– كريستينا الشماس

لم تكن الفجوة بين جيل الآباء والأبناء يومًا بهذا الاتساع كما اليوم، أهالٍ تشكلت تجاربهم الحياتية في تسعينيات القرن الماضي، ضمن إيقاع اجتماعي أبطأ، وعلاقات مباشرة، ومساحات واضحة بين الحياة الخاصة والعامة، ليجدوا أنفسهم اليوم أمام واقع مختلف كليًا في تربية أبنائهم.

جيل جديد نشأ في بيئة رقمية مفتوحة، لا تعترف بالحدود الجغرافية أو الزمنية، وتفرض أنماطًا جديدة من التفكير والتواصل والتفاعل مع العالم، فلم تعد الخلافات في بيوت كثيرة محصورة في السلوك أو الدراسة أو الخيارات اليومية، بل امتدت إلى اختلافات أعمق تتعلق بطريقة فهم الحياة نفسها.

هذا التحول لم يغير فقط أسلوب حياة الأبناء، بل أعاد تشكيل العلاقة داخل الأسرة، فالأدوات التربوية التي اعتمد عليها الأهالي سابقًا لم تعد قادرة على ضبط إيقاع جيل يعيش جزءًا كبيرًا من حياته خارج الإطار التقليدي للبيت والمدرسة.

وفي المقابل، يواجه الأبناء صعوبة في تفسير مخاوف أهاليهم، أو تفهم مرجعياتهم، في ظل عالم رقمي يمنحهم مصادر بديلة للمعرفة والتأثير والتوجيه.

تحاول في هذا التقرير، الكشف عن ملامح الفجوة بين الأهالي وأبنائهم من “الجيل Z”، وتسليط الضوء على التحديات التي يعيشها كل من الآباء والأبناء، من خلال مقاربة اجتماعية وإنسانية تستند إلى شهادات وتجارب واقعية، وتفكيك التحولات التي أعادت تشكيل العلاقة داخل الأسرة.

 ما “الجيل Z”

تشير هيئة الإحصاء الكندية (Statistics Canada) إلى أن “الجيل Z” يبدأ من مواليد عام 1993، إلا أن من المعروف على نطاق واسع أن أبناء “الجيل Z” ولدوا عمومًا بين منتصف التسعينيات من القرن الماضي ومنتصف العقد الأول من الألفية الثالثة.

وفي هذا الإطار، وصف تقرير نشره مركز “بيو للأبحاث” (Pew Research Center) هذا الجيل بالذات بأنه “ما بعد جيل الألفية”، وذكر أن أولئك الذين يندرجون في هذه الفئة ولدوا في العام 1996 وما بعده.

يُعتبر “الجيل Z” الذي نما خلال فترة نمو رقمي سريع، بمثابة جيل “بارع جدًا” في أمور التكنولوجيا والرقميات، إضافة إلى أن أولاد هذا الجيل لاقوا اهتمامًا كبيرًا على وسائل الإعلام مؤخرًا، بسبب آرائهم القوية فيما يتعلق بالسياسة والأحداث الجارية، وخاصة في الولايات المتحدة.

ومن الشائع عن هذا الجيل، أن أفراده يسلكون مسارًا تعليميًا مختلفًا، ما يؤهله ليتفوق على سابقيه من الناحية التعليمية والثقافية، إذ إن أفراده أقل عرضة للتسرب من المدرسة، وأكثر عرضة للالتحاق بالجامعات، بحسب “Pew Research Center”.

وأضاف مركز الأبحاث أن من بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و21 عامًا، الذين تسربوا من المدرسة الثانوية في عام 2018، التحق 57% منهم في كلية مدتها سنتان أو أربع سنوات.

هذا بالمقارنة مع 52% بين “جيل الألفية” في عام 2003، و43% بين أعضاء “الجيل العاشر” في عام 1987.

جيل رقمي “بالفطرة”

تصف دراسات هذا الجيل بأنه رقمي بالفطرة، سريع التكيف مع التكنولوجيا، لكنه في الوقت ذاته أكثر عرضة للتشتت، والقلق، والضغط النفسي، نتيجة الانفتاح غير المشروط على العالم الافتراضي، وما يحمله من مقارنات دائمة، ومعايير مثالية مفروضة، وتدفق لا يتوقف للمعلومات، بعكس جيل التسعينيات، الذي تشكلت هويته في بيئة اجتماعية أكثر تماسكا، يعيش “الجيل Z” حالة ازدواجية بين العالمين الواقعي والافتراضي، ما ينعكس على علاقاته الأسرية، ونظرته إلى السلطة الأبوية، وطريقته في التعبير عن ذاته.

“أبرز ما كان يميزنا كجيل التسعينيات أننا كنا ننتظر، ننتظر الرسالة، ننتظر اللقاء، ننتظر الفرصة، اليوم ابني يريد كل شيء فورًا، وإذا لم يتحقق، يغضب وينغلق على نفسه”، بهذه العبارات بدأ سامر شعبان (45 عامًا)، أب لطفل مراهق، حديثه ل.

وصف سامر يومياته مع ابنه بأنها سلسلة من سوء الفهم، فبينما يرى الأب أن الصمت انعزال، يراه الابن مساحة شخصية، وبينما يعتبر الأب الهاتف مضيعة للوقت، يراه الابن وسيلته الأساسية للتواصل وبناء علاقاته.

هذا التباين يعكس ما تشير إليه الدراسات حول اختلاف أنماط التنشئة بين الجيلين، إذ نشأ أهالي التسعينيات في بيئة تعتمد على الضبط الاجتماعي المباشر، في حين يتعرض “الجيل Z” لتأثيرات رقمية غير مرئية لكنها عميقة.

عزلة غير مرئية

قالت ليان سعدا (38 عامًا)، وهي أم لطفلتين، “ابنتاي محاطتان بالناس على الإنترنت، لكني لا أراهن على أنهما تملكان صداقات حقيقية كما كنا نملكها”.

عبّرت ليان عن قلقها من عزلة غير مرئية، حيث تقضي ابنتاها ساعات طويلة على الهاتف، وتفتقدان التفاعل الوجداني الحقيقي.

هذا القلق يتقاطع مع ما توضحه الدراسات حول الانعزال الاجتماعي لدى “الجيل Z”، رغم كثافة حضورهم الرقمي، وهو ما يؤدي إلى هشاشة عاطفية وصعوبة في بناء علاقات مستقرة.
تحاول ليان اعتماد أسلوب الحوار بدل المنع، لكنها تعترف بأن الأدوات التي تملكها محدودة، في ظل عالم يتغير أسرع مما تستطيع مواكبته.

ويرى توفيق بدر (50 عامًا)، أن الخلاف الأكبر مع ابنه لا يتعلق بالسلوك، بل بالقيم، “أنا أراه ذكيًا، لكنه لا يريد ما أردته له، لا يهتم بالوظيفة التقليدية، ولا يرى الاستقرار كما أراه”، قال توفيق.

اعتبر توفيق أن “الجيل Z” يرفض القوالب الجاهزة للنجاح، ويميل إلى البحث عن معنى شخصي للحياة والعمل، متأثرًا بنماذج رقمية ومؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي.

وقال إن هذه المقارنات المستمرة مع صور مثالية على المنصات الرقمية تسهم في خلق شعور دائم بعدم الرضا، وتوتر في العلاقة مع الجيل السابق.

تحديات نفسية واجتماعية معقدة

تواجه شريحة واسعة من أبناء “الجيل Z” مجموعة متداخلة من التحديات النفسية والاجتماعية، لم تكن حاضرة بهذا الشكل لدى الأجيال السابقة، أو لم تكن مرئية بالدرجة ذاتها.

أشارت دراسة بعنوان “خصائص الجيل Z وأهم مشكلاته النفسية والاجتماعية”، إلى أن هذه التحديات نتاج مباشر للتحولات الرقمية والثقافية المتسارعة، ولانفتاح هذا الجيل على عالم افتراضي غير مضبوط بالقيم أو الضوابط الاجتماعية التقليدية، ومن أبرز هذه التحديات:

  • القلق والتفكير المفرط بالمستقبل: توضح الدراسة أن القلق يعد من أكثر الاضطرابات انتشارًا بين أبناء “الجيل Z”، إذ يعيش كثير منهم حالة تفكير دائم بالمستقبل، والخوف من الفشل، وعدم القدرة على تحقيق الذات في عالم شديد التنافس.

هذا القلق لا يرتبط فقط بالتحصيل الدراسي أو فرص العمل، بل يمتد إلى القلق الوجودي حول المعنى، والهوية، والمكانة الاجتماعية، في ظل تغير سريع للمعايير والقيم.

  • الاكتئاب والهشاشة العاطفية: أشارت الدراسة إلى ارتفاع مؤشرات الاكتئاب بين أفراد هذا الجيل، نتيجة غياب العلاقات الواقعية العميقة، مقابل الاعتماد المتزايد على علاقات افتراضية سطحية.

وتؤكد أن كثافة التفاعل الرقمي لا تعني بالضرورة دعمًا نفسيًا حقيقيًا، بل قد تزيد من الشعور بالوحدة والفراغ العاطفي، خاصة عند المقارنة المستمرة مع صور مثالية لحياة الآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي.

  • العزلة الاجتماعية المقنّعة: رغم انخراط “الجيل Z” في الفضاء الرقمي، فإن الدراسة تبين وجود ما تصفه بـ“العزلة الاجتماعية غير المرئية”، حيث ينسحب الفرد تدريجيًا من المشاركة المجتمعية الفعلية، ويفضل التفاعل عبر الشاشات.

هذا النمط يضعف مهارات التواصل المباشر، ويؤثر على القدرة على بناء علاقات مستقرة داخل الأسرة والمجتمع.

  • تشوش الهوية والصراع القيمي: تلفت الدراسة إلى أن أبناء “الجيل Z” يعيشون حالة ازدواجية قيمية، بين ما يتلقونه داخل الأسرة والمجتمع المحلي، وما يفرضه العالم الرقمي من أنماط حياة وقيم جديدة.

هذا التناقض يؤدي إلى ارتباك في تشكيل الهوية، وانعكاس ذلك في سلوكيات متقلبة، وصعوبة في اتخاذ قرارات طويلة الأمد تتعلق بالدراسة أو العمل أو العلاقات.

  • الضغط الناتج عن المقارنات الرقمية: تؤكد الدراسة أن المقارنات المستمرة مع المؤثرين والمشاهير على المنصات الرقمية تخلق شعورًا دائمًا بعدم الكفاية، وتغذي الإحباط والضغط النفسي.

وينظر إلى هذا العامل بوصفه أحد أبرز مسببات تراجع الرضا عن الذات لدى هذا الجيل، خاصة في المراحل العمرية المبكرة.

  • صراع الأجيال داخل الأسرة: ترى الدراسة أن هذه التحديات النفسية تتفاقم في ظل ضعف التواصل بين جيل الآباء وجيل الأبناء، فيؤدي اختلاف المرجعيات والقيم إلى سوء فهم متبادل، قد يدفع الأبناء إلى الانسحاب أو الصدام، ويدفع الأهالي إلى مزيد من القلق والتشدد، ما يوسع الفجوة داخل الأسرة بدل ردمها.

وتخلص الدراسة إلى أن التعامل مع هذه التحديات لا يمكن أن يتم من خلال أدوات تربوية تقليدية، بل يتطلب فهمًا أعمق لطبيعة التحولات التي يعيشها “الجيل Z”، ودورًا أكثر مرونة للأسرة والمؤسسات الاجتماعية، يقوم على الاحتواء والحوار، لا على الضبط والسيطرة.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.