اخبار تركيا
تناول مقال للكاتب والصحفي التركي قدير أوستون، التردد الاستراتيجي لإدارة دونالد ترامب في التعامل مع إيران بين خيار الحرب وخيار التفاوض، في ظل تصاعد الضغوط الإسرائيلية وسعي واشنطن لانتزاع تنازلات تتجاوز الملف النووي.
ويحلّل الكاتب كيف يعتمد ترامب أسلوب التصعيد ثم التراجع للحصول على مكاسب، مستندًا إلى تجربة “حرب الأيام الاثني عشر”، محذرًا من أن رفع سقف المطالب إلى حد يهدد وجود النظام الإيراني قد يشعل حربًا إقليمية واسعة.
كما يبرز أوستون، دور الدول العربية في دفع المسار التفاوضي مقابل محاولات إسرائيل دفع واشنطن نحو المواجهة. وفيما يلي نص المقال الذين نشرته صحيفة يني شفق:
خلال الأسابيع الأخيرة، وبينما تصاعدت الأخبار التي تشير إلى احتمال أن تشن إسرائيل أولًا ثم الولايات المتحدة هجومًا على إيران، ارتفعت التوقعات باندلاع حرب. غير أن عدم وضوح ما يريده الرئيس ترامب تحديدًا من إيران يجعل من الصعب توقّع السيناريوهات المحتملة.
فترامب، الذي شعر بقوة أكبر بعد عملية مادورو، وجه تهديدات إلى دول أمريكا اللاتينية وإيران وغرينلاند، لكنه عاد لاحقًا وفضّل خفض حدّة خطابه. وفي فنزويلا اكتفى بعملية «قطع الرأس» من دون أن يُقدم على تغيير النظام، مؤكدًا أنه لن يقع في خطأ «بناء الأمم» كما حدث في العراق.
كما أبقى جميع الخيارات، بما فيها الاحتلال، مطروحة للحصول على غرينلاند، قبل أن يعلن لاحقًا أنه لن يستخدم الخيار العسكري. ووجّه كذلك تصريحات تعهّد فيها بدعم كبير للمتظاهرين الإيرانيين وهدّد النظام، لكنه عاد لاحقًا وخفّف من حدّة موقفه.
تشير هذه الأمثلة مجتمعة إلى نمط سلوك لدى ترامب يقوم على التصعيد الحاد ثم إعلان النصر بمجرد الحصول على التنازلات التي يريدها. غير أن تجاهل تهديدات ترامب، على اعتبار أنه سيتراجع عنها كما في حالة مادورو، قد يشكل خطأً مصيريًا بالنسبة لإيران.
وطهران تدرك ذلك، ولذلك اختارت مسار التفاوض، إلا أن هناك فجوة عميقة بين الطرفين بشأن جدول الأعمال الواجب بحثه. فبينما ترغب إيران في التفاوض حول الملف النووي فقط، تسعى الولايات المتحدة إلى مناقشة القدرات النووية وبرنامج الصواريخ وقضايا «الإرهاب» وحقوق الإنسان. وتهدف إدارة ترامب إلى انتزاع تنازلات في هذه الملفات، إلا أن التوصل إلى اتفاق شامل يتضمنها جميعًا يبدو أمرًا بالغ الصعوبة.
كما أن الحشد العسكري الذي دفع به ترامب إلى المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة، مع عدم وضوح التنازلات التي قد يكتفي بها، يجعل من غير المعروف ما إذا كان هدفه النهائي هو تغيير النظام أم التوصل إلى اتفاق نووي أم تحقيق انفراج شامل في العلاقات.
دروس حرب الأيام الاثني عشر
في يونيو/حزيران، أسفر الهجوم الإسرائيلي على إيران، ونجاح تل أبيب في إشراك ترامب في العملية، عن قيام الولايات المتحدة بضرب المنشآت النووية الإيرانية.
وقد وجه ترامب رسالة إلى إيران مفادها أن العملية ستكون محدودة، بما يعكس عدم رغبته في خوض حرب طويلة ومعقدة. وبينما ادّعى ترامب أن الولايات المتحدة دمّرت كامل القدرات النووية الإيرانية، أبدى غضبه من التسريبات الإعلامية التي أشارت إلى أن إيران احتفظت بجزء حاسم من تلك القدرات.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد تحرّك فور انتهاء المهلة التي منحها ترامب لإيران ومدتها ستين يومًا، ما جعل واشنطن تبدو وكأنها ضحية لخطابها التصعيدي. وفي الآونة الأخيرة، بات من الممكن رصد تحليلات «تحريضية» في الإعلام الأمريكي تشير إلى أن ترامب وعد المعارضين الإيرانيين بالدعم ولم يفِ بتعهده، وأن ذلك سيشبه عدم تطبيق أوباما «الخط الأحمر».
ومن الواضح أن ترامب يشعر بالقوة بعد عملية مادورو، إلا أن استهدافه المباشر للمرشد الإيراني علي خامنئي ــ كما ألمح في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» ــ قد يشكل خطوة من شأنها إشعال حرب إقليمية. وإدراكًا لذلك، يبدو أن الدول العربية تدخّلت وأقنعت إيران بالانخراط في التفاوض، غير أن التوصل إلى تنازلات تُرضي ترامب على طاولة المفاوضات لن يكون سهلًا.
ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى تغيّر معايير التفاوض الأمريكية. ففي عهد أوباما، طُرح رفع العقوبات بوضوح مقابل الاتفاق النووي، بينما تسعى إدارة ترامب إلى ربط رفع العقوبات بتنازلات تتجاوز البرنامج النووي. وخلال حرب الأيام الاثني عشر، حاول ترامب إدارة صراع مضبوط مع إيران من وراء الكواليس، فحصر العمليات العسكرية في المنشآت النووية وتجنّب الانزلاق إلى حرب واسعة. ونتيجة لذلك، اكتفت إيران بالرد عبر إطلاق صواريخ على إسرائيل، من دون توجيه ردّ كبير يستهدف الولايات المتحدة مباشرة.
هل المنطقة على أعتاب حرب إقليمية؟
يمتلك ترامب خبرة عملية في كيفية الحد من المواجهة العسكرية مع إيران، استنادًا إلى ما جرى خلال حرب الأيام الاثني عشر. غير أنه إذا طرح مطالب تقتضي من إيران تغيير إستراتيجية الأمن القومي للنظام تغييرًا جذريًا، فإن احتمال اندلاع الصراع سيرتفع، وقد يصبح من الصعب هذه المرة احتواؤه.
وقد يُظن أن إيران لن ترد كما فعلت بعد حرب الأيام الاثني عشر، إلا أن اقتناع النظام بأنه يواجه خطرًا وجوديًا قد يدفعه إلى استهداف القوات الأمريكية وحلفائها في المنطقة، وهو ما لن يكون احتمالًا مستبعدًا. كما أن مطالبة إدارة ترامب بتنازلات تعني عمليًا تغيير النظام في إيران قد تؤدي إلى إشعال حرب إقليمية. وإذا كان ترامب يريد تجنّب ذلك، فعليه أن يوضّح بدقة ما يريده من إيران.
لطالما سعت إسرائيل إلى إقناع واشنطن بأن القدرات النووية والصاروخية الإيرانية تمثّل تهديدًا وجوديًا لها. أما الإدارات الأمريكية التي لم تكن راغبة أو قادرة على خوض حرب مع إيران، فلم تستطع التصريح علنًا بأن هذا الطرح الإسرائيلي مبالغ فيه، لكنها اتبعت سياسات تعكس هذا التوجه.
ومع إدارة ترامب، برزت في واشنطن إدارة لا تتردد في اللجوء إلى الخيار العسكري، لكنها في الوقت ذاته مصمّمة على تجنّب سيناريوهات الحروب المفتوحة. وتسعى إسرائيل إلى إقناع ترامب بالعملية العسكرية عبر تذكيره بمهلة الستين يومًا التي منحها لإيران، وبوعوده للمتظاهرين الإيرانيين بأن «المساعدة قادمة». وفي المقابل، تحاول الدول العربية، التي لا ترغب في الانحياز في حال اندلاع حرب إقليمية ولا في ترك إسرائيل تفرض هيمنة إقليمية، إقناع ترامب بالمسار التفاوضي.
ومن الواضح أن هناك من يروج لترامب فكرة أن عملية «قطع رأس النظام» في إيران قد تحقق نتائج مشابهة لما حدث في فنزويلا. وإذا استمع ترامب إلى هذه الطروحات، فقد يسعى إلى استهداف خامنئي، على أساس أن النظام يمكن أن يستمر لاحقًا تحت إشراف وتوجيه أمريكي.
غير أن المؤكد أن إيران ليست فنزويلا، وأن استهداف خامنئي سيعني دخول الولايات المتحدة في حرب جديدة مفتوحة النهاية. وإذا أراد ترامب تجنّب هذا السيناريو، فعليه أن يحدّد مسبقًا التنازلات التي يمكن أن يقبل بها على طاولة المفاوضات. ومن الواضح أن إسرائيل تستخدم إدراكها للتهديد النووي الإيراني في صراعها على النفوذ الإقليمي لإقناع الولايات المتحدة بضرورة إبقاء إيران تحت ضغط دائم.
وإذا سعى ترامب إلى إرضاء إسرائيل، فسيجد نفسه مضطرًا إلى مواصلة هذا الضغط على إيران باستمرار. أما إذا كان يبحث عن اتفاق دائم يضمن الاستقرار باسم الولايات المتحدة، فعليه أن يقرّر بدقة ما الذي يريده من إيران.
