– شعبان شاميه

تدخل العواطف في كل جوانب حياتنا، ويتمثل الوعي العاطفي للأطفال بقدرة الطفل على التعرف على مشاعره الخاصة وتسميتها، وفهم تأثيرها على سلوكه، تحمل الإحباط، إدارة الخسائر، وبناء علاقات عميقة، بالإضافة إلى القدرة على فهم مشاعر الآخرين والتعاطف معهم، ما يساعدهم على التعبير بطرق صحية بدلًا من الكبت أو الاندفاع، وذلك ركن أساسي في تطوير الذكاء العاطفي الشامل.

وبالرغم من ارتفاع معدل الذكاء المعرفي لدى الأطفال حاليًا، إذ أصبحوا يتميزون بسرعة الوصول للمعلومة، ويتمتعون بالمهارات التقنية، والقدرة على البحث والتحليل، والتعرض المبكر لمفاهيم معقدة، فإنهم أضعف عاطفيًا، وفق ما تؤكده الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى.

تناقش في هذا التقرير أسباب ومخاطر ضعف الوعي العاطفي لدى الأطفال، وتقدم خطة علاجية عبر اختصاصيين تمكن الأهالي من تنمية الذكاء العاطفي لأطفالهم بالتوازي مع الذكاء المعرفي.

أسباب أبعد من التكنولوجيا

أرجعت العرنوس أسباب الضعف العاطفي لدى الأطفال إلى أن الحضور الجسدي موجود، في وقت يغيب الحضور النفسي، إذ يمتلك الطفل أجهزة كثيرة، لكنه يفتقد إلى الإصغاء الكامل، والتواصل البصري، والاحتواء الهادئ، والوقت بلا استعجال.

ولفتت الاستشارية إلى أن الدماغ العاطفي للطفل يتشكّل من خلال التناغم العاطفي مع الوالدين، مشيرة إلى أنه عندما ينشغل الأهل ولو بحسن نية عن أولادهم تتشكل فجوة غير مرئية، إذ لا يحتاج الطفل إلى والدين مثاليين، بل إلى والدين حاضرين.

ومن الأسباب أيضًا، ثقافة السرعة والنتائج الفورية، بحسب العرنوس، إذ يحصل الطفل على فيديو خلال ثانية، وإجابة خلال لحظة، ولعبة دون انتظار، بينما الحياة الواقعية تتطلّب صبرًا وجهدًا واحتمال فشل وتأجيل إشباع، موضحة أنه في مثل هذه الحالة ينشأ ضعف تحمّل الإحباط، وهو أساس هشاشة التنظيم العاطفي.

وتسبب الحماية الزائدة ضعفًا عاطفيًا للطفل، أضافت الاستشارية، إذ إن كثيرًا من الأهل أصبحوا يتدخلون لحل مشكلات الطفل فورًا، ويمنعون أي تجربة ألم، ويخافون من فشله أو حزنه، لكن من وجهة نظر الصحة النفسية، فإن الألم الخفيف المتكرر هو لقاح القوة العاطفية، فالطفل الذي لا يُسمح له أن يحزن لن يتعلم كيف يتعافى.

كما أن ضعف تعليم المشاعر داخل البيت يؤثر سلبًا، بحسب العرنوس، ومعظم البيوت تعلّم النجاح والأدب والتحصيل، لكنها لا تعلّم ما الغضب؟ كيف أهدأ؟ ماذا أفعل عندما أُرفض؟ كيف أطلب احتياجي دون عدوان؟ وبالتالي الأطفال اليوم يمتلكون مفردات تقنية واسعة، لكن مفرداتهم العاطفية محدودة جدًا.

وتتحدث الاستشارية النفسية الأسرية أيضًا عن المقارنة الاجتماعية المستمرة، إذ خلقت وسائل التواصل الاجتماعي وليس فقط الذكاء الاصطناعي (AI) ضغوطًا مثالية وخوفًا من الفشل العلني وقلق أداء دائمًا، فالمراهق بات يعيش تحت “كاميرا نفسية” مستمرة، بحسب وصفها.

مخاطر نفسية بعيدة المدى

إذا لم يُعالج هذا الأمر، تبيّن العرنوس، سنلحظ قلقًا مزمنًا، ونوبات غضب سريعة، وهشاشة في العلاقات، وانسحابًا اجتماعيًا، واعتمادًا مفرطًا على العالم الرقمي للهروب، وصعوبة في الزواج لاحقًا بسبب ضعف مهارات التواصل العاطفي، وقابلية أعلى للإدمان.

وتُعطي الاستشارية أمثلة حياتية واقعية من وحي الاستشارات النفسية اليومية، مثل: طفل بعمر عشر سنوات متفوّق دراسيًا، لكنه ينهار إذا خسر في لعبة، لأنه لم يُدرَّب على الخسارة التدريجية، توضح العرنوس.

كما نجد مراهقة نشيطة على “السوشال ميديا”، لكنها تخاف التحدث أمام الصف، باعتبار أنها تمتلك مهارات رقمية عالية، وثقة ذاتية منخفضة في الواقع، بحسب الاستشارية.

ونشهد أيضًا أطفالًا سريعي الغضب عندما يُمنعون من الجهاز، باعتبار أن الجهاز أصبح منظّم مشاعرهم الوحيد، بحسب العرنوس، مؤكدة أن جوهر المشكلة في مثل هذه الحالات هو ضعف الوعي العاطفي.

تعزيز الوعي العاطفي

الوعي العاطفي، بحسب ما عرّفته الاستشارية، هو قدرة الطفل على التعرّف على مشاعره وتسميتها بدقة، وفهم سببها، وتنظيمها بطريقة صحية، والتعبير عنها دون أذى.

ويعزز الوعي العاطفي عمليًا، وفق العرنوس، من خلال مجموعة من الممارسات والسلوكيات، تشمل:

• تسمية المشاعر: بدل أن نقول: “ليش معصب؟ ما في شي!” نقول: “واضح إنك زعلان لأنك خسرت.. طبيعي تزعل”، التسمية هنا تخفف شدة المشاعر بنسبة كبيرة، لافتة إلى أن هذا مثبت علميًا عبر تنظيم اللوزة الدماغية.

• تعليم مهارة تحمّل الإحباط: ويكون ذلك من خلال عدم المسارعة إلى حل كل مشكلة، وترك الطفل يحاول، والسماح له بالغضب مع مساعدته على التهدئة.

• وقت خاص يومي بلا أجهزة: من الضروري إعادة بناء الجسر العاطفي مع الطفل لمدة 15 دقيقة يوميًا على الأقل يتخللها لعب حر وحديث بسيط، دون هاتف أو نصائح.

• تعليم مهارات تنظيم المشاعر: تمارين تنفس، العدّ التنازلي، كتابة المشاعر، الرسم، رياضة منتظمة.

• نموذج الأهل أهم من أي درس: إذا كان الأب ينفجر غضبًا ولا يعترف بخطئه ويكبت مشاعره، فالطفل سيتعلّم الشيء نفسه، إذ إن الأطفال لا يسمعوننا، بل يقلدوننا.

دور التكنولوجيا و”AI”

توضح الاستشارية النفسية الأسرية أن المشكلة ليست بالأداة، بل باستخدامها كبديل عن الملل الصحي واللعب الواقعي والحوار والتجربة، معتبرة أنها مفيدة في حال جرى استخدامها كأداة تعليمية متوازنة، وتبدأ المشكلة عندما تصبح منظّم المشاعر الأساسي للطفل.

خطة علاجية عملية للأسرة

تشرح الاستشارية ل خطة علاجية مؤلفة من ثلاث مراحل يمكن للأسرة الاعتماد عليها في حالات ضعف الوعي العاطفي:

تكون المرحلة الأولى عبر إعادة بناء الأمان، احتواء بلا نقد، مع استماع أكثر من توجيه.

وتشمل المرحلة الثانية التدريب التدريجي على الاستقلال، إضافة إلى مسؤوليات منزلية، ومهام دون مساعدة فورية، والسماح بالفشل الآمن.

وتركّز المرحلة الثالثة، وفق العرنوس، على بناء مناعة عاطفية، تعريض تدريجي لمواقف صعبة، مناقشة المشاعر بعد كل تجربة، وتعزيز معنى الجهد وليس النتيجة.

كيف نطور شخصية متوازنة؟

تقوم الشخصية القوية عاطفيًا على إحساس بالأمان، وقدرة على التحمّل، ومهارات تواصل، ومعنى للحياة، وانضباط ذاتي، بحسب الاستشارية، مشددة على أن ذلك لا يُبنى بالمحاضرات، بل بالتجارب اليومية الصغيرة.

وخلصت العرنوس إلى أن جيل اليوم ليس أضعف، هو فقط نشأ في بيئة مختلفة لم تُعطِ العاطفة نفس العناية التي أعطتها للمعلومة، موضحة أن المعادلة لا تكون بتقليل التكنولوجيا، بل بزيادة العلاقة، فالطفل الذي يشعر أنه مرئي ومسموع ومفهوم، يستطيع أن يعيش في أي عصر، حتى عصر الذكاء الاصطناعي.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.