انقسم الشارع في محافظة درعا جنوبي سوريا بين مؤيد لتسليم القيادي السابق، أحمد العودة، نفسه لوزارة الدفاع السورية، وبين من رأى أن هذه الخطوة غير كافية لتحقيق العدالة، مطالبين بمحاكمته عن الانتهاكات التي ارتكبها فصيله خلال السنوات الماضية.

وفي 22 من شباط الحالي، اقتادت دورية تابعة للشرطة العسكرية السورية القيادي السابق في “اللواء الثامن” إلى دمشق دون إعلان رسمي.

وصرح العودة في بيان مصوّر بأنه يضع نفسه تحت تصرف الدولة السورية، ممثلة بالرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، مشيرًا إلى أن خطوته جاءت رغبة منه في المشاركة ببناء الوطن و”قطع الألسن التي تتحدث في تخوينه”.

ماذا حدث؟

تأتي هذه التطورات بعد مقتل الشاب سيف المقداد وإصابة آخر في أثناء محاولة اغتيال العودة في مزرعته، بحسب ما جاء في بيانه.

قيادي سابق مقرب من العودة طالب، في حديث إلى، بمحاكمة علنية، موضحًا أن تسليم العودة جاء بعد مفاوضات أجرتها الحكومة لحقن الدماء وتجنب الاقتتال العشائري في مدينة بصرى.

وأضاف القيادي الذي تحفظت على نشر اسمه، أن العودة مستعد لفتح كل الملفات بشرط أن يُغلق هذا الملف بعد البت فيه قضائيًا.

ونوه إلى أن العودة غادر بصرى، لكن الخطر ما زال يحدق بالمجموعات التي كانت تابعة له، والمعرضة اليوم للمواجهة مع من أسماهم “الحاقدين”.

في المقابل، رأى القيادي السابق المنشق عن “اللواء الثامن”، أشرف الصياح، أن المحاكمة العلنية هي الحل الأمثل لوأد الفتنة في بصرى.

وأضاف أن انتهاكات جسيمة ارتكبها قياديون تابعون للعودة في أثناء سيطرة الفصيل على المنطقة، خاصة في الفترة الممتدة ما بين عام 2018 حتى نهاية عام 2024.

وأكد الصياح أن إغلاق الملف يكون عبر محاكمة قانونية لكافة الانتهاكات التي ارتكبها فصيل العودة وعناصره.

العودة يضع نفسه تحت عهدة الدولة.. السلطات تقتاده إلى دمشق

آراء متباينة

شهدت ساحات وسائل التواصل الاجتماعي آراء متناقضة في القضية، إذ اعتبر عدد من الناشطين أن موقف العودة كان مشرفًا في إخماد الفتنة، بينما هاجم آخرون العودة معتبرين أنه ارتكب انتهاكات في المنطقة.

وكان الناشط الإعلامي بشر كناكري قد نشر على صفحته في “فيسبوك” أن للعودة أربعة مواقف اعتبرها “شجاعة” هي:

  • رفضه العروض الدولية التي قُدمت له في أثناء دخول قواته إلى دمشق فجر 8 من كانون الأول 2024.
  • رفضه العروض الإسرائيلية في شباط 2025 التي هدفت إلى إقحامه في مشروع انفصالي في السويداء.
  • وفي نيسان 2025، حلّ العودة فصيله لتجنب صدام مع القوات الحكومية التي سيرت أرتالًا إلى المدينة عقب مقتل بلال دروبي.
  • قبوله وضع نفسه تحت تصرف الحكومة السورية، وهو ما جنب المدينة صراعًا قد يؤدي إلى اقتتال عشائري.

في المقابل، رأى الصحفي باسل غزاوي في منشور على “فيسبوك” أن العودة، شأنه شأن عماد أبو زريق وفادي صقر، جميعهم يمثلون “فلولًا”، بحسب رأيه.

وركز غزاوي على تاريخ العودة بعد سيطرة النظام السوري على درعا في عام 2018، مشيرًا إلى أنه كان جزءًا من منظومة الأسد، وقاتل معه في سلمى بمحافظة اللاذقية، كما قاتل تنظيم “الدولة الإسلامية” في حوض اليرموك بغطاء جوي “أسدي- روسي”.

العودة في أثناء “ردع العدوان”

في صباح 6 من كانون الأول عام 2024، شاركت قوات العودة في معارك تحرير محافظة درعا، والتي انتهت في اليوم ذاته بانسحاب قوات النظام.

وفي فجر 8 من كانون الأول 2024، كانت قوات العودة وفصائل من درعا والقنيطرة أول من دخل دمشق، قبل أن تنسحب ظهر اليوم نفسه، تاركة المدينة لـ”هيئة تحرير الشام” (رأس حربة فصائل ردع العدوان) القادمة من حمص.

قال مستشار وزارة الدفاع، عصمت العبسي، في لقاء ببرنامج “على الطاولة” الذي يبث على قناة “الإخبارية” الرسمية، إن العودة رفض منصب نائب وزير الدفاع في المرحلة التي تلت سقوط النظام.

ولكن بحسب قيادي إداري في اللواء، حاول العودة الدخول إلى وزارتي الدفاع والداخلية بكتل اسمية كاملة لعناصر تابعين له، مع إبقائه على سلاحه المتوسط والخفيف، وتمركزه في مدينة بصرى الشام.

في نيسان 2025، قُتل الشاب بلال الدروبي، واتُهم فصيل العودة بتدبير عملية الاغتيال، مما أحدث خلافًا عشائريًا دفع الحكومة السورية للتدخل وفرض حواجز في المدينة.

تزامن ذلك مع تسليم العودة المقار والأسلحة للحكومة السورية، حيث بقي العودة مدنيًا يعيش متنقلًا بين منزله في بصرى ومنزله في دمشق.

من “شباب السنة” إلى “الفيلق الخامس”

أحمد العودة، هو خريج الأدب الإنجليزي من جامعة “دمشق”، ومع بداية الثورة، ترك عمله في الإمارات، وأسس فصيل “شباب السنة”، الذي تحول لاحقًا إلى أحد أكبر فصائل المعارضة في محافظة درعا.

كانت قلعة بصرى وبعض أجزاء المدينة تخضع لسيطرة ميليشيا “الدفاع الوطني” التابعة مباشرة لـ”حزب الله”، وعناصرها من المكون الشيعي في مدينة بصرى، مما أدى إلى معارك راح ضحيتها قرابة ألف شخص من أبناء المدينة، من بينهم ثلاثة أشقاء للعودة.

في عام 2015، خاض العودة، بالتعاون مع “جبهة النصرة” (المسمى القديم لهيئة تحرير الشام) و”حركة المثنى الإسلامية”، معركة تمكنوا فيها من السيطرة على مدينة بصرى، لكنه سرعان ما انقلب على حلفائه، ومنعهم من اتخاذ مقار لهم في مساكن الشيعة بالمدينة، فسيطر كليًا عليها وفرض واقعًا أمنيًا.

في عام 2016، قاد بلال الدروبي (قُتل في نيسان 2025) انقلابًا داخل فصيل العودة، تمت السيطرة حينها على مستودعات الذخيرة والسلاح الثقيل، وهرب العودة خارج بصرى.

وبدعم من فصائل “الجبهة الجنوبية”، استطاع العودة اقتحام بصرى مجددًا واستعادة السيطرة على فصيله ومدينته.

لم يدم الاستقرار طويلًا مع العودة، ففي عام 2017، اندلعت منازعات بين أكبر فصيلين في المنطقة الشرقية لدرعا، فصيل “شباب السنة” وفصيل “اليرموك” الذي كان ينافسه بقيادة بشار الزعبي، مما أسفر عن سقوط قتلى من الطرفين.

بعد سيطرة النظام على منطقة اللجاة وبصر الحرير منتصف عام 2018، جرت مفاوضات برعاية الجانب الروسي في مدينة بصرى الشام، بالتزامن مع استمرار النظام في اجتياح معظم قرى المنطقة الشرقية، باستثناء بصرى الشام التي كانت مركز ثقل العودة.

بعد وصول النظام إلى بصرى، أُبرمت اتفاقيات “التسوية” التي كان أحمد العودة عرّابها داخل المدينة، ونصت على قبول سيطرة النظام على المنطقة الجنوبية من سوريا.

وخلال هذه الاتفاقيات، سلّم العودة الأسلحة الثقيلة، وانضم إلى “الفيلق الخامس” التابع مباشرة للروس، الذين كافؤوه بتسليمه قيادة الفيلق في المنطقة الجنوبية.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.