في كل عام، يستقبل المسلمون في جميع أنحاء العالم شهر رمضان المبارك بطقوسه الروحانية والعائلية المميزة. لكن خلف الأجواء الإيمانية والموائد العامرة، يعيش ملايين الصائمين تحولاً جذرياً في أحد أهم أنشطتهم الحيوية: النوم. فمع تغير مواعيد الطعام والعمل والعبادات، تتبدل دورة النوم والاستيقاظ بشكل لافت، ليدخل الجسم في معادلة جديدة يحاول فيها التكيف بين ساعات النهار الطويلة وليالي السهر الممتدة .

لا يشكل الصيام بحد ذاته سبباً رئيسياً لاضطراب النوم، بل التغيير الجذري في توقيت النوم هو العامل الأكثر تأثيراً. ففي العديد من المجتمعات العربية، يتأخر موعد النوم ما بين ساعتين إلى أربع ساعات مقارنة بباقي أيام السنة. هذا التأخير يخلق نمط نوم متقطعاً، خصوصاً لدى الفئات العاملة التي تضطر للاستيقاظ صباحاً لأداء مهامها الوظيفية .

ويؤكد أطباء مختصون أن الجسم البشري يعتمد على إيقاع يومي منظم يُعرف بالساعة البيولوجية، والتي تنظم أوقات النوم والاستيقاظ بناءً على التعرض للضوء والظلام. في رمضان، ومع السهر الطويل وتغيير مواعيد الوجبات، يختل هذا النظام بشكل واضح، مما يؤدي إلى زيادة الشعور بالخمول نهاراً واضطرابات النوم ليلاً .

وبدلاً من الحصول على 7 أو 8 ساعات نوم متصلة، يلجأ كثير من الصائمين إلى تقسيم نومهم إلى فترتين رئيسيتين: فترة ليلية قصيرة تمتد من بعد صلاة التراويح حتى موعد السحور، ثم قيلولة بعد صلاة الفجر أو في فترة الظهيرة. ويعرف هذا النمط طبياً باسم النوم “ثنائي الطور”، وهو منتشر بشكل واسع في دول الخليج ومصر والمغرب خلال الشهر الفضيل .

ورغم أن القيلولة قد تعوض جزءاً من نقص ساعات النوم الليلية، إلا أن جودة النوم المجزأ تختلف كثيراً عن النوم المتواصل. فالدخول في دورات النوم العميق ومرحلة حركة العين السريعة (REM) المسؤولة عن الأحلام وتجميع الذكريات، تحتاج إلى فترات كافية غير متقطعة لتحقيق فوائدها الكاملة .

وتتعدد الأسباب التي تدفع الصائمين إلى الأرق وصعوبة النوم خلال الشهر الكريم، ويجمع الأطباء على أبرزها:

الوجبات الثقيلة: تناول الإفطار الدسم أو السحور الغني بالدهون والسكريات قبل النوم مباشرة يؤدي إلى عسر الهضم وحرقة المعدة، مما يمنع النوم العميق والمريح .

الكافيين المسائي: يلجأ الكثيرون إلى شرب القهوة والشاي بعد الإفطار، متناسين أن تأثير الكافيين قد يستمر في الجسم لساعات طويلة، ويعيق إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم .

السهر الاجتماعي: تمتد السهرات العائلية والتجمعات الاجتماعية والمسلسلات الرمضانية إلى ساعات متأخرة من الليل، مما يقلص الوقت المخصص للنوم .

قلة التعرض لأشعة الشمس: يمضي كثيرون ساعات النهار في المنزل أو أماكن العمل المغلقة، بعيداً عن ضوء الشمس الضروري لتنظيم الساعة البيولوجية .

ولا يمر اضطراب النوم في رمضان مرور الكرام على صحة الصائمين. فقد حذر أطباء مختصون من أن قلة النوم وجودته تؤدي إلى مجموعة من الأعراض المزعجة، أبرزها:

ضعف التركيز وصعوبة التعلم: تؤكد دراسات طبية أن الحرمان الجزئي من النوم قد يخفض الأداء الذهني بنسبة تصل إلى 25%، ويؤثر على سرعة رد الفعل والقدرة على اتخاذ القرارات .

تقلبات المزاج والعصبية: يلاحظ الكثيرون سرعة الغضب والانفعال خلال شهر رمضان، وهو أمر مرتبط مباشرة باضطراب النوم واختلال الساعة البيولوجية .

الصداع والإرهاق: يؤدي تغير مواعيد النوم إلى الصداع المتكرر، خاصة في الأيام الأولى من الشهر قبل أن يتكيف الجسم مع الإيقاع الجديد .

زيادة الوزن: يربط اختصاصيو التغذية بين قلة النوم وزيادة الوزن، حيث تؤثر على الهرمونات المنظمة للشهية، وتزيد الرغبة في تناول الأطعمة الغنية بالدهون والسكريات .

دراسة علمية مثيرة للاهتمام كشفت أن إجمالي وقت النوم لدى الصائمين ينخفض بشكل ملحوظ خلال الأسبوعين الأول والثاني من رمضان مقارنة بفترة ما قبل الشهر الفضيل، حيث يتراوح متوسط ساعات النوم بين 4.78 إلى 5.91 ساعة فقط، لكن اللافت أن هذه الدراسة لم تجد دليلاً موضوعياً على زيادة النعاس أثناء النهار، مما يشير إلى قدرة الجسم على التكيف التدريجي مع النمط الجديد .

في النهاية، يبقى رمضان شهراً استثنائياً بكل تفاصيله، وتغيير نمط النوم خلاله ليس خللاً عضوياً بقدر ما هو إعادة توزيع للزمن اليومي ليتناسب مع خصوصية الشهر الفضيل. فكما يؤكد الأطباء، فإن الجسم البشري قادر على التكيف مع تغير الإيقاع إذا استقر لأسابيع، والمشكلة الحقيقية تكمن في عدم الانتظام والتفاوت الكبير في مواعيد النوم بين يوم وآخر.

ومع انتهاء الشهر الفضيل، تعود المدن تدريجياً إلى نمطها المعتاد، ويبدأ الجسم مرحلة إعادة الضبط من جديد. وحتى ذلك الحين، يبقى التوازن هو الكلمة السحرية: نوم كافٍ يعين على العبادة والعمل، ووعي صحي يقي من متاعب اضطرابات النوم.

المصدر: وكالة ستيب الاخبارية

شاركها.