مع الهطولات المطرية الأخيرة التي شهدتها مناطق الجزيرة السورية، عادت المياه إلى مجرى نهر الخابور في محافظة الحسكة، بعد سنوات من الانقطاع شبه الكامل، ما أعاد الأمل إلى المزارعين الذين يعتمدون على مياهه في ري أراضيهم، وأحيا مساحات واسعة من الأراضي الواقعة على سرير النهر وضفافه.
وترافقت الأمطار الغزيرة التي هطلت خلال الأسابيع الماضية مع ارتفاع ملحوظ في منسوب المياه، الأمر الذي أدى إلى تشكل مجرى مائي واضح في النهر، بعد أن تحوّل في السنوات السابقة إلى مجرى جاف أو برك متقطعة نتيجة الجفاف وتراجع معدلات الهطل.
مشهد مائي غاب لسنوات
يمتد نهر الخابور بطول يقارب 460 كيلومترًا داخل الأراضي السورية، ويعدّ أحد أهم الروافد الرئيسية لنهر الفرات في منطقة الجزيرة.
وشكّل النهر لعقود شريانًا زراعيًا يغذي مساحات واسعة من الأراضي في ريف الحسكة، قبل أن يتراجع جريانه تدريجيًا خلال السنوات الماضية، متأثرًا بعوامل مناخية وسدود مقامة على منابعه في تركيا، إضافة إلى انخفاض معدلات الأمطار.
وخلال الأعوام التي سبقت الهطولات الأخيرة، توقف جريان النهر في معظم مقاطعه داخل سوريا، ما انعكس سلبًا على آلاف الهكتارات الزراعية التي كانت تعتمد على الري المباشر من مياهه، أو على الآبار التي يغذيها المخزون الجوفي المرتبط به.
المزارع أحمد العبد، من ريف الحسكة الجنوبي، قال ل، إن “عودة المياه إلى مجرى الخابور أعادت الحياة إلى الأرض”، مشيرًا إلى أنه كان قد توقف عن زراعة جزء من أرضه خلال السنوات الماضية بسبب شح المياه وارتفاع تكاليف حفر وتشغيل الآبار.
وأضاف أن الأراضي الواقعة على سرير النهر كانت تعتمد بشكل أساسي على الرطوبة الطبيعية التي يوفرها الجريان، “لكن مع جفاف النهر تشققت التربة وتراجعت خصوبتها، واضطررنا للاعتماد على الأمطار فقط، وهي لم تكن كافية”.
انتعاش الزراعة على السرير والضفاف
مع عودة الجريان، بدأ عدد من المزارعين بزراعة مساحات على سرير النهر، مستفيدين من رطوبة التربة وارتفاع منسوب المياه السطحية. وزُرعت محاصيل خضروات موسمية كالخس والبقدونس والسبانخ، إضافة إلى البقوليات وبعض المساحات المزروعة بالقمح والشعير.
فاطمة السليمان، تمتلك قطعة أرض صغيرة قرب مجرى النهر، قالت ل إن الموسم الحالي “يبشر بالخير”، موضحة أنها عادت لزراعة الخضروات بعد انقطاع دام ثلاث سنوات، بسبب ارتفاع تكاليف الري عبر الآبار.
وأضافت أن عودة المياه خففت من الأعباء المالية على المزارعين، إذ لم يعد كثير منهم بحاجة لتشغيل الآبار، إن توفرت، لساعات طويلة.
ويؤكد عدد من الفلاحين أن الأراضي المحاذية للنهر استعادت جزءًا من خصوبتها الطبيعية، نتيجة تشبعها بالمياه، الأمر الذي انعكس على سرعة نمو المزروعات وتحسن جودتها.
الجفاف… سنوات من الخسائر
شهدت محافظة الحسكة خلال السنوات الماضية موجات جفاف متكررة، ترافقت مع انخفاض كبير في معدلات الهطل المطري، ما أدى إلى تراجع المخزون المائي السطحي والجوفي. وانعكس ذلك على القطاع الزراعي الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي في المنطقة.
وخلال فترات الجفاف، اضطر كثير من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التحول إلى محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، فيما تخلى آخرون عن أراضيهم مؤقتاً بسبب الخسائر المتراكمة.
قال المزارع خالد المطر، من ريف تل تمر، إن توقف جريان الخابور “كان ضربة قاسية”، لافتًا إلى أن الآبار التي كان يعتمد عليها انخفض منسوبها بشكل كبير، ما استدعى حفر آبار أعمق بتكاليف مرتفعة.
وأضاف، ل، أن عودة الجريان لا تعني انتهاء الأزمة، لكنها “تعطي دفعة معنوية ومادية للمزارعين”، خاصة إذا استمرت الهطولات المطرية بمعدلات جيدة خلال الموسم الحالي.
قراءة فنية: تحسن مؤقت أم بداية تعافٍ؟
المهندس الزراعي سامر الحسين يرى أن عودة الجريان إلى نهر الخابور ترتبط بشكل مباشر بالهطولات المطرية الأخيرة، محذرًا من اعتبارها تحولًا دائمًا في الوضع المائي.
وأوضح ل أن الجفاف الذي ضرب المنطقة في السنوات الماضية أدى إلى استنزاف المخزون الجوفي، وتراجع تدفق الينابيع المغذية للنهر، مشيرًا إلى أن استعادة التوازن المائي تحتاج إلى عدة مواسم مطرية جيدة متتالية.
وأضاف أن تحسن الرطوبة في التربة سيؤثر إيجابًا على المحاصيل الشتوية، لا سيما القمح والشعير، لكنه شدد على أهمية إدارة الموارد المائية بشكل رشيد، عبر تنظيم السحب من الآبار وتشجيع أساليب الري الحديثة كالري بالتنقيط.
وأشار الحسين إلى أن الزراعة على سرير النهر يجب أن تتم وفق ضوابط، تجنباً لتعرض المحاصيل للضرر في حال ارتفاع منسوب المياه بشكل مفاجئ، أو حدوث فيضانات جزئية.
أثر اجتماعي واقتصادي
لا يقتصر أثر عودة الجريان على الجانب الزراعي فحسب، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي، إذ أعاد مشهد المياه المتدفقة شعورًا بالأمل لدى سكان القرى الواقعة على ضفاف النهر.
أحد وجهاء قرية تنينير قرب الحسكة قال ل إن النهر “جزء من ذاكرة المنطقة”، وإن جفافه خلال السنوات الماضية ترك أثرًا نفسيًا عميقًا لدى السكان، خاصة كبار السن الذين اعتادوا رؤية مياهه تجري على مدار العام.
كما أن تحسن الموسم الزراعي ينعكس على حركة الأسواق المحلية، من خلال زيادة المعروض من الخضروات والحبوب، ما قد يسهم في استقرار نسبي للأسعار، ويخفف من الأعباء المعيشية على السكان.
تحديات مستمرة
رغم التفاؤل الحذر، يواجه المزارعون تحديات مستمرة، من بينها تقلبات المناخ، وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، وعدم استقرار أسعار المحاصيل.
كما تبقى مسألة إدارة الموارد المائية على مستوى الحوض ككل عاملًا حاسمًا في استدامة الجريان.
ويؤكد المهندس الزراعي سامر الحسين أن الحلول تتطلب تنسيقًا بين الجهات المعنية، ووضع خطط طويلة الأمد لإعادة تأهيل شبكات الري، والحفاظ على المياه الجوفية، إلى جانب تعزيز الوعي بأهمية الاستخدام المستدام للمياه.
بين الماضي والحاضر
شكّل نهر الخابور تاريخيًا شريان حياة للجزيرة السورية، وأسهم في ازدهار الزراعة والاستقرار السكاني في المنطقة. ومع تعاقب سنوات الجفاف، تراجع دوره الحيوي، ما انعكس سلبًا على الزراعة والمعيشة.
اليوم، ومع عودة الجريان بفعل الأمطار، يستعيد النهر جزءًا من حضوره، ويمنح المزارعين فرصة لالتقاط الأنفاس بعد مواسم قاسية. غير أن استمرار هذا التعافي يبقى رهناً بالعوامل المناخية وإدارة الموارد المائية، في منطقة تواجه تحديات بيئية واقتصادية متشابكة.
وبين تفاؤل الفلاحين وحذر المختصين، يبقى المشهد مرهونًا بما ستحمله المواسم المقبلة، فيما تعود مياه الخابور لتجري، ولو مؤقتًا، في مجراه الذي طالما ارتبط باسم الجزيرة وخصبها.
Related
المصدر: عنب بلدي
