اخبار تركيا
يرى الكاتب والمحلل التركي توران قشلاقجي أن المأساة الكبرى التي تعيشها شعوب المشرق، ولا سيما العرب والأتراك والأكراد، هي أنهم تخلّوا منذ قرنين عن كتابة تاريخهم بأقلامهم، وتركوا هذه المهمة لمنتجي المعرفة في الغرب، الذين لم يكتفوا بتفسير الماضي، بل أعادوا تشكيل الحاضر وصناعة العداوات داخل هذه الجغرافيا.
ويقول قشلاقجي في مقال بمجلة كريتيك باكيش إن هذا الارتهان للسرديات الاستشراقية لم يكن خطأً أكاديميًا فقط، بل خيانة للذاكرة الجماعية أدت إلى تفكيك الروابط بين أبناء المنطقة الواحدة.
ويؤكد قشلاقجي أن القضية الكردية في سوريا هي إحدى أبرز ضحايا هذا التشويه، حيث جرى اختزال معاناة الشعب الكردي السوري في تنظيم مسلح لا يمثل إلا جزءًا صغيرًا منه. وبحسبه، فإن بنية تنظيم “حزب الاتحاد الديمقراطي / قسد PYD/SDG”، التي تستند إلى “حزب العمال الكردستاني PKK”، لم تنشأ لخدمة أكراد سوريا، بل فُرضت عليهم كسلطة وصاية بدعم مباشر من الولايات المتحدة وروسيا وإيران وألمانيا وإسرائيل، وأُخضعت الحياة السياسية الكردية لمنطق السلاح بدل منطق المجتمع.
ويشير قشلاقجي إلى أن التاريخ واضح في هذه النقطة: كل المجتمعات التي خضعت فيها السياسة لسلطة البندقية خسرت مستقبلها، لأن السلاح لا يرى سوى الأبيض والأسود، بينما السياسة الحقيقية هي فن إدارة التعدد والاختلاف. ويضيف أن المأساة السورية تتضاعف لأن أكراد سوريا وقعوا ضحية انعدام التاريخ وانعدام السياسة معًا.
ويقول قشلاقجي إن من أكبر الأكاذيب التي رُوّجت في السنوات الأخيرة هي الادعاء بوجود “إقليم كردي تاريخي” في سوريا. فالتاريخ، كما يوضح، لا يعرف كيانًا كرديًا في سوريا على غرار ما هو موجود في العراق أو تركيا أو إيران، بل يعرف وجودًا سكانيًا محدودًا في حلب ودمشق وبعض المناطق الجبلية. ولهذا، فإن لجوء بعض التيارات الكردية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل تحت شعار “دعم أكراد سوريا” ليس سوى استثمار خارجي في مأساة داخلية.
وينقل قشلاقجي أن المفكر السوري الكبير محمد كرد علي كان قد حذّر منذ عام 1931 من خطورة توطين موجات الهجرة الكردية في المناطق الحدودية السورية، لأنه رأى فيها قابلية للتحول إلى مشروع انفصال مستقبلي. ويؤكد أن كرد علي لم يكن معاديًا للأكراد، بل كان يدرك، بوصفه مؤرخًا، أن الهويات حين تُسلّح وتُحشد عند الحدود تتحول إلى أدوات صراع دولي.
وبحسب قشلاقجي، فإن ما يحدث اليوم في شمال سوريا هو تحقق متأخر لتحذيرات كرد علي، حيث تحولت معاناة اللاجئين والمهجّرين إلى ورقة جيوسياسية في يد القوى الخارجية. ويضيف أن التنظيمات الة بـPKK قامت بمصادرة الفرصة التاريخية التي حصل عليها أكراد سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وحولتها إلى مشروع بإسرائيل والولايات المتحدة بدل أن تكون جزءًا من سوريا الجديدة.
ويختم توران قشلاقجي بالقول إن القضية الكردية لا يمكن أن تُحل بالسلاح ولا عبر الوكلاء، بل فقط عندما تُعاد إلى فضائها الطبيعي: السياسة، القانون، والعيش المشترك مع شعوب المنطقة. فكل تحالف مع الخارج ضد الداخل، كما يقول، ينتهي بخسارة الجميع، بينما الطريق الوحيد إلى مستقبل آمن للأكراد والعرب والأتراك هو استعادة الذاكرة المشتركة وبناء مصير مشترك خارج خرائط الإمبراطوريات الجديدة.
