خطيب بدلة

أتحدث، في هذه المساحة من، عن ظاهرة غريبة تختص بها ثقافتنا، وهي أننا ننسب كل ما يجري لنا من أفعال سيئة، وضارة، إلى قوى خارجية عاتية.. ولكن تلك القوى، مع الأسف، غائمة، وغير محددة، فلو أردنا أن نذهب إليها، ونعاتبها على أفعالها القذرة بحق شعبنا، لما وجدنا لها عنوانًا، أو مكان إقامة.

يقول أحدهم، بقليل من المبالاة والاكتراث: يا أخي، بريطانيا هي التي صنعت جماعة “الإخوان المسلمين”، في مطلع القرن الـ20. طيب يا عمي، حياك الله، أنا أوافق على فرضيتك هذه، شريطة أن تجيبني عن أسئلتي الكثيرة، المتتابعة: لماذا لم تصنّع بريطانيا جماعةَ “الإخوان المسلمين” في بريطانيا؟ ستقول لي: هذا غير ممكن، فغالبية سكان بريطانيا مسيحيون! أيوااه، يعني: تشكيل تنظيم إسلامي، لا يكون إلا في بلاد المسلمين، فمادته الخام من عندنا.. طيب، بريطانيا غادرت مصر، سنة 1952، فلماذا لم يغادر تنظيم “الإخوان”، الذي صنعته، معها؟ ولماذا تمدد هذا التنظيم في معظم بلاد المسلمين الأخرى؟ وكيف أصبح من أغنى التنظيمات السياسية على مستوى العالم؟ هل بريطانيا هي التي تموله، بكل هذه الأموال، منذ 98 سنة؟

المشكلة في الإخوة الذين يركنون إلى فكرة وجود مؤامرات دائمة علينا، أنهم يلقون علينا فكرتهم، ويمشون، بلا مبالاة قاتلة. شخص آخر، يقول لك، مثلًا: بريطانيا صنعت “الإخوان”، وأما تنظيم “القاعدة” فصنعته أمريكا. ليش؟ يقول: أرادت أن تحارب بهم السوفييت في أفغانستان.

ليس من اللائق أن نعيد، أمام قرائنا، الأسئلة ذاتها، كأن نتساءل: ما الذي يدفع دولًا عظمى، كأمريكا، لأن تصنع منظمات جهادية، في بلادنا نحن؟ الجواب: كل مجتمع، في العالم، وعبر التاريخ، ينتج الجماعات والمنظمات المتطرفة التي تحمل أفكاره ومعتقداته، وقد أنتج مجتمعنا الكثير من الفرق، والمذاهب، والجماعات المتطرفة، قبل أن توجد أمريكا، والصهيونية، والماسونية، عندما لم يكن لبريطانيا أي نفوذ خارج حدودها.. وأما المجتمعات التي يحمّل مثقفوها جهات خارجية مسؤولية وجود تشكيل تنظيمات متطرفة، فهي، نفسها، تتعامل مع هذه التنظيمات بأريحية، وتشكل لها حواضن شعبية واسعة، وتمدها بالمال، والرجال، والمخابئ.

لعل أكثر شخصية سياسية أمريكية يتكئ عليها الأشخاص الذين يلحون على أن أمريكا أوجدت تنظيم “القاعدة”، هي نائبة الرئيس الأمريكي الأسبق، هيلاري كلينتون، وأنا، شخصيًا، تلقيت كلامًا حادًا من بعض متابعي صفحتي، لأنني ألححت على فكرة أن هذه التنظيمات من إنتاج مجتمعنا، فكانوا يكتبون لي، بغضب: يا رجل هيلاري كلينتون قالت، بعظمة لسانها: نحن “أوجدنا” تنظيم “القاعدة”.

إذا كنت تريد الحق، هذه الإجابات أوشكت على إقناعي بصحة هذا الزعم، إلى أن عثرت، قبل مدة قريبة، على فيديو للباحث الأمريكي من أصل عراقي، زاك هارفي، يحلل فيه المقطع الخاص بتصريح هيلاري كلينتون. هي تقول، بحسب ترجمة إخوتنا العربان، نحن “أوجدنا” تنظيم “القاعدة”، والواقع أنها استخدمت الفعل “Funded”، ومعناه “مَوَّلنا”، ولو أرادت أن تقول “أوجدنا” لاستخدمت الفعل “Finded”، وأمريكا، أصلًا، لا تنكر أنها موّلت تنظيم “القاعدة”، وسلّحته، و”دفشته” على السوفييت، في ذلك التاريخ!

المصدر: عنب بلدي

شاركها.