تشهد مصر خلال الفترة الأخيرة تضييقًا أمنيًا متصاعدًا يستهدف السوريين المقيمين فيها، مع تكثيف الدوريات الأمنية والتأكد من حيازة وثائق الإقامة، ما أدى إلى حالات اعتقال وترحيل.
هذه الإجراءات أثارت قلقًا واسعًا بين اللاجئين والمقيمين، إذ بات الكثيرون يخشون التنقل بحرية ويواجهون صعوبات في الحفاظ على وضعهم القانوني، ما انعكس سلبًا على حياتهم اليومية وأعمالهم واستقرارهم الاجتماعي.
وقال سوريون مقيمون بمصر، في حديث إلى، إن الدوريات الأمنية كثفت وجودها في عدد من المناطق، وباشرت بتدقيق الإقامات، ما أدى إلى توقيف عدد من الأشخاص.
وأضافوا أن هذه الإجراءات دفعت كثيرين إلى توخي الحذر في تنقلاتهم اليومية، خشية التعرض للتوقيف، في ظل عدم وضوح مدة استمرار هذه الحملات.
صعوبات الإقامة
يواجه بعض السوريين تحديات في الحفاظ على إقامات سارية، نتيجة صعوبات مرتبطة بالإجراءات أو التكاليف، ما يجعلهم عرضة للمخالفة القانونية، وما قد يتبعها من مساءلة أو إجراءات أخرى.
ويعتمد كثير من السوريين في مصر على أعمالهم الخاصة أو وظائفهم لتأمين معيشتهم، ما يجعل استقرار وضعهم القانوني عاملًا أساسيًا في استمرار حياتهم اليومية.
وبحسب ما أفاد به سوريون، فإن الإجراءات المتبعة تختلف بحسب الحالة، إذ يجري في بعض الحالات اتخاذ إجراءات ترحيل بحق المخالفين، بينما يمنح آخرون فرصة لتسوية أوضاعهم القانونية.
وأشاروا إلى أن هذه الإجراءات زادت من حالة القلق، خاصة في ظل مخاوف من فقدان الإقامة، التي تشكل أساس وجودهم القانوني في البلاد.
وقال عامر أدنى، سوري مقيم في مصر، ل، إن الوضع يشهد تصعيدًا واضحًا ضد السوريين، مع تضييق وحملات اعتقال ازدادت خلال شهر رمضان.
وأضاف أن التوقيفات تجري في كثير من الأحيان قبل ساعات من موعد الإفطار، وأن كثيرًا من السوريين دخلوا السجن خلال الفترة الأخيرة، والأمر بات مرتبطًا بشكل كبير بالقدرة على دفع المال، بحسب تعبيره.
الوضع في القاهرة يعد الأصعب، سواء من حيث خطر الترحيل أو المبالغ المالية المطلوبة للإفراج، وفق قوله.
وأشار عامر إلى أن الحملات لم تتوقف خلال شهر رمضان، خلافًا لتوقعات بعض السوريين بأن تشهد هذه الفترة نوعًا من التخفيف، وقال، “على العكس، استمرت الحملات قبل الإفطار وبعده، وبالوتيرة نفسها، وربما أشد”.
ولفت إلى أن محافظات أخرى خارج القاهرة تبدو أقل تشددًا نسبيًا، إلا أن العاصمة تبقى مركز الإجراءات الأكثر صرامة، بحكم وجود الأجهزة الأمنية الرئيسة فيها.
مخاوف تطول أصحاب الأعمال
لم يقتصر القلق على السوريين المخالفين لشروط الإقامة، بل امتد، بحسب عامر، إلى بعض أصحاب الاستثمارات والمشاريع، الذين باتوا يخشون تأثير هذه الإجراءات على استقرار أعمالهم.
وقال إن بعض المستثمرين السوريين بدؤوا يفكرون بإغلاق مشاريعهم أو تجميد خططهم، نتيجة حالة عدم الاستقرار المرتبطة بالإقامة وإجراءات التدقيق الأخيرة، ما قد ينعكس على مصادر دخلهم وإقامتهم في البلاد.
وأضاف أن جزءًا كبيرًا من السوريين في مصر لا يحملون إقامات سارية.
وتيرة التشديد ازدادت منذ سقوط نظام بشار الأسد، مع تصاعد الحملات الأمنية منذ ذلك الوقت.
11 يومًا في الاحتجاز
من جهته، روى أحمد صباهي، سوري مقيم في مصر، تجربته بعد توقيفه في منطقة جسر السويس بالقاهرة، رغم حيازته بطاقة لجوء صادرة عن مفوضية اللاجئين.
وأضاف أحمد صباهي أن توقيفه جاء رغم حيازته بطاقة لجوء صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، المعروفة باسم “الكرت الأصفر”، والتي كان يعتقد أنها توفر له نوعًا من الحماية القانونية.
وقال إنه أوقف في منطقة جسر السويس في القاهرة خلال وجوده في الشارع، قبل أن يُقتاد إلى قسم الشرطة، دون أن يسمح له بالتواصل مع عائلته في البداية أو معرفة المدة التي سيبقى فيها محتجزًا.
وأوضح أنه أمضى 11 يومًا في الاحتجاز، واصفًا ظروف التوقيف بأنها “سيئة جدًا”.
حالة القلق كانت مسيطرة عليه وعلى بقية الموقوفين، خاصة في ظل عدم وضوح مصيرهم، وما إذا كانوا سيفرج عنهم أو يرحلون خارج البلاد.
وأشار صباهي إلى أن خروجه جاء بعد دفع مبلغ مالي بلغ نحو 400 دولار، واعتبر أن هذا المبلغ كان الوسيلة الوحيدة لإنهاء احتجازه.
وأضاف أن تجربة الاحتجاز تركت أثرًا نفسيًا كبيرًا عليه، ودفعته إلى تغيير نمط حياته اليومية، وتوخي الحذر في تنقلاته، خشية التعرض للتوقيف مرة أخرى.
وقال إن كثيرًا من السوريين يعيشون اليوم مخاوف مشابهة، خاصة في ظل استمرار حملات التدقيق، وعدم امتلاك عدد منهم إقامات سارية، أو انتظارهم تسوية أوضاعهم القانونية.
تصاعد في وتيرة التضييق
قال مدير منظمة “سوريون من أجل العدالة”، بسام الأحمد، إن هناك مؤشرات على تصاعد إجراءات التضييق بحق السوريين في مصر.
المنظمة تلقت خلال الفترة الأخيرة تقارير تتعلق بحوادث تضييق، وصعوبات في تجديد الإقامات، وإجراءات أثرت على استقرار المقيمين.
وأضاف الأحمد، في حديث إلى، أن هذه الإجراءات لا يمكن مقارنتها حتى الآن بحجم التضييق الذي تعرض له اللاجئون السوريون في دول أخرى، مثل تركيا، إلا أنها، وفقًا لتقييمه، تمثل تحولًا ملحوظًا مقارنة بالسنوات السابقة، حين كان وضع السوريين في مصر يعد أكثر استقرارًا.
وأشار إلى أن مصر، إلى جانب الأردن، كانت تعتبر نموذجًا جيدًا في التعامل مع اللاجئين السوريين، إذ لم تشهد سابقًا مستويات التضييق أو الخطاب العدائي التي ظهرت في دول أخرى.
السلطات المصرية، رغم توقفها عن استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين في السنوات الأخيرة، لم تكن تتبع سياسات تضييق مشابهة لما يحدث اليوم.
وأوضح الأحمد أن التشديد الأخير ينعكس بشكل سلبي على السوريين، حيث يدفعهم إلى الشعور بفقدان الأمان والاستقرار، ويجعلهم عرضة لاحتمال التعرض لإجراءات مفاجئة، ما يؤثر بشكل مباشر على قدرتهم على العمل والحفاظ على إقاماتهم القانونية.
هناك تساؤلات تُطرح حول أسباب هذا التحول، وما إذا كان مرتبطًا بموقف الحكومة المصرية من السلطات الجديدة في سوريا، أو أنه يأتي في إطار توجه لدفع السوريين إلى العودة، أو تمهيدًا لسياسات أكثر تشددًا مستقبلًا.
واعتبر أن كل هذه الاحتمالات تبقى واردة في ظل غياب توضيحات رسمية، معربًا عن أمله في ألا تستمر هذه الإجراءات.
كما حذر من أن استمرارها قد يؤدي إلى سنوات أكثر صعوبة بالنسبة للسوريين في مصر، على غرار تجارب شهدتها دول أخرى، حين بدأت الإجراءات بتضييق إداري قبل أن تتطور إلى ترحيل ومنع إقامة.
بعض الدول، وفقًا للأحمد، تلجأ إلى التضييق الإداري كوسيلة غير مباشرة لدفع اللاجئين إلى المغادرة.
ومن بين الإجراءات، تقييد تصاريح العمل أو عدم تجديد الإقامات، ما يؤدي إلى فقدانهم وضعهم القانوني، ودفعهم إلى الشعور بأنهم لم يعودوا قادرين على البقاء.
وأشار الأحمد إلى أن مسألة العودة إلى سوريا لا تزال معقدة بالنسبة لكثير من السوريين، رغم التغيرات السياسية، إذ قد يواجه البعض مخاوف أمنية، أو صعوبات اقتصادية، أو ظروفًا شخصية تمنعهم من العودة في الوقت الحالي.
وأكد أهمية وجود شفافية أكبر في التعامل مع هذا الملف.
ودعا الجهات المعنية، بما فيها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لمتابعة أوضاع السوريين، والعمل مع الحكومة المصرية ومنظمات المجتمع المدني لإيجاد حلول واضحة.
“عودة السوريين يجب أن تستند إلى مبدأ العودة الآمنة والطوعية”، بحسب الأحمد، محذرًا من أن غياب الحلول الواضحة قد يؤدي إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار، ويضع السوريين أمام خيارات محدودة في ظل الظروف الحالية.
وكانت منظمة العفو الدولية قالت إن السلطات المصرية جدَّدت خلال الشهور الأخيرة حملتها من الاعتقالات التعسفية وعمليات الترحيل غير المشروعة، التي استهدفت لاجئين وطالبي لجوء.
وأضافت المنظمة في بيان نشرته، في 16 من شباط الحالي، أن الحملة المصرية تأتي دونما سبب سوى وضع اللاجئين القانوني المتعلق بالهجرة غير النظامية.
وأوضحت أن الإجراءات المصرية تمثل انتهاكًا صارخًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية ولأحكام قانون اللجوء المصري نفسه.
وأكدت منظمة “العفو” أن بعض من رُحلوا أو احتجزوا بشكل تعسفي لحين ترحيلهم، كان من اللاجئين أو طالبي اللجوء المُسجَّلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
إجراءات غير واضحة
يرى الناشط والحقوقي أحمد القاضي، أن تصاعد إجراءات التضييق على السوريين في مصر لا يمكن فصله عن سياق العلاقات بين الحكومة المصرية والسلطات السورية الجديدة بعد سقوط النظام السابق.
غياب وضوح السياسات والتوجهات الجديدة للسلطات السورية والمصرية خلق بيئة غامضة وغير مستقرة، انعكست عمليًا على السوريين المقيمين في مصر، وأدت إلى شعورهم المستمر بعدم الأمان.
الأجهزة الأمنية المصرية تعتمد اليوم على قرارات وحملات مفاجئة، وتسويات مالية لتسهيل الإفراج عن المحتجزين، بدلًا من اعتماد آليات قانونية واضحة وشفافة.
وأضاف القاضي أن هذا الوضع يجعل كل سوري يعيش تحت ضغط دائم، وهو ما يخلق حالة من القلق النفسي والاجتماعي المستمر، ويحد من قدرة السوريين على العمل أو متابعة مشاريعهم بثقة.
تأثير هذا الوضع لا يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل يمتد أيضًا إلى الاستقرار الاقتصادي والحياة المهنية للمقيمين، إذ بات كثير من أصحاب المشاريع والمصانع يفكرون في إغلاق أعمالهم أو تجميد خططهم الاستثمارية، خشية تدخلات أمنية مفاجئة.
هذا الواقع، بحسب القاضي، يفاقم من صعوبة وضع السوريين القانوني والمعيشي، ويؤثر على استقرارهم الاجتماعي ونوعية حياتهم بشكل عام.
الحلول تتطلب تدخلًا عاجلًا من الحكومة المصرية لتوضيح السياسات والإجراءات المتعلقة بالإقامات والسوريين المقيمين، بحيث تحدد قواعد واضحة وموثقة، وتلغى الممارسات الفردية أو شبه العشوائية التي تعتمد على وساطات مالية.
ولفت إلى أن التعاون بين السلطات المصرية والسلطات السورية، مع آليات واضحة وشفافة، يمكن أن يكون مفتاحًا لإعادة استقرار حياة السوريين في مصر، وحماية حقوقهم القانونية والإنسانية في الوقت نفسه.
نفي منع دخول السوريين
كانت وزارة الداخلية المصرية نفت في وقت سابق إصدار قرار بمنع دخول المواطنين السوريين الحاصلين على موافقات دخول إلى جمهورية مصر العربية.
وأكد مصدر أمني في 8 من شباط، عدم صحة ما جرى تداوله بأحد المواقع الإخبارية بمواقع التواصل الاجتماعي (دون أن يسمه)، بشأن صدور ضوابط جديدة لدخول السوريين للأراضي المصرية.
وكانت بعض الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، نشرت خلال الأيام الأخيرة، تعميمًا متداولًا يفيد بصدور قرار يمنع دخول المواطنين السوريين الحاصلين على موافقات دخول إلى جمهورية مصر العربية.
التعميم المتداول الذي انتشر أيضًا على صفحات مكاتب السفر، شمل السوريين القادمين من سوريا ولبنان والعراق والأردن، وذلك “حتى إشعار آخر”.
ولا يشمل القرار، بحسب المتداول، حاملي الإقامات المصرية، وكان يوم 6 من شباط الحالي، هو آخر موعد مسموح للدخول، بحسب القرار المتداول.
مصر تنفي صدور ضوابط جديدة لدخول السوريين
Related
المصدر: عنب بلدي
