في واقعنا اليوم، نتناول كثيرا الكلام عن الإيمان، ويكثر كذلك الكلام عن الأخلاق، وهل هما متلازمان أم منفصلان.
الملاحظة الدقيقة تكشف أن العلاقة بينهما عند كثير من الناس ليست دائمًا على الصورة التى أرادها الإسلام.
والحقيقة التي يقررها الشرع وتؤيدها دراسات علم النفس أن الأخلاق ثمرة طبيعية من ثمرات الإيمان ؛ فالقلب إذا عمر بالإيمان، انعكس بالطبع ذلك على السلوك والمعاملة.
الناس، فى واقعهم العملي، يمكن تصنيفهم إلى أربع حالات واضحة:
أولًا: إيمان وأخلاق، وهى الصورة المكتملة، وهذه هى الحالة التى يبنى عليها الإسلام نموذجه الإنسانى. فالمؤمن الحق يظهر أثر إيمانه في صدقه، ورحمته، وعدله، وحسن تعامله مع الآخرين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” أقربكم منى مجلسا يوم القيامة المؤمنين أحاسنكم أخلاقا”.
فجعل “صلوات ربي وسلامه عليه كمال الإيمان مرتبطًا بحسن الخلق ارتباطًا مباشرًا.
وقال أيضا: ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
وهكذا كانت الأخلاق فى الإسلام هى ثمرة اعتناق ديننا الحنيف.
ومن منظور علم النفس، فإن القيم الراسخة داخليا هي الأكثر قدرة على إنتاج سلوك ثابت ومستقر، وهو ما ينسجم مع حقيقة الإيمان، فكلما زاد الإيمان في الداخل، تحسنت الأخلاق واستقام السلوك.
ثانيا: إيمان بلا أخلاق
وهي صورة واقعية مؤلمة، يظهر فيها الخلل فى التطبيق، فنجد من يحافظ على بعض الشعائر أو معظم العبادات، لكنه سيئ المعاملة، فظّ اللسان، قاسى القلب، وربما ظالم، آكل حقوق الآخرين، يقبل الرشوة، غير مخلص فى مسؤلياته وواجباته وأعماله.
وقد نبّه الشرع إلى خطورة هذا الانفصال، ففى الحديث عن امرأة كثيرة العبادة، والتى تؤذى جيرانها قال نبينا صلى الله عليه وسلم: “هى فى النار”.
هذه الحالة لا تعنى بالضرورة انعدام الإيمان، ولكنه العصيان والذنوب والآثام التى تتطلب التوبة ورد الحقوق ومحاولة تزكية النفس المريضة، لكنها تشير إلى خلل فى تزكية النفس أو تقصير في تطبيق المعانى الإيمانية إلى سلوك عملى.
ويصف علماء النفس هذا التناقض بما يسمى بالتنافر المعرفى، حيث يحمل الإنسان قناعات ومعتقدات، لكن أداءه غير منسجم معهما.
ثالثًا: أخلاق بلا إيمان
في المقابل، نرى أناسا يتحلون بالصدق والأمانة وحسن المعاملة، لكنهم لا يحملون الإيمان العميق، خلق بلا جذور متأصلة وثابتة.
ولكى نكون منصفين،فعلينا أن نؤكد أن مكارم الأخلاق قد تنشأ من الفطرة التى خلق الله الناس عليها، وحسن استخدام العقل الذى هو أنموذج من نور الله كما عرفه الإمام الغزالى أو التربية وأثر البيئة.
لكن الإسلام يقرر أن الإيمان يمنح الأخلاق عمقها واستمراريتها ويجعلها عبادة يؤجر عليها صاحبها، وصدق من قال:
” فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ “.
وتشير دراسات علم النفس الأخلاقى إلى أن السلوك المرتبط بمعنى أعلى ورسالة أسمى يكون أكثر ثباتًا عند الضغوط والأزمات، وهو ما يفسر أثر الإيمان في ترسيخ الأخلاق.
رابعًا: لا إيمان ولا أخلاق
وهذه أسوأ الصور، حين يخلو القلب من وازع الإيمان، ويخلو السلوك من ضابط الأخلاق، فيتحول الإنسان إلى أسير الهوى والمصلحة.
قال تعالى: ” أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ “.
وقد أثبت علم النفس الإجتماعى أن غياب الضبط الداخلي يزيد من النزعات الأنانية والعدوانية والتلاعب بالآخرين، وهو ما يهدد تماسك المجتمعات.
الإيمان والأخلاق ليسا خطين متوازيين، بل هما جذر وثمرة، فحيثما قوى الجذر، نضجت الثمرة، واشتهتها النفس الطيبة، وحيث هزلت الثمرة، فلنبحث عن حال الجذر.
من أراد أن يختبر صدق إيمانه، فلينظر فى مرآة أخلاقه قبل أن ينظر في عدد شعائره.
