تتواصل في شمال شرقي سوريا خطوات الدمج العسكري والإداري بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، في إطار الاتفاق المبرم بين الطرفين في كانون الثاني الماضي.
ونصّ على وقف إطلاق النار والشروع بعملية دمج متسلسلة للمؤسسات العسكرية والإدارية، وصولًا إلى إعادة بسط مؤسسات الدولة في محافظة الحسكة ومحيطها.
واستقبل رئيس هيئة الأركان العامة في وزارة الدفاع السورية، اللواء علي النعسان، في دمشق، وفدًا من “قسد”، لبحث آليات دمج قواتها ضمن تشكيلات الجيش السوري.
وقالت وزارة الدفاع في بيان، الأحد 22 من شباط، إن الاجتماع ناقش “خطوات دمج قسد ضمن عدة ألوية في فرق الجيش العربي السوري”، إضافة إلى بحث “عدد من المواضيع الأخرى المتعلقة بالانتشار العسكري والخطوات الإدارية”.
ويأتي هذا الاجتماع استكمالًا لما أعلنت عنه الحكومة السورية في كانون الثاني الماضي، بشأن التوصل إلى اتفاق شامل مع “قسد” يتضمن وقفًا لإطلاق النار، والتفاهم على آلية متدرجة لدمج القوات العسكرية والأجهزة الإدارية، إلى جانب دخول قوات الأمن إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي، وتسلم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ.
مسار متدرج للدمج
بحسب المعطيات الرسمية، فإن عملية الدمج تسير وفق جدول متفق عليه، يبدأ بإعادة تنظيم البنية العسكرية، وضم مقاتلي “قسد” إلى أربعة ألوية في الجيش السوري، مع الحفاظ على التسلسل القيادي المعتمد في وزارة الدفاع، تمهيدًا لإعادة انتشار القوات ضمن مناطق محددة.
ويتزامن ذلك مع خطوات إدارية موازية تشمل إعادة هيكلة المؤسسات العامة في محافظة الحسكة، ودمج بعض الهيئات التي كانت تُدار بشكل منفصل خلال السنوات الماضية، ضمن الوزارات المعنية في الحكومة السورية.
وفي هذا الإطار، كانت الحكومة أعلنت خلال الساعات الماضية عن استلام إدارة مطار القامشلي الدولي، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا عمليًا على بدء تنفيذ بنود الاتفاق، إلى جانب زيارات رسمية سابقة لحقول النفط في رميلان والسويدية تمهيدًا لاستلامها، وتفعيل لجنة دمج القطاع الصحي، ودمج المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب.
كما شملت الإجراءات إعادة عدد من الموظفين المفصولين إلى أعمالهم وفق الأصول القانونية، ضمن مسار أوسع لإعادة تفعيل المؤسسات العامة بما يتماشى مع القوانين والأنظمة المعمول بها في الدولة السورية.
متابعة حكومية للملف التعليمي
بالتوازي مع المسار العسكري والإداري، برزت تحركات حكومية على صعيد القطاعات الخدمية، ولا سيما التعليم، حيث بحث وزير التربية والتعليم، محمد عبد الرحمن تركو، الأحد، مع محافظ الحسكة نور الدين أحمد عيسى، استعدادات مديريات التربية لامتحانات شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة للعام الدراسي الحالي.
وخلال الاجتماع الذي عُقد في مبنى المحافظة، شدد الوزير على “أهمية تسخير جميع الإمكانيات لتوفير بيئة تعليمية مناسبة وداعمة للطلاب والمعلمين، بما يضمن سير الامتحانات وفق المعايير المعتمدة”، مؤكدًا ضرورة تعزيز الدعم للمدارس في المنطقة، في ظل التحديات التي تواجه العملية التعليمية.
كما أشار إلى حرص الوزارة على متابعة وتطوير العملية التعليمية في جميع المحافظات، والتنسيق المستمر بين الجهات المعنية لضمان نجاح العملية الامتحانية.
وتناول اللقاء أيضًا آليات تنفيذ بنود المرسوم “رقم 13” لعام 2026، الصادر عن الرئيس أحمد الشرع في 16 كانون الثاني الماضي، والذي نصّ على أن المواطنين السوريين الكرد “جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري”، وأن هويتهم الثقافية واللغوية مكوّن أصيل من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.
وكان الوزير تركو التقى في وقت سابق من اليوم ذاته بمحافظ دير الزور غسان السيد أحمد، وأجرى جولة على عدد من المدارس، اطّلع خلالها على واقعها واستمع إلى مشكلات المعلمين واحتياجاتهم، في مؤشر على تحرك حكومي متزامن في المحافظات الشرقية.
تنسيق أمني لعودة مهجّري عفرين
وفي تطور أمني موازٍ، وصل وفد مشترك من الأمن الداخلي السوري (التابع لوزارة الداخلية) وقوى الأمن الداخلي (أسايش) التابعة لـ “قسد”، الأحد، إلى مدينة عفرين بريف حلب، لتنسيق عودة النازحين إلى منازلهم الأصلية.
وضم الوفد قائد قوى الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، العميد مروان العلي، والقيادي في “أسايش” محمود خليل، إلى جانب قائد الأمن الداخلي في محافظة حلب محمد عبد الغني، والقيادي في الأمن الداخلي للمحافظة سراقة عموري.
وأوضحت مصادر من الوفد المشترك أن الزيارة تأتي في إطار التنسيق مع إدارة المدينة، لعودة سكان عفرين النازحين والموجودين حاليًا في محافظة الحسكة، في خطوة تُعدّ اختبارًا عمليًا لمستوى التنسيق الأمني بين الجانبين.
موقف الرئاسة وتباينات داخل “قسد”
في موازاة ذلك، نقلت صحيفة “الشرق الأوسط” عن مصادر في دمشق، أن الرئيس السوري أحمد الشرع “مطمئن للآلية والإيقاع اللذين يسير عليهما الاتفاق مع قسد”، مشيرة إلى وجود “تيار متشدد داخل قسد يحاول الدفع بالأمور نحو الانهيار”، مقابل “تيار آخر قوي يميل إلى التسوية والواقعية”.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن الرئيس الشرع يدير تفاصيل الملف في محافظة الحسكة عبر تفاهمات مع التحالف الدولي والجيش الأمريكي، الذي بدأ بإخلاء بعض قواعده وتسليمها لوزارة الدفاع السورية، في إطار تفاهمات أوسع تتعلق بإعادة انتشار القوات.
وأضافت الصحيفة أن قيادات كردية باتت تتعامل “بشكل واقعي” مع المرحلة الجديدة، وتركز جهودها على الاستفادة مما تضمنه “المرسوم 13” من اعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية، وهو مطلب طالبت به أطراف كردية لعقود.
سياق أوسع لإعادة الهيكلة
تأتي هذه التطورات ضمن مسار أوسع لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة في محافظة الحسكة، بعد سنوات من الإدارة المنفصلة، حيث تسعى الحكومة السورية إلى إعادة دمج القطاعات الحيوية تدريجيًا، بدءًا من الأمن والدفاع، مرورًا بالمطارات وحقول النفط، ووصولًا إلى قطاعات التعليم والصحة والتجارة.
وكانت الأسابيع والأيام الماضية شهدت تفعيل لجنة دمج القطاع الصحي، وإعادة تنظيم عمل المشافي والمراكز الطبية، إضافة إلى دمج المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب ضمن هيكلية وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، بما يضمن توحيد السياسات الإدارية والمالية.
كما شملت الإجراءات إعادة موظفين مفصولين إلى وظائفهم وفق الأصول القانونية، في خطوة تهدف إلى معالجة ملفات إدارية عالقة منذ سنوات، وإعادة الاستقرار الوظيفي لمئات العاملين في المؤسسات العامة.
ويُنظر إلى هذه التحركات بوصفها جزءًا من تنفيذ بنود الاتفاق الموقع في كانون الثاني، والذي يُعدّ أحد أبرز التحولات في العلاقة بين دمشق و”قسد”، بعد سنوات من التباعد الإداري والسياسي.
ومع استمرار الاجتماعات العسكرية والأمنية، وتوسع التنسيق في الملفات الخدمية، تبدو المرحلة الحالية اختبارًا لقدرة الطرفين على تثبيت التفاهمات على الأرض، وتحويلها إلى ترتيبات دائمة تعيد ربط مؤسسات الحسكة ومحيطها بالهيكل الإداري المركزي للدولة، ضمن صيغة يُفترض أن تراعي الخصوصيات المحلية، وتؤسس لمرحلة جديدة من إدارة الشمال الشرقي السوري.
Related
المصدر: عنب بلدي
