أغرقت مختبرات الذكاء الاصطناعي في الصين السوق بسلسلة من النماذج القوية الجديدة، في خطوة تعكس تصعيداً واضحاً للمنافسة من أجل تحقيق أفضلية في السباق العالمي لتطوير هذه التكنولوجيا، وفق صحيفة “فاينانشال تايمز”.
وأضافت الصحيفة، في تقرير، أن شركات مثل ByteDance (بايت دانس)، وAlibaba (علي بابا)، وMoonshot (مون شوت)، كشفت عن نماذج جديدة خلال عطلة رأس السنة القمرية، في وقت أطلقت فيه عدة شركات عروضاً ترويجية وهدايا وحوافز، وسط احتدام المنافسة على جذب المستخدمين إلى خدماتها المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
ونقلت الصحيفة عن ريتويك جوبتا، الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي بجامعة كاليفورنيا-بيركلي، قوله إن موجة الإصدارات الجديدة تؤكد “تصاعد القدرة التنافسية” للمختبرات الصينية.
وأوضح جوبتا أن “المختبرات الصينية أصبحت أكثر مهارة في بناء نماذج مفيدة لتطوير التطبيقات. فهي تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لبناء المنتجات، بخلاف المختبرات الأميركية التي ترى فيه سباقاً نحو الهيمنة على النماذج المتقدمة أولاً، ثم تطوير المنتجات لاحقاً”.
نموذج “بايت دانس”
وأشارت الصحيفة إلى أن إطلاق ByteDance نموذجها الجديد لتوليد الفيديو Seedance 2.0، الأسبوع الماضي، أثار قلقاً سريعاً في هوليوود، نظراً لقدرته على إنتاج مقاطع متعددة المشاهد بزوايا تصوير متغيرة، وصور واقعية، ومؤثرات صوتية متزامنة.
ووصف تيتشن وانج، وهو مهندس في منصة Hugging Face، الأداة بأنها “لحظة DeepSeek” في مجال توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي، في إشارة إلى شركة DeepSeek الصينية الناشئة، التي اعتُبر نموذجها اللغوي الكبير R1 العام الماضي، خرقاً مهماً في صناعة الذكاء الاصطناعي الصينية.
وجاءت هذه الموجة من الإصدارات الجديدة في وقتٍ تستهدف فيه شركات الذكاء الاصطناعي الصينية عطلة تمتد أسبوعاً كاملاً، لطالما اعتُبرت فترة حاسمة لاعتماد المنتجات التقنية، إذ يتوفر للعملاء المحتملين خلالها وقت أطول لاختبار هذه المنتجات واستكشافها.
وأشارت الصحيفة إلى أن شركة Alibaba، التي أطلقت أكثر من 400 نموذج مفتوح المصدر منذ عام 2023، كشفت في وقت سابق من هذا الأسبوع عن أحدث نماذجها Qwen 3.5، إلى جانب تعهد بإنفاق 3 مليارات يوان صيني (نحو 431 مليون دولار أميركي) لدعم المستخدمين الذين يشترون سلعاً عبر تطبيقها Qwen المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
وأضاف التقرير أن المستخدمين سارعوا إلى تنزيل التطبيق للحصول على مشروبات “شاي الفقاعات” المجانية وغيرها من الهدايا، في حملة أربكت العديد من المتاجر المشاركة. كما قدمت شركتا Tencent (تينسنت)، وBaidu (بايدو) هدايا مجانية عبر تطبيقاتهما للذكاء الاصطناعي لتعزيز عدد التنزيلات.
وذكرت الصحيفة أن نموذج Alibaba الجديد صُمم خصيصاً للمطورين الذين يبنون “وكلاء ذكاء اصطناعي” (أنظمة تعمل بشكل مستقل على تشغيل أجهزة الكمبيوتر وإنجاز مهام معقدة بأقل قدر من الإشراف البشري).
وكان من المتوقع أيضاً أن تُطلق شركة DeepSeek نموذجها الجديد المرتقب للذكاء الاصطناعي، بعد عام من إبهارها وادي السيليكون بتطوير نموذج لغوي كبير قوي، قالت إنه جرى تدريبه باستخدام جزء بسيط من القدرة الحاسوبية مقارنة بالنماذج الأميركية المماثلة.
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي
وأوضحت “فاينانشال تايمز” أن ذلك دفع قطاع الذكاء الاصطناعي في الصين إلى التركيز على الاستثمار بكثافة في بناء نماذج رائدة يمكن للمطورين نشرها بكلفة منخفضة داخل التطبيقات، ما مكّن الشركات الصينية من تجاوز نظيراتها الأميركية سريعاً في مجال التطوير “المفتوح”.
ونقلت الصحيفة عن خبراء في مجال الذكاء الاصطناعي قولهم إن سلسلة الإصدارات الأخيرة تشير أيضاً إلى مساعٍ من الشركات الصينية لاستقطاب المطورين المستائين من قيود الاستخدام والضوابط المشددة التي فرضتها مؤخراً شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية مثل Anthropic (أنثروبيك)، وOpenAI (وأوبن إيه آي).
وذكرت الصحيفة أن Moonshot طرحت أحدث نماذجها Kimi 2.5، الذي أُطلق في أواخر يناير الماضي، بوصفه نظام برمجة عالي الأداء من دون قيود مماثلة لتلك التي تفرضها الشركات المنافسة.
وأتاحت الشركة الناشئة، ومقرها بكين، نموذج Kimi كمصدر مفتوح، ما يتيح للمطورين تشغيله عبر مجموعة متنوعة من مزودي الخدمات السحابية أو على خوادمهم الخاصة.
وسبق لشركة Moonshot أن سارعت إلى استغلال الفرص التي خلّفها منافسوها الأميركيون، فعندما أوقفت OpenAI العام الماضي أحد نماذجها الرائدة، أطلقت Moonshot حزم أدوات انتقال صُممت لمساعدة المطورين على نقل التطبيقات المبنية على أنظمة OpenAI إلى نموذج Kimi بأقل قدر ممكن من الاضطراب.
انتقادات خارج قطاع الذكاء الاصطناعي
ونقلت الصحيفة عن مسؤول تنفيذي في شركة Perplexity (بيربلكسيتي) الأميركية، وهي محرك بحث مدعوم بالذكاء الاصطناعي يتيح للمستخدمين التبديل بين نماذج أساسية مختلفة، قوله إن المستخدمين باتوا يختارون بشكل متزايد الأنظمة الصينية مفتوحة المصدر.
وفي حين أقبل المستخدمون على نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة، أشارت الصحيفة إلى أن بعض هذه الأدوات واجهت انتقادات سريعاً من خارج قطاع الذكاء الاصطناعي.
فقد طالبت جمعية السينما الأميركية، وهي رابطة تجارية تمثل كبرى استوديوهات الإنتاج، شركة ByteDance الأسبوع الماضي بوقف ما وصفته بـ”انتهاك حقوق الملكية الفكرية”، بعدما نشر مستخدمون مقاطع فيديو باستخدام نموذج Seedance الجديد التابع لعملاق التكنولوجيا، تضمنت مواد محمية بحقوق الملكية الفكرية تعود إلى استوديوهات.
وأصدرت ByteDance لاحقاً بياناً قالت فيه إنها “تتخذ خطوات لتعزيز إجراءات الحماية الحالية” لمنع “الاستخدام غير المُصرَّح به للملكية الفكرية والصور الشخصية من قبل المستخدمين”.
وقال وانج إن أداة ByteDance تمثل “نقلة نوعية” مقارنة بالنماذج السابقة التي كانت تعاني صعوبة في التعامل مع تعقيد المشاهد.
وفي أحد المقاطع التي جرى تداولها على نطاق واسع، ظهر المخرج الصيني جيا تشانجكه وهو يلتقي بنسخة مدعومة بالذكاء الاصطناعي من نفسه، تتنقل بين مشاهد شهيرة من أفلامه، وتجري معه حوارات فلسفية طريفة حول التصوير والفن في عصر الذكاء الاصطناعي.
