ولفهم هذا الارتباك، لا بد من العودة إلى تعقيد العلاقة بين المكوّنين السني والعلوي في حمص، هذه العلاقة لم تكن مستقرة منذ سنوات طويلة، بل عرفت شدًّا وجذبًا متراكمين، ومرّا بمحطات دامية، تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الجمعية، خاصة بعد انطلاق الثورة السورية، وارتكاب مجزرة الساعة (وهو جرح لم يلتئم بعد) إلى حادثة تكسير المحال في شارع الحضارة، مع الوقت، تحوّل الاحتقان إلى قطيعة شبه واقعية على الأرض، خاصة بعد عام 2012، وبدأت المدينة تُعاش لا كهوية جامعة، بل كمجال تتجاور فيه جماعتان تخشيان بعضهما، وبمعنى آخر، فإن حمص كمدينة وهوية قد دُمرت منذ سنوات.

في علم النفس الاجتماعي، حين لا تُعالَج الصدمة، فإنها لا تبقى في الماضي، بل تتحوّل إلى عدسة تفسير دائمة، يصبح الجرح هو المنظار الذي يُقرأ من خلاله كل حدث جديد، هكذا، لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل: لمَ حدث؟ وما الذي يعنيه لنا نحن؟ في مجتمع يحمل رضًّا نفسيًا طائفيًا، يصبح أي عنف محتملًا لأن يُقرأ طائفيًا، حتى قبل تبيّن معطياته، التي قد تكون طائفية أو لا تكون.

هذه الآلية ليست حكرًا على سوريا، فلكل مجتمع رضّه النفسي الخاص، أي نقطة ألمه التي يعيد عبرها تفسير الوقائع، في مصر مثلًا، يتقدّم السؤال الطبقي بوصفه الجرح الأكثر حساسية، لذلك تضخّمت قبل سنوات حادثة عامل النظافة وطبق “الكشري”، لأنها لامست شعورًا عميقًا بالإهانة الطبقية، لم يكن الحدث بحد ذاته استثنائيًا، لكن الجرح كان حاضرًا، فاستُدعي فورًا، وفي فرنسا، كثيرًا ما يُقرأ الحدث من خلال سؤال الهوية والانتماء: فرنسي أصلي أم مجنّس؟ أبيض أم أسود؟ مسلم أم غير مسلم؟ العدسة تختلف، لكن الآلية واحدة.

في الحالة السورية، السؤال الطائفي هو الأكثر قابلية للاستدعاء لأسباب تاريخية وسياسية معروفة، تراكمت خلال نصف قرن من حكم أمني ارتبط في الخيال الجمعي بصورة طائفية محددة، ثم تعمّقت خلال سنوات الثورة، ومع كل حادث جديد، يعود هذا الجرح ليعيد تنظيم الفهم ويقدّم تفسيرًا جاهزًا، من هنا تأتي جاذبية عبارة “قتلوه لأنه علوي”، إنها تختصر الخوف، وتمنح القلق معنى واضحًا، حتى لو أغلقت الباب أمام احتمالات أخرى.

الأثر النفسي هذا لا يتوقف عند طريقة التلقي فقط، فحين تتكرّر الشكوك حول العدالة وسرعة المحاسبة وحياد القانون، فإن المسألة تتجاوز الجريمة إلى صورة الدولة نفسها، فوفق منطق الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، تقوم الدولة الحديثة على تفويض الأفراد لها سلطة احتكار العنف مقابل الطمأنينة، إنها الـ”Leviathan”، مستعيرًا وصف هذا الحيوان الأسطوري الذي ورد ذكره في العهد القديم، ليعبر استعاريًا عن هذا الكيان الذي يحتكر العنف، أما في التحليل النفسي، فيمكن فهم الدولة بوصفها ما يسميه لاكان “Nom du Père”، أي “اسم الأب” الذي يمنح القانون شرعيته ويضع حدًا للفوضى.

إذا بدا هذا “الأب” غير عادل أو غير قادر على الحماية المتساوية، فإن وظيفته الرمزية تتآكل، وعندها لا يعود الناس مواطنين داخل إطار جامع، بل جماعات تبحث عن حماية ذاتية، بعد فقدان الأب لوظيفته تتفكك الرابطة الأسرية، وهنا تكمن الخطورة: ليس في الجريمة بحد ذاتها، بل في اهتزاز الثقة بالمرجع الذي يفترض أن يكون فوق الانقسام.

لقد جرى تقويض فكرة الدولة في سوريا منذ سنوات عديدة بواسطة الأسد الأب، وذلك حين جرى التعامل مع المواطنين على أساس هوياتهم لا على أساس مواطنتهم، ومع تراكم ذلك، انهارت الهوية الجامعة وتفتّت المجتمع، واليوم، في لحظة ما بعد الانهيار، يدرك كثيرون حجم العبء الملقى على عاتق السلطة الجديدة في إعادة بناء الهوية السورية من جديد، غير أن هذا المسار لا يُنجز بالاحتفالات المتكررة، والمهرجانات التي أصبح لا حصر لها، أو بلغة الإنجازات السريعة، تلك المليارات التي نشاهدها في الإعلام فقط، بل يتحقق ذلك بعمل جاد على ترميم الثقة وإرساء المساواة الفعلية أمام القانون.

أول خطوة في إعادة بناء الدولة ليست خطابًا سياسيًا، بل عدالة واضحة ومتوازنة، تعيد تثبيت الـ”Leviathan” كضامن للجميع، وتُحيي “اسم الأب” كرمز جامع لا كطرف في الانقسام، من دون ذلك، سيبقى الجرح حاضرًا، وستظل كل جريمة شرارة تُعيد إشعال الخوف، ولن تستعيد المدينة هويتها، ولا الدولة معناها.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.