مع انطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات النووية الأميركية الإيرانية في جنيف، الخميس، صعّد المسؤولون الأميركيون من خطابهم تجاه طهران، في ظل استمرار التعزيزات العسكرية الأميركية في المنطقة، استعداداً لاحتمال توجيه ضربات إذا تعثرت المفاوضات ولم يتم التوصل إلى اتفاق.
وأعلنت الخارجية الإيرانية في بيان، الخميس، انطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات، بلقاء وزير الخارجية عباس عراقجي، بنظيره العُماني بدر البوسعيدي، الذي تقود بلاده جهود الوساطة، في جنيف.
وأوضحت الخارجية الإيرانية، أن اللقاء استعرض وجهات نظر طهران بشأن برنامجها النووي ورفع العقوبات، مشيرة إلى أن عراقجي نقل إلى الجانب العُماني “نقاط وملاحظات إيران”، في حين اعتبر عراقجي، وفق البيان، أن “نجاح المفاوضات يتطلب جدية الطرف الآخر والامتناع عن تبني مواقف وسلوكيات متناقضة”.
كما أشارت الخارجية العمانية، في بيان، الخميس، إلى أن الجانبين يبحثان “المقترحات التي تقدم بها الجانب الإيراني في سبيل التوصل إلى اتفاق حول الملف النووي”، وذلك “استناداً إلى المبادئ الاسترشادية التي تم التوافق عليها في الجولة السابقة من المفاوضات”.
تصعيد خطابي
في سياق آخر، يواصل كبار المسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التصعيد الخطابي ضد طهران، إذ وصفوها بـ”التهديد الأكبر للولايات المتحدة”، وطرحوا مجدداً مسألة الصواريخ الباليستية، رغم اعتبار الحكومة الإيرانية ذلك “خطاً أحمر”، ورفضها أي مفاوضات بشأنها.
وفي حديثه للصحافيين خلال زيارة إلى سانت كيتس ونيفيس بالبحر الكاريبي، حذّر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، من أن إصرار إيران على عدم مناقشة برنامجها للصواريخ الباليستية، يشكّل “مشكلة كبيرة جداً”.
وزعم روبيو، الذي يشغل أيضاً منصب مستشار الأمن القومي الأميركي، أن إيران تمتلك “أسلحة تقليدية مصممة حصرياً لمهاجمة أميركا ومهاجمة الأميركيين إذا اختارت القيام بذلك”.
وأضاف: “يجب معالجة هذه الأمور”، وذلك مع توجه دبلوماسيين أميركيين إلى جنيف للقاء الوفد الإيراني. وتابع: “ستركز المفاوضات والمحادثات، الخميس، بشكل أساسي على البرنامج النووي، ونأمل أن يتحقق تقدم، لأن هذا هو تفضيل الرئيس ترمب، إحراز تقدم على المسار الدبلوماسي”.
وأشار روبيو إلى أن الضربات الأميركية في يونيو الماضي “دمرت البرنامج النووي الإيراني بالكامل”، ولكنه اتهم طهران بـ”محاولة إعادة تشغيله مجدداً”.
وأضاف روبيو: “الأمر الآخر الذي أود الإشارة إليه هو أن إيران تمتلك عدداً كبيراً جداً من الصواريخ الباليستية، ولا سيما قصيرة المدى، التي تهدد الولايات المتحدة وقواعدنا في المنطقة وشركاءنا هناك”، لافتاً إلى أنها “تمتلك قدرات بحرية تهدد الملاحة، وتحاول تهديد البحرية الأميركية”.
صواريخ إيران
ولفت روبيو خلال حديثه للصحافيين، إلى أنه “من المهم أيضاً التذكير بأن إيران ترفض التحدث عن الصواريخ الباليستية معنا أو مع أي طرف آخر”، واصفاً ذلك بـ”المشكلة الكبيرة”.
وكان ترمب قد تحدث، خلال خطاب “حالة الاتحاد”، الأربعاء، عن”بناء إيران صواريخ “قادرة على الوصول قريباً إلى أراضي الولايات المتحدة”، كما لفت إلى أنهم “طوّروا بالفعل صواريخ يمكنها تهديد أوروبا وقواعدنا في الخارج”.
وفي تعليقه على تصريحات ترمب، قال روبيو، إن الإيرانين “بالتأكيد يسعون إلى تحقيق هذه القدرة، وهذا ليس أمراً جديداً، إنهم يعملون على تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات”.
وتابع قائلاً: “على سبيل المثال، رأيتم محاولاتهم لإطلاق أقمار صناعية إلى الفضاء، ورأيتم أيضاً أنهم يوسّعون مدى الصواريخ التي يمتلكونها حالياً، ومن الواضح أنهم يسيرون في مسار قد يمكّنهم يوماً ما من تطوير أسلحة قادرة على الوصول إلى أراضي الولايات المتحدة، وهم بالفعل يمتلكون الآن أسلحة يمكنها الوصول إلى جزء كبير من أوروبا”.
وزعم روبيو أن “مدى صواريخ إيران يزداد كل عام بوتيرة متسارعة، وهو أمر يثير دهشتي، فبلد يواجه عقوبات، واقتصاده في حالة تدهور، وشعبه يعاني، ومع ذلك لا يزال يجد الأموال للاستثمار سنوياً في صواريخ ذات قدرات ومدى أكبر فأكبر، هذا تهديد لا يمكن استمراره”.
ووصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الأربعاء، الادعاءات بشأن تطوير صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة بأنها “أكاذيب كبيرة”.
ووفقاً للبيانات الرسمية الإيرانية، يبلغ أقصى مدى لصواريخها 2000 كيلومتر، غير أن دائرة أبحاث الكونجرس الأميركي تقدّر أن مداها قد يصل إلى نحو 3000 كيلومتر، وهو أقل من ثلث المسافة إلى الأراضي الأميركية.
كما أن تقريراً حديثاً صادراً عن وكالة استخبارات الدفاع الأميركية، يشير إلى امتلاك إيران مركبات إطلاق فضائية يمكن استخدامها لتطوير صاروخ باليستي عابر للقارات قادر على الوصول إلى الولايات المتحدة بحلول عام 2035.
ويشير التقرير إلى أن إيران قد تمتلك بحلول عام 2035 نحو 60 صاروخاً عابراً للقارات قادراً على ضرب أي جزء من الأراضي الأميركية، “إذا قررت طهران السعي لامتلاك هذه القدرة”.
التخصيب والمفاعلات النووية
وسيركز المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، خلال مفاوضات جنيف غير المباشرة، مع الوفد الإيراني الذي يترأسه عراقجي، على مسألة “البرنامج النووي الإيراني”.
وقال ترمب في خطاب حالة الاتحاد، الأربعاء، إنه “لم يسمع من إيران الكلمة السرية: لا نريد بناء سلاح نووي”، فيما قال نائبه جي دي فانس، إن “المبدأ بسيط جداً: لا يمكن لإيران أن تمتلك سلاحاً نووياً”.
وتقول إيران، إن أبحاثها النووية مخصصة لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتنفي سعيها لامتلاك سلاح نووي، وهو ما جدد تأكيده عراقجي في منشور على منصة “إكس”، الثلاثاء.
وزعم دي فانس، في حديث للصحافيين، الأربعاء، أن الولايات المتحدة رصدت أدلة على أن إيران تحاول إعادة بناء برنامجها النووي بعد الضربات التي قادتها الولايات المتحدة على مواقع نووية إيرانية في يونيو.
وأوضح فانس، أن ترمب كان “واضحاً جداً” في موقفه من إيران، مشدداً على أنه “لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً”، وأن ذلك هو “الهدف الذي تسعى الإدارة لتحقيقه عبر المسار الدبلوماسي، مع الاحتفاظ بخيارات أخرى”.
وتحدث روبيو عن البرنامج النووي الإيراني، الأربعاء، قائلاً: “إذا كان ما يسعون إليه فعلاً هو برنامج نووي سلمي، فيمكنكم القيام بذلك كما تفعل معظم دول العالم، أي عبر امتلاك مفاعلات فوق الأرض واستيراد الوقود”.
وأضاف: “إذا كان هدفهم حقاً هو إنتاج الطاقة، فيمكنهم استخدام مفاعلات معيارية صغيرة، وهي خيار ميسور التكلفة ومتاح لكثير من الدول”.
وتابع قائلاً: “لكن عندما تقول إنك تريد التخصيب، وتريد التخصيب في منشآت عميقة تحت الأرض، ولديك سجل سابق في التخصيب بنسبة 20% بل وحتى 60%، إضافة إلى بناء صواريخ يمكن أن تحمل رؤوساً حربية محتملة، فهذا لا يبدو لي تصرفاً لدولة غير مهتمة ببناء سلاح، فالمسألة ليست مجرد تصريحات، بل أفعال تدعم تلك التصريحات، وهذا ما لم نره ببساطة”.
واعتبر روبيو، أنه “ليست هناك حاجة للتخصيب من أجل الحصول على طاقة نووية”، مضيفاً: “بالمناسبة، هم لا يحتاجون أصلاً إلى طاقة نووية، فلديهم كميات وفيرة من الغاز الطبيعي، لكن إذا أرادوا طاقة نووية، يمكنهم الحصول عليها بنفس طريقة الدول الأخرى”.
ولفت روبيو إلى أن “إصرار إيران ليس فقط على التخصيب، بل على التخصيب في مواقع داخل الجبال، يجعل الأمر مثيراً للقلق”.
استعدادات الحرب والسلام
وقبيل انطلاق الجولة الثالثة، قال عراقجي، الأربعاء، إن بلاده مستعدة “لكلا الخيارين الحرب أو السلام”.
وأضاف عراقجي: “يمكننا التوصل إلى اتفاق أو صفقة استناداً إلى تفاهمات الجولة الثانية من المفاوضات مع أميركا”، بحسب ما نقل تلفزيون “العالم” الرسمي.
وأشار عراقجي، إلى أن بلاده تسعى إلى التوصل لاتفاق منصف مع واشنطن “في أقصر وقت ممكن” في محادثات جنيف.
في المقابل، قال الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، الأربعاء، إن إيران ترى فرصة لتحقيق نتيجة جيدة من الجولة الثالثة من المحادثات مع الولايات المتحدة.
وأضاف بيزشكيان في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام الحكومية: “فيما يتعلق بالمحادثات، نرى آفاقاً جيدة، في مباحثات الخميس التي سيجريها عراقجي في جنيف… حاولنا، بتوجيه من المرشد (علي خامنئي)، إدارة هذه العملية للخروج من حالة اللا حرب واللا سلام”.
وكانت إيران والولايات المتحدة عقدتا محادثات في وقت سابق هذا الشهر في سلطنة عمان، التي تتوسط في المفاوضات، ثم اجتمعتا في جولة ثانية بجنيف الأسبوع الماضي.
وكانت محاولة سابقة للتفاوض العام الماضي قد انهارت عندما شنت إسرائيل ضربات مفاجئة على إيران في يونيو الماضي، ما أدى إلى اندلاع حرب استمرت 12 يوماً، شاركت فيها واشنطن لفترة وجيزة بقصف مواقع نووية إيرانية.
وفي يناير، تصاعدت التوترات مجدداً بعد احتجاجات شهدتها مدن إيرانية واتهامات للنظام الإيراني بشن حملة قمع واسعة النطاق. وهدد ترمب مراراً بالتدخل “لمساعدة” الشعب الإيراني.
وزعم ترمب في خطاب حالة الاتحاد، أن النظام الإيرني “قتل 32 ألف شخص”، وهو رقم أعلى بكثير من معظم التقديرات.
