في فبراير من كل عام، يجتمع أعضاء حلف شمال الأطلسي “الناتو” على الساحل الغربي للنرويج للتدرّب على مطاردة الغواصات المعادية، وبينما تستهدف هذه المناورات بشكل رئيسي روسيا، كان لها هذا العام جمهوراً إضافياً، وهو الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وفق “بلومبرغ”.

ويشكّل البحر النرويجي، بوابة إلى القطب الشمالي، وهي منطقة تتزايد أهميتها الاستراتيجية حتى قبل أن يجدد ترمب مطالبته بفرض سيطرة الولايات المتحدة على جرينلاند.

وحرص قادة القوات البحرية الأوروبية، الذين يقودون مناورات “الدولفين القطبي” Arctic Dolphin هذا العام، على إظهار إسهامهم في الدفاع عن المنطقة، حمايةً لأمنهم وأمن الولايات المتحدة، حسبما أوردت “بلومبرغ”.

وفي درجات حرارة قارسة، انضم نحو 1000 عنصر من القوات المسلحة من إسبانيا والنرويج وبولندا وهولندا وبريطانيا وألمانيا إلى مجموعة من الفرقاطات والمروحيات وطائرات الدورية لتمشيط البحر النرويجي بحثاً عن غواصتين تؤديان دور الخصم.

وأوضح العميد البحري كيريه هاوجن، قائد الأسطول البحري النرويجي، أن الهدف من التدريب يتمثل في وقف التهديد قبل دخوله “القلب الرئيسي للمنطقة الأوروبية-الأطلسية”. ومضى قائلاً: “هذا أمر بالغ الأهمية لأوروبا، وللعلاقة الأوروبية-الأطلسية، ولأمن الأراضي الأميركية”.

وأعقب ذلك محاكاة لعملية مطاردة، إذ تنقلت الغواصتان التقليديتان، من النرويج وألمانيا، بين المضائق النرويجية في محاولة للاختفاء من دون رصد تحت سطح الماء.

ولاصطيادهما، يطلق الناتو سلسلة من أجهزة السونار التي تستخدم الموجات الصوتية لرصد الغواصات، سواء كانت مثبتة على هياكل السفن الحربية أو تُنزل إلى البحر بواسطة المروحيات.

كما تساعد طائرات المراقبة من طراز P-8 عبر استخدام راداراتها الخاصة ونشر أجهزة سونار تُعرف بـ”سونوبوي” Sonobuoys، ما يمكّن الحلف من تحديد المسافة التي تفصل الغواصة عن السفينة وسرعة تحركها.

غير أن المهمة ليست سهلة، إذ يتمثل تحدي القطب الشمالي في امتزاج المياه العذبة الباردة من الشمال بالمياه الدافئة المالحة القادمة من تيار الخليج، ما يتيح للغواصات الاختباء في طبقات مائية مختلفة. ويشكّل الجليد عائقاً إضافياً، إذ يسهم الضجيج الناتج عن حركته في تمويه أصوات الغواصات، فضلاً عن الخطر الذي يمثله على السفن.

ثروات وتحديات متزايدة

وقال هاوجن لـ”بلومبرغ”: “لهذا يُعد (القطب الشمالي) مكاناً جيداً للاختباء إذا كانت الغواصة نووية، لأنه من الصعب رصدها”.

ويضم القطب الشمالي، الأسطول الشمالي الروسي، وربع إمدادات الغاز الطبيعي في العالم، وثروة من التنوع البيولوجي الذي بات أكثر سهولة في الوصول إليه بفعل تغير المناخ.

كما يضم جزيرة جرينلاند، التي أثارت مسألة سيادتها انقساماً عميقاً وحالة من انعدام الثقة داخل التحالف العابر للأطلسي، نتيجة تهديدات ترمب بالاستحواذ عليها.

وقد أمضى الرئيس الأميركي الأسابيع الأخيرة في التقليل من دور أوروبا داخل الناتو، والتقليل من مساهمتها إلى جانب القوات الأميركية في أفغانستان، والتشكيك في ما إذا كان الحلف سيدافع عن الولايات المتحدة إذا تعرضت لهجوم.

ويحرص قادة القوات البحرية في حلف الناتو، على التأكيد أن التدريبات العسكرية مستمرة كالمعتاد، رغم التصريحات التصعيدية لترمب. وتستعد القوات الأميركية للتدرّب مع قوات في النرويج، فيما تجوب حاملات الطائرات الأميركية المنطقة إلى جانب سفن بريطانية وفرنسية. ومن المقرر أن تصل حاملة الطائرات الفرنسية “شارل ديجول” إلى السويد هذا الأسبوع، بحسب “بلومبرغ”.

كما يعزّز الحلف عمليات المراقبة في منطقة القطب الشمالي. وحتى قبل تهديدات ترمب، كانت الدول الأعضاء في الناتو المطلة على القطب الشمالي، والمدعومة بانضمام السويد وفنلندا، تدعو إلى إيلاء المنطقة اهتماماً أكبر.

واتفقت بريطانيا والنرويج على تشغيل أسطول مشترك من السفن الحربية لمطاردة الغواصات الروسية، كما تخطط بريطانيا لنشر أصول عسكرية في المنطقة لتحسين الاستعداد لأزمات مستقبلية. وتعتزم النرويج والدنمارك والسويد، وجميعها دول قطبية، توسيع أساطيل فرقاطاتها.

لكن روسيا، بدورها، وسّعت حضورها العسكري. فقد قاد سلاح البحرية الروسي ما يُقدر بنحو 64 سفينة في عام 2024، بينها 16 غواصة استراتيجية تعمل بالطاقة النووية وتحمل صواريخ باليستية، وفقاً لمبادرة التهديد النووي. ويُقارن ذلك بنحو 71 غواصة أميركية في العام نفسه، بينها 14 غواصة صواريخ باليستية.

كما تشغّل روسيا قواعد عسكرية داخل الدائرة القطبية الشمالية، تزيد بنحو الثلث عما تملكه جميع دول الناتو مجتمعة، بحسب المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.

مسؤولية جماعية

وقال الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، إن التحالف بحاجة إلى تحمّل مسؤولية جماعية أكبر للدفاع عن القطب الشمالي. وكان القائد البحري المنتهية ولايته في الناتو، مايك أوتلي، قد صرّح لـ”بلومبرغ”، العام الماضي، بأنه “رغم تفوق قدرات الحلف على روسيا، فإنه لا يمتلك حالياً المرونة العسكرية اللازمة لخوض نزاع طويل الأمد”.

وقال الأميرال البحري الإسباني، خواكين رويث إسكاجيدو، قائد المجموعة البحرية التابعة للناتو المشاركة في التدريب، لـ”بلومبرغ”: “لا أقول إننا فقدنا تلك القدرات، لكنني أقول إننا لم نتدرّب كما ينبغي، وعلينا استعادة تلك القدرات وإعادة بنائها في أسرع وقت ممكن”.

وأوضح أن “الحرب المضادة للغواصات لم تكن أولوية لحلفاء الناتو على مدى عقود، بسبب التركيز على القوات البرية في أماكن مثل العراق وأفغانستان”.

وقال وزير الخارجية السويدي السابق، توبياس بيلستروم، الذي تفاوض على انضمام بلاده إلى الناتو، إنه “لا يعتقد أن الحلف يملك فهماً كافياً لأسطول الغواصات الروسي العامل في القطب الشمالي، وقد يحتاج إلى تطوير قدرات إضافية في المنطقة لرصدها وتعقبها”.

وأطلق الناتو عملية “الحارس القطبي”، التي ستحاكي طريقة عمل الحلف في أوروبا الشرقية ومنطقة البلطيق، لكنها تركز أساساً على إعادة تنظيم أصول الحلف القائمة وتحسين تنسيقها.

وقال بيلستروم: “إنه بالتأكيد تحسن، ويُظهر استعداداً، وهو في نهاية المطاف ما كانت تطلبه واشنطن”.

وخلال التدريب في البحر النرويجي، وبعد رصد الغواصات، تتدرّب هذه الغواصات والأسطول البحري على مناورات تكتيكية ضمن سيناريو يحاكي أجواء الحرب، يقلّد كيفية مهاجمة كل طرف للآخر بطوربيدات من دون إطلاقها فعلياً.

وقال المقدم البحري، مارك يريسكس، من البحرية الهولندية، إن الأمر يشبه “لعبة الغميضة”. غير أن الأمر ليس لعبة، فإذا أطلقت روسيا صاروخاً باليستياً من إحدى غواصاتها في القطب الشمالي، فبإمكانه إصابة الأراضي الأميركية.

ومع زيادة الاستثمارات والتقدم التكنولوجي، تصبح الغواصات الروسية أشد فتكاً وأصعب تعقباً. فالغواصات النووية، بخلاف التقليدية المستخدمة في مناورات “الدلفين القطبي”، أسرع ولا تحتاج إلى الصعود إلى السطح بوتيرة متكررة.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد كشف، العام الماضي، عن أحدث غواصة روسية قادرة على حمل طائرات طوربيد مُسيرة من طراز “بوسيدون”، وقال إنها تفادت الاعتراض خلال الاختبارات.

مسارات بحرية جديدة

وفي غضون ذلك، يفتح ذوبان الجليد مسارات شحن جديدة، يستفيد منها “أسطول الظل” الروسي. وأبحرت مئة سفينة خاضعة للعقوبات عبر “طريق البحر الشمالي” على طول الساحل الروسي في القطب الشمالي  في عام 2025، بزيادة 87 سفينة عن العام السابق، وفق مؤسسة “بيلونا” البيئية.

ورغم أن الأعداد لا تزال محدودة، فإن سفن الحاويات تستخدم الطريق بوتيرة متزايدة، إذ يمكن أن يختصر الرحلة بين آسيا وأوروبا، التي تستغرق 40 يوماً عبر جنوب إفريقيا، إلى النصف.

وقال الكابتن جيم روبرتسن، رئيس خدمة الغواصات في النرويج: “كلما أصبح القطب الشمالي أكثر أهمية، ظهرت إمكانات جديدة للنزاع”.

يؤدي التغير المناخي إلى ارتفاع درجة حرارة المياه، ما يزيد من احتمالات زيادة المنافسة على الوقود الأحفوري والمعادن النادرة ومصايد الأسماك.

وقد تحتوي المنطقة داخل الدائرة القطبية الشمالية على نحو 90 مليار برميل من النفط غير المكتشف و1670 تريليون قدم مكعبة من الغاز غير المكتشف، بحسب هيئة المسح الجيولوجي الأميركية.

وقالت قوات خفر السواحل الأميركية، العام الماضي، إنها كانت تراقب مجموعة من سفن الأبحاث الصينية في القطب الشمالي الأميركي. وتشير الاستراتيجية البحرية لحلف “الناتو” إلى أن الصين “تعزز حضورها في أقصى الشمال والقطب الشمالي، مع بقائها غير واضحة بشأن نواياها”.

وفي الوقت الراهن، يبدو أن مسألة جرينلاند تراجعت، مع تحول اهتمام القادة الغربيين مجدداً إلى مفاوضات السلام بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وروسيا.

غير أن مسؤولين ليسوا واثقين من أن مهمة “الحارس القطبي” والاتفاق على مواصلة مناقشة القضية سيكونان كافيين لتهدئة ترمب. وعلى مستوى “الناتو” والاتحاد الأوروبي، ثمة إدراك بأن ملف جرينلاند لم يُطوَ بعد.

ومع احتدام التنافس على المنطقة، يبرز ذلك سبب بقاء “الناتو” تحالفاً ذا قيمة عالية، حتى للدول غير المطلة على القطب الشمالي، وفقاً لرويث إسكاجيدو، من البحرية الإسبانية.

وقال الأميرال: “لقد استفادت الولايات المتحدة وأوروبا وكندا جميعاً من هذا التحالف في الماضي… فلنحافظ على ما لدينا”.

شاركها.