– محمد ديب بظت

في قلب حلب، حيث تتقاطع الطرق بين الأسواق الأثرية والأحياء القديمة، تقف ساعة باب الفرج شامخة، لا بوصفها برجًا حجريًا يعلو الساحة، وإنما كواحدة من العلامات القليلة التي لا تزال تختصر معنى المدينة نفسها.

بين باب الفرج مرورًا بباب جنين وحتى أزقة التلل، لم تكن الساعة يومًا مجرد وسيلة لمعرفة الوقت، وإنما هي مرجع يومي، ونقطة التقاء، وعين مفتوحة على حياة كاملة تعاقبت أمامها.

كل من عاش في حلب أو مر بها، يعرف أن السؤال عن الوقت لم يكن يحتاج إلى ساعة يد، كانت نظرة واحدة إلى البرج كافية لتحديد بداية النهار أو اقتراب المساء، ولم تكن العقارب وحدها تعمل، بل كانت الساحة كلها تدور معها، فالباعة يرتبون بضائعهم، والطلاب يسرعون نحو مدارسهم، والنساء يقطعن الساحة عائدات إلى بيوتهن قبل الغروب.

من قسطل السلطان إلى برج الساعة

بدأت حكاية الساعة في عام 1316هـ، 1898م، خلال عهد السلطان عبد الحميد الثاني، حين وضع والي حلب، رائف باشا، حجر الأساس لها في ساحة باب الفرج، على موقع من آثار السلطان سليمان القانوني ابن السلطان سليم العثماني، والذي يعود إلى القرن الـ16.

وبحسب موسوعة الآثار في سوريا، اكتمل بعد عام واحد، وتحديدًا في 1317هـ، 1899م، بناء البرج بارتفاع بلغ نحو 28 مترًا، بتصميم شارك فيه المهندسان الفرنسي شارل شارتييه، والسوري بكر صدقي.

جمع البناء بين الزخرفة الإسلامية المحلية والتأثيرات الأوروبية، في لحظة كانت فيها المدينة تعيد تنظيم نفسها على إيقاع الزمن الحديث، ولم تكن الساعة تعمل وفق نظام واحد، بل كانت تشير إلى توقيتين، شرقي وغربي، في ذلك التفصيل الصغير، كانت المدينة تعكس موقعها بين عالمين، وبين زمنين يتجاوران الوجه الواحد.

الساحة التي حملت اسمها الساعة لم تكن فقط مسرحًا للحياة اليومية، بل كانت أيضًا شاهدًا على تنفيذ أحكام الإعدام العلنية في مراحل مختلفة، آخرها عام 2007، حين اجتمع الناس في المكان نفسه الذي اعتادوا أن يمروا فيه كل يوم، لكن هذه المرة لمراقبة نهاية حياة، ومنذ ذلك الوقت، بقيت الساعة تحمل ذاكرة مزدوجة، ذاكرة الحياة التي انتظمت على إيقاعها، وذاكرة العدالة التي نفذت تحت ظلها.

مرجع يومي للحياة

بالنسبة لمحمد قضيماتي (60 عامًا)، الذي يعمل منذ أكثر من 40 عامًا في محل للصابون والزعتر قرب ساحة ساعة باب الفرج، لم تكن الساعة مجرد معلم بصري، بل جزءًا من تفاصيل حياته.

وقال محمد ل، إن يومه كان يبدأ حين يرى عقاربها تشير إلى الثامنة صباحًا، وهو الوقت الذي اعتاد فيه فتح المحل، ولم يكن يحمل ساعة يد، ولم يشعر يومًا أنه يحتاج إلى واحدة، كانت ساعة باب الفرج تكفي، بحسب تعبيره.

وتذكّر كيف كانت الساحة تمتلئ تدريجيًا، عمال قادمون من مختلف الأحياء الحلبية والريف الحلبي، طلاب يحملون حقائبهم المدرسية، وباعة يجرون عرباتهم نحو الأسواق، فكان يرى في العقارب ما هو أكثر من الوقت، يرى انتظام الحياة نفسها.

المواعيد كلها كانت تُضرب نسبة إليها، اللقاءات وبداية العمل، وحتى مواعيد العودة إلى البيت، حيث كانت الساعة مرجعًا مشتركًا، ولغة زمنية يفهمها الجميع دون اتفاق مسبق.

من جانبها، تستعيد جومانة طحان (54 عامًا) علاقتها بالمكان بوصفه جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، أكثر من كونه مجرد معلم أثري.

وقالت جومانة ل، إن الجلوس قرب الساعة كان عادة تتكرر دون تخطيط، سواء بعد جولة في الأسواق أو خلال العودة من جهة التلل سيرًا على الأقدام.

المكان كان يشكل نقطة استراحة طبيعية، يجلس فيها الناس قليلًا قبل أن يكملوا طريقهم، يراقبون حركة المارة ويشعرون أنهم في قلب المدينة.

الساعة، في وجدان الحلبيين، لا تقل أهمية عن قلعة حلب، وإن كانت لكل منهما رمزيته الخاصة، بحسب جومانة، فبينما تمثل القلعة عمق التاريخ البعيد، تمثل ساعة باب الفرج ذاكرة الحياة اليومية القريبة، وما يزيد من جمال المكان موقعه القريب من المكتبة الوطنية في حلب، إلى جانب أسواق باب الفرج المعروفة، حيث تختلط روائح الصابون والزعتر بحركة الناس، ما يمنح الساحة طابعًا خاصًا.

الوصول إلى الساعة بعد مشوار طويل من التلل كان يمنح شعورًا بالراحة، وكأن الطريق ينتهي عندها، فلم تكن الساعة مجرد برج يعلن الوقت، وإنما محطة يتوقف عندها الناس، ومكان يشعرون فيه بأنهم أقرب إلى مدينتهم، حتى لو لم ينتبهوا إلى عقاربها.

ووصفت السيدة الحلبية المكان بأنه كان يمنح شعورًا بالأمان، إذ لم يكن أحد يضيع في حلب ما دام يعرف طريقه إلى الساعة.

ذاكرة لا تقيس الوقت

لم تكن الساعة بمنأى عن التحولات التي شهدتها المدينة، حيث مرت عليها سنوات توقفت فيها عقاربها، وأخرى عادت فيها إلى العمل، كما تغيرت الوجوه في الساحة، وغابت أسماء كثيرة، لكن البرج بقي في مكانه.

ولكن حتى حين تبدلت وظيفة المكان، من مركز يومي للحياة إلى مساحة أقل ازدحامًا خلال سنوات الحرب، بقيت الساعة نقطة جذب صامتة، وكان المارة يرفعون رؤوسهم إليها دون وعي، كما لو أنهم يتحققون من شيء أعمق من الوقت.

لم تعد ساعة باب الفرج مجرد أداة لقياس الزمن، إذ أصبحت ذاكرة قائمة بذاتها، ففي حجارتها تختزن تفاصيل لا تروى، خطوات الذين مروا بقربها، وأصوات الذين انتظروا، ووجوه الذين لم يعودوا.

من باب الفرج إلى باب جنين، ومن هناك إلى التلل، لا تزال الطرق نفسها تقود إلى البرج، فلا يزال المكان يؤدي وظيفته الأعمق، بأن يكون نقطة تلتقي عندها المدينة بنفسها.

محمد قضيماتي، ذكر أن الساعة لم تكن يومًا مجرد بناء بالنسبة لهم، بل كانت جزءًا من حياتهم اليومية، مضيفًا، “كنا نشعر أن المدينة كلها تعيش على إيقاعها، حين ننظر إليها اليوم، لا نرى الوقت فقط، نرى أعمارنا التي مرت من هنا، الساعة بقيت ونحن تغيرنا، لكنها ما زالت تذكرنا أن حلب مهما تبدلت لا تفقد قلبها”.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.