اخبار تركيا
استعرض مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، التحوّل الجاري في الشرق الأوسط من مرحلة الفوضى والصراعات إلى مرحلة جديدة تقوم على الشراكات الإقليمية وبناء الاستقرار، مع التركيز على الدور المحوري لتحالف تركيا وقطر والسعودية ومصر.
يشرح الكاتب كيف دفعت حرب غزة، وسقوط نظام الأسد في سوريا، وتراجع النفوذ الإيراني، وتصاعد العدوانية الإسرائيلية دول المنطقة إلى تنسيق مواقفها في ملفات حيوية مثل غزة وسوريا والسودان واليمن والصومال، بما يؤسس لمحور إقليمي يسعى إلى حماية وحدة الدول، واحتواء التفكك، وإعادة بناء نظام إقليمي أكثر توازنًا واستقلالًا عن الهيمنة الخارجية.
وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة الشرق القطرية:
يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة من عدم الاستقرار، إذ أنهكت شعوبه الحروب والاحتلالات والانقلابات والاضطرابات الداخلية، إضافة إلى التدخلات الخارجية وموجات الهجرة المتلاحقة. وخلال العقد الأخير، أدّت أحداث ما يُعرف بالربيع العربي ـ بغضّ النظر عن تقييمنا لمن كان محقًا ـ إلى تعميق الفوضى، حيث ترافقت موجة التغيير مع انقلابات وصراعات داخلية وحروب أهلية واستقطاب طائفي حاد، إلى جانب موجات نزوح غير مسبوقة، وكانت اليمن وسوريا وليبيا من أبرز ساحات هذه المآسي. غير أنّ مرور الوقت أفسح المجال لعودة صوت العقل والحكمة، وبدأت دول المنطقة تتجه تدريجيًا نحو رؤية جديدة تقوم على المصالحة وتغليب منطق التعاون وبناء علاقات الصداقة والشراكة فيما بينها.
كانت هناك بالفعل شراكة قوية بين تركيا وقطر في المنطقة من أجل منع الفتن، وترسيخ الثقة، وتحقيق الاستقرار، والرفاه. وفي الآونة الأخيرة بدأنا نلاحظ أن هذا الفهم وهذا التعاون آخذان في الامتداد إلى دول المنطقة الأخرى أيضًا. ولا سيما أن السعودية ومصر بدأتا تنتهجان سياسات أكثر قوة باتجاه الاستقرار. وحتى إيران التي تراجع نفوذها باتت تُرسل إشارات إلى رغبتها في تحسين علاقاتها مع الدول العربية. ويمكن إرجاع هذا التحول المهم إلى عدة أسباب، من أبرزها: حرب غزة، وتغيير النظام في سوريا، واحتمال اندلاع حرب بين إيران والولايات المتحدة.
بدأت حرب غزة في 7 أكتوبر وما تزال مستمرة حتى اليوم، وقد أدّت من جهة إلى تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، ومن جهة أخرى شكّلت تطورًا زاد من طموحات إسرائيل نحو الهيمنة الإقليمية ومن مستوى عدوانيتها. إذ لم تكتفِ إسرائيل بالاعتداء على فلسطين، بل شنت هجمات على خمس دول أخرى أيضًا (لبنان، واليمن، وسوريا، وإيران، وقطر)، كما أطلقت تهديدات باستهداف دول مثل تركيا. وقد أثار هجومها على قطر ردود فعل قوية في المجتمع الدولي، كما زاد من قلق دول الخليج بشكل خاص.
اليوم تقوم قطر ومصر بشكل خاص بدور الوساطة من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة، كما تعملان بالتعاون مع تركيا والسعودية على إقامة شراكة جدية في ملف إعادة إعمار غزة. ويبدو أن جميع دول المنطقة تدعم هذه التطورات. فالدول التي ذكرناها تُسهم في لجنة السلام التي ستتولى متابعة إعادة إعمار غزة، ومن المرجح أنها ستقدم أيضًا دعمًا ماليًا كبيرًا عندما تبدأ مرحلة إعادة البناء بعد انتهاء الحرب.
ومن التطورات التي ساعدت أيضًا على بروز محور الاستقرار الإقليمي سقوط نظام الأسد في سوريا. فقد حظيت مسألة أمن سوريا، التي تُعد بالغة الأهمية لكلٍّ من تركيا ودول الخليج، بدعم شبه كامل من معظم الدول العربية بقيادة السعودية. وتمت مواجهة اعتداءات إسرائيل، وكذلك المطالب الانفصالية للنصيريين والدروز والأكراد، بموقف موحّد. ولا تزال تركيا والسعودية وقطر تواصل تقديم الدعم لسوريا، ليس فقط على المستوى الإنساني، بل كذلك عبر الدعم الدبلوماسي والتقني. وقد تشكّلت هنا رؤية مشتركة واضحة وتعاون جاد بين هذه الدول.
كما أصبحت أزمة السودان عاملًا مهمًا في تعزيز التعاون بين تركيا ومصر، إذ إن مصر تأثرت كثيرًا بتداعيات هذه الأزمة وتخشى امتداد الفتنة إليها. وقد اتفقت مصر وتركيا والسعودية على دعم الشرعية والاستقرار في السودان، وبدأ أثر هذا الدعم يظهر سريعًا على أرض الواقع. وبالمثل، اتخذت هذه الدول موقفًا مشتركًا في مواجهة خطر تقسيم الصومال. ومع دعم السعودية، تم كذلك احتواء خطر انفصال الجنوب في اليمن.
أكدت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية ومصر الأسبوع الماضي قوة محور الاستقرار الإقليمي. فإلى جانب بحث تطوير العلاقات الثنائية، أظهرت اللقاءات إرادة قوية وجدية لتعزيز التعاون الإقليمي، ودعم وحدة أراضي سوريا واليمن، والسودان، والصومال واستقرارها. ومن المتوقع أن تتضح الفوائد الاقتصادية والعسكرية والثقافية لهذا المحور بشكل أكبر على المدى المتوسط والبعيد.
