كشفت دراسة علمية عن دور غير متوقع لما يعرف بـ”شظايا الحمض النووي القافزة” في زعزعة استقرار الجينوم السرطاني خلال المراحل المبكرة من تكوّن الأورام، أي قبل سنوات من التشخيص الفعلي للمرض. 

وتوصل الباحثون، في الدراسة التي نشرتها دورية Science، إلى أن هذه العناصر الجينية القديمة، التي تعد نوعاً من “الطفيليات الوراثية”، لا تكتفي بإحداث طفرات محدودة، بل يمكنها إعادة تشكيل البنية المعمارية للجينوم على نطاق واسع، ما يهيئ بيئة خصبة لتطور السرطان.

وركزت الدراسة على عناصر جينية تعرف باسم L1، وهي مقاطع من الحمض النووي قادرة على نسخ نفسها ولصق النسخة في مواقع جديدة داخل الجينوم، عبر عملية تسمى “الارتداد العكسي”.

وكان يُعتَقد سابقاً أن نشاط هذه العناصر يقتصر على إحداث طفرات موضعية ربما تعطل جيناً بعينه عند إدراجها في مكان خاطئ، غير أن النتائج الجديدة أظهرت أن نشاط L1 يمكن أن يقود أيضاً إلى تعديلات هيكلية واسعة النطاق تطلق ما يشبه “الفوضى الجينومية”.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، خوسيه توبيو، من مركز أبحاث الطب الجزيئي والأمراض المزمنة بجامعة سانتياجو دي كومبوستيلا في إسبانيا، إن جينومات السرطان “تتأثر بهذه الشظايا القافزة أكثر مما كنا نعتقد سابقاً”.

وتعد الجينومات غير المستقرة بيئة مثالية لتطور الخلايا الخبيثة؛ إذ تمنحها فرصاً أكبر للنمو والتكيف والتهرب من العلاجات.

وتتحدى النتائج افتراضاً طويل الأمد مفاده أن نشاط L1 ليس سوى نتيجة ثانوية لفوضى جينومية موجودة مسبقاً في المراحل المتأخرة من السرطان.

محرك مبكر للاضطراب الجيني

أظهرت الدراسة أن نحو 65% من أحداث L1 وقعت في المراحل المبكرة من تطور الورم، ما يشير إلى أن هذه العناصر ربما تكون محركاً مبكراً للاضطراب الجيني، وليست مجرد انعكاس له.

وتوقع الباحثون أن يساعد هذا الاكتشاف مستقبلاً في تطوير استراتيجيات جديدة للكشف المبكر والعلاج، عبر فهم متى وأين يصل نشاط L1 إلى نقطة التحول الحاسمة.

تعد عناصر L1 ركابا جينيين قدماء (تسلسلات وراثية) رافقت تطور الثدييات لملايين السنين.

ويحتوي الجينوم البشري على نحو 500 ألف نسخة منها، تشكل قرابة 17% من إجمالي مادته الوراثية، إلا أن معظمها يعتبر “أحافير جينية” خاملة.

وفي المتوسط، يمتلك كل إنسان ما بين 150 و200 عنصر L1 لا يزال قادراً على القفز إلى مواقع جديدة داخل الجينوم، وغالباً ما تكون هذه العناصر محايدة أو ضارة بالمضيف، إذ إن هدفها الأساسي هو تعزيز تكاثرها الذاتي.

ارتبط نشاط L1 سابقاً بأنواع مختلفة من السرطان، بما في ذلك أورام الدماغ، والعنق، والرئة، والقولون، والمستقيم، إلا أن فهم الكيفية الدقيقة التي تحدث بها هذه العناصر اضطراباً في الجينوم ظل محدوداً؛ بسبب اعتماد الدراسات السابقة على تقنية “التسلسل قصير القراءة” التي تعجز عن إعادة بناء التغيرات الهيكلية المعقدة في الحمض النووي.

لتجاوز هذا القيد، استخدم الباحثون تقنية “التسلسل طويل القراءة”، ما أتاح لهم، للمرة الأولى، رؤية التغيرات الكاملة التي تحدثها عناصر L1 في بنية الجينوم السرطاني، بما في ذلك الحذوفات، وانتقالات المقاطع بين الكروموسومات، وإعادة الترتيب الجيني.

واختار الفريق 10 أورام ذات نشاط مرتفع لعناصر L1 لإجراء تحليل معمق؛ 5 من سرطانات الخلايا الحرشفية في الرأس والعنق، و4 من سرطانات الرئة الحرشفية، وورماً غديّاً واحداً في القولون. 

وجرى رصد ما مجموعه 6 آلاف و418 حدث ارتداد عكسي، مع تباين بين أنواع السرطان المختلفة، وكانت الغالبية العظمى من هذه الأحداث عبارة عن إدراجات، أي نسخ جديدة من L1 أضيفت إلى مواضع مختلفة من الجينوم، ما قد يغير طوله، ويعطل وظائف بعض الجينات، رغم أن معظم هذه النسخ كانت مبتورة وغير قادرة على القفز مجدداً.

لكن بين آلاف الحالات، حدد الباحثون 152 حالة أحدثت فيها عناصر L1 إعادة ترتيب هيكلية واسعة النطاق.

وبلغ معدل هذه التغيرات حالة واحدة لكل 40 حدثاً في الأورام ذات النشاط المرتفع، وحالة واحدة لكل 60 في الأورام الأقل نشاطاً، ورغم أن الرقم 152 قد يبدو محدوداً، إلا أن رصده في 10 أورام فقط يعد مرتفعاً بصورة استثنائية، بحسب الدكتور برناردو رودريجيز-مارتين، الباحث الرئيسي المشارك في الدراسة.

وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في أن 3 أرباع هذه الترتيبات الهيكلية الكبيرة لم يكن من الممكن اكتشافها باستخدام تقنيات التسلسل قصير القراءة.

وتوقع الباحثون أن تنخفض تكلفة التسلسل طويل القراءة بنحو النصف، خلال العام الجاري، ما قد يجعل هذا النوع من التحليل العميق أكثر انتشاراً في الممارسة السريرية.

تضاعف الجينوم

من بين الآليات المكتشفة تبادل غير معروف سابقاً بين الكروموسومات، يرجَّح أنه يحدث نتيجة وقوع حدثي L1 متزامنين تقريباً على كروموسومين مختلفين، يؤديان إلى تبادل متوازن لمقاطع من الحمض النووي فيما يعرف بـ”الانتقال المتبادل”.

وشبهت الباحثة سونيا زومالافي، الباحثة الرئيسية في الدراسة، ذلك بتمزيق صفحتين مختلفتين من كتاب في الوقت نفسه ثم تبادل أجزائهما، إذ تعمل عناصر L1 كـ”غراء” يربط الصفحتين ببعضهما.

سلطت الدراسة الضوء على مرحلة مبكرة مهمة في تكون الأورام، تعرف بـ”تضاعف الجينوم الكامل”، إذ تضاعف الخلية السرطانية مجموعتها الكاملة من الكروموسومات.

وحدث هذا التضاعف في الحالات المدروسة بمتوسط 4.77 سنة قبل التشخيص، ووجد الباحثون أن معظم نشاط L1 سبق هذا الحدث، ما يعزز فكرة أن الارتداد العكسي يمثل عملية طفرية مبكرة تسهم في الفوضى الجينومية التي تمهد لنشوء السرطان.

وفي تجربة جانبية، تبيَّن أن المحفزات الجينية لعناصر L1 تكون أقل مثيلة في الأورام، مقارنة بالأنسجة السليمة المجاورة، وهو نمط يتماشى مع فرضية أن التغيرات اللاجينية ربما توقظ تسلسلات جينية طفيلية كانت خاملة سابقاً.

وأوضح الباحثون أن الدراسة عليها بعض القيود؛ إذ استندت إلى مجموعة مختارة عمداً من السرطانات ذات النشاط المرتفع جدا لعناصر L1 بهدف كشف آليات نادرة قد لا تظهر في عينات ذات نشاط منخفض، ما يعني أن النتائج قد لا تنطبق على جميع أنواع الأورام.

شاركها.