ما يُعمِّق شعور ومعنى الأنس بداخلي فعلًا هو رمضان الذي جعل الأُنس أعمق حضورًا

ريم الحامدية

[email protected]

 

في طريقي اليوم إلى العمل وأنا أفكر في سطور هذا المقال، سمحت للطريق أن يتحدَّث، بينما أنظر من وراء زجاج السيارة إلى زحام الحياة المتحركة، رأسي مائل إلى اليسار، وعقلي عالق في نفس النقطة التي أُكرر النظر إليها بلا شعور، كأنها علامة على أنَّ الحياة لا تتوقف، وأنني مجرد مُراقب لها، حاضر فيها وغير مرئي في آنٍ واحد.

يوم الأربعاء، يقول الطريق الكثير نيابة عني، يهمس بما لم أستطع قوله، يروي لي ما أعرفه ولا أملك طاقة لنفيه، وفي زحام هذه الأصوات والأفكار، تصلني رسالة من أمي: “أنتظرك على الإفطار، وهناك من سيُشاركنا المائدة.. متى ستصلين؟ لم تكن كلماتها مجرد سؤال عن الوقت، بل كانت بمثابة شعاع يلمس قلبي، يُوقظ في داخلي شعورًا وفكرة لكتابة مقال اليوم.

جلست أتأمل، أستشعرُ كلمة “الأنس” في حياتي، وأدركت أنَّه يكمن في التفاصيل الصغيرة في علاقتي مع الله حين أشعر بالسكينة تملأ قلبي، في لحظة صمت تسبق الدعاء، في العائلة حين تتلاقى الأرواح على بساطة الحب والاهتمام، في الأصدقاء حين يشاركونك صمتك وفرحك بلا حاجة للكلمات، وفي الشخص المفضل حين يُصبح الصمت حديثًا متبادلًا يفهمه القلب قبل اللسان.

جلست أتساءل ماذا يعني الأنس ومتى نستشعره ونعيشه فوجدته ذلك النور الذي ينبعث من وجود شخص آخر يشعر بك ويجعلك تشعر بالطمأنينة، من يؤنسك للخير بلا شروط، بلا توقعات، وبلا حاجز، وهو اللحظة التي تصبح فيها الروح مطمئنة، والقلب في انسجام مع العالم، كنسمة تهب في نهار رمضاني هادئ، تغسل كل ضوضاء اليوم بعيدًا عنك.

ما يُعمِّق شعور ومعنى الأنس بداخلي فعلًا هو رمضان الذي جعل الأُنس أعمق حضورًا، فأجدُه بين تحضيرات الافطار، ورائحة الطعام التي تفوح في أرجاء البيت، وبين ضحكات الأطفال التي أسمعها من الطابق الثالث في نفس البناية التي أسكن بها، وصمت الليل الذي يسبق آذان الفجر، تتجمع لحظات صغيرة لكنها مليئة بالدفء والطمأنينة فكل ابتسامة، وكل لمسة، وكل كلمة تتجاوز حاجز الزمن، وكل مشاركة في الإفطار تتحول إلى حكاية صغيرة من الأنس، تجعل المكان ينبض بالحياة.

لكن في حقيقة الأمر الأُنس لا يقتصر على الآخرين؛ بل يمتد إلى اللحظات الفردية، الصامتة الخاصة، في كتاب نقرأه على ضوء الشمعة، في الهواء العليل الذي يتسلل عبر النوافذ في زاوية ما حيث تقنط وتستكين، في سكون الطريق بعد الإفطار، هناك يهمس الأُنس لك بلطفٍ، يذكرك بأن كل لحظة يمكن أن تكون غنية بالسلام الداخلي، إذا سمحت لنفسك بالإحساس.

الأُنس موجود في كل التفاصيل التي غالبًا نتجاوزها في الابتسامة بلا سبب في نظرة صادقة، وحتى في صمت مشترك بين قلبين، وفي العشاء الذي تطهوه بحب وحماس، وفي ضحكات بعيدة تصل إلى مسمعك عبر المكالمة، كلها شعاع من لحظات حية، تبني شعورًا بالاتصال، بالطمأنينة، بالوجود.

وفي نهاية يوم الأربعاء، حين أفتح باب البيت، أجدُ الأُنس حاضرًا في العائلة، في الوجوه المألوفة، في الدعاء قبل الإفطار، وفي لحظة تتقاطع فيها رائحة البخور مع ابتسامة، أدرك أن المقال كتب نفسه بالفعل، فالأُنس، كما الطريق، يهمس نيابة عني، ويترك قلبي ممتلئًا بالسكينة، مستعدًا ليوم جديد، ولرحلة أخرى نحو أنس آخر، أعمق، أهدأ، وأكثر وضوحًا.

شاركها.