توصلت دراسة حديثة إلى آليات دقيقة يعمل بها الجسم للدفاع عن نفسه ضد فيروس الأنف الذي يسبب نزلات البرد.

وأفادت الدراسة التي نشرتها دورية Cell Press Blue بأن شدة الإصابة أو حتى حدوثها من الأساس لا تعتمد بالضرورة على قوة الفيروس، بل على سرعة وكفاءة استجابة الخلايا في بطانة الأنف.

وتفتح الدراسة نافذة على ما يحدث داخل الممرات الأنفية على المستويين الخلوي والجزيئي عند التعرض للفيروس، وتعيد صياغة الفهم التقليدي لأسباب الإصابة بنزلات البرد.

ويعد فيروس الأنف المسؤول الأول عن نزلات البرد حول العالم، كما يمثل عاملاً رئيسياً في تفاقم مشكلات التنفس لدى المصابين بالربو وأمراض الرئة المزمنة. 

وعلى الرغم من بساطة أعراضه في كثير من الأحيان، إلا أن تأثيره الصحي والاقتصادي واسع، نظراً لعدد الإصابات الهائل سنوياً، ورغم هذا الانتشار، ظل السؤال مطروحاً، فلماذا يصاب بعض الأشخاص بنزلة برد حادة، بينما يتعرض آخرون للفيروس نفسه دون أعراض تذكر؟

بطانة الأنف

قدمت الدراسة التي قادتها الباحثة إيلين فوكسمن، الأستاذ المشارك في الطب المخبري وعلم الأحياء المناعي بكلية الطب في جامعة ييل الأميركية، إجابة محتملة على هذا السؤال، إذ أظهرت الدراسة أن العامل الحاسم هو استجابة الخلايا المبطنة للأنف، وليس خصائص الفيروس وحدها.

وأوضحت فوكسمن أن الدراسة سمحت للباحثين بمراقبة ما يجري داخل بطانة الأنف البشرية أثناء العدوى بفيروس الأنف بدقة غير مسبوقة، ما أتاح فهماً أعمق لكيفية تنسيق الخلايا لدفاعها الجماعي ضد الفيروس.

وللوصول إلى هذه النتائج، لجأ الباحثون إلى تطوير نموذج معملي متقدم يعتمد على أنسجة أنفية بشرية جرى إنماؤها في المختبر؛ وبدأ الباحثون زراعة خلايا جذعية مأخوذة من الأنف البشري، ثم تركوها تنمو لمدة 4 أسابيع في ظروف تحاكي البيئة الطبيعية للممرات الأنفية، حيث تعرض السطح العلوي للهواء. 

ما هو فيروس الأنف؟

  •  أكثر الفيروسات شيوعاً في التسبب بنزلات البرد لدى البشر.
  • ينتمي إلى عائلة الفيروسات المعوية، ويصيب بشكل أساسي الممرات الأنفية والجهاز التنفسي العلوي.
  • يوجد منه أكثر من 160 نوعًا مختلفاً، ما يجعل تكوين مناعة دائمة ضده أمراً صعباً.
  • ينتقل بسهولة عبر الرذاذ المتطاير عند السعال أو العطس، أو عبر لمس الأسطح الملوثة ثم لمس الأنف أو الفم أو العينين.
  • يفضّل التكاثر في درجات حرارة أقل من حرارة الجسم، وهو ما يفسر نشاطه في الأنف أكثر من الرئتين.
  • يسبب أعراضاً مثل سيلان الأنف، واحتقان الأنف، والعطس، والتهاب الحلق، والصداع الخفيف.
  • غالبًا ما تكون العدوى به بسيطة ومحدودة، لكنها قد تؤدي إلى مضاعفات لدى الأطفال، وكبار السن، والمصابين بالربو أو أمراض رئوية مزمنة.
  • لا توجد لقاحات فعالة له حتى الآن بسبب تعدد أنواعه وسرعة تحوره.

مع مرور الوقت، تمايزت هذه الخلايا إلى نسيج يحتوي على أنواع متعددة من الخلايا الموجودة فعلياً في الأنف والمجاري الهوائية، بما في ذلك الخلايا المنتجة للمخاط والخلايا المزودة بأهداب دقيقة تشبه الشعيرات، تعمل على تحريك المخاط وطرد الجسيمات الضارة.

وقال الباحثون إن هذا النموذج المعملي أكثر دقة في تمثيل الاستجابة البشرية الحقيقية مقارنة بخطوط الخلايا التقليدية المستخدمة في أبحاث الفيروسات وتكمن أهميته في أن فيروس الأنف يصيب البشر تحديداً ولا يحدث المرض نفسه في الحيوانات، ما يجعل النماذج الحيوانية أقل فائدة في دراسة هذا النوع من العدوى؛ ومن خلال هذا النموذج، تمكن الفريق من دراسة الاستجابة المتزامنة لآلاف الخلايا في وقت واحد، ومراقبة كيفية تفاعلها عند دخول الفيروس.

نظام إنذار

أظهرت التجارب أن الخلايا المبطنة للأنف تمتلك نظام إنذار مبكر عالي الحساسية، يعتمد على بروتينات تعرف باسم الإنترفيرونات؛ وعند اكتشاف وجود فيروس الأنف، تبدأ هذه الخلايا في إفراز الإنترفيرونات التي تعمل بدورها على إطلاق استجابة مضادة للفيروسات داخل الخلايا المصابة والخلايا المجاورة لها وتحول هذه الاستجابة البيئة المحيطة إلى بيئة غير ملائمة لتكاثر الفيروس وانتشاره، ما يحد من العدوى في مراحلها المبكرة.

وأوضحت الدراسة أن سرعة هذه الاستجابة تلعب دوراً حاسماً، فإذا تحركت الإنترفيرونات بسرعة كافية، فإن الفيروس يفشل في الانتشار على نطاق واسع، وقد لا تظهر أعراض تذكر على الشخص المصاب. أما إذا تأخرت هذه الاستجابة أو كانت ضعيفة، فإن الفيروس يتمكن من إصابة عدد أكبر من الخلايا، ما يؤدي إلى تلف الأنسجة وظهور أعراض نزلة البرد بشكل أوضح.

ولاختبار أهمية هذا الدفاع الخلوي، عطل الباحثون مستقبلات الاستشعار التي تعتمد عليها الخلايا لاكتشاف فيروس الأنف. ولاحظوا أن الفيروس انتشر بسرعة داخل النسيج المزروع، وأصاب عدداً أكبر بكثير من الخلايا، ما أدى في بعض الحالات إلى تلف النسيج أو موت الخلايا المصابة. 

وقال المؤلف المشارك في الدراسة باو وانج، الباحث في كلية الطب بجامعة ييل الأميركية، إن هذه النتائج تبرز الدور المحوري لاستجابة الإنترفيرون السريعة في السيطرة على العدوى، حتى في غياب خلايا الجهاز المناعي الأخرى.

إلى جانب هذا المسار الدفاعي، كشفت الدراسة عن استجابات أخرى تنشط عندما يزداد تكاثر الفيروس؛ ففي هذه الحالات، يمكن لفيروس الأنف أن يفعل نظام استشعار مختلفاً يؤدي إلى إنتاج كميات كبيرة من المخاط، وزيادة الالتهاب في الأنسجة، وهي عوامل قد تساهم في انسداد المجاري الهوائية وصعوبات التنفس، خصوصاً لدى المصابين بأمراض تنفسية مزمنة.

وأوضح الباحثون أن هذه الاستجابات، رغم أنها قد تكون جزءاً من آلية الدفاع، يمكن أن تصبح ضارة إذا خرجت عن السيطرة.

استجابة الجسم

ويرى الباحثون أن فهم هذه المسارات المختلفة قد يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة، لا تركز فقط على مهاجمة الفيروس، بل على توجيه استجابة الجسم نفسها نحو مسار أكثر توازناً؛ فتعزيز الاستجابة المبكرة للإنترفيرونات، أو الحد من الاستجابات الالتهابية المفرطة، قد يساعد في تقليل شدة الأعراض أو منع تطورها من الأساس.

ولفت الباحثون إلى أن النموذج المعملي المستخدم، رغم تقدمه، لا يعكس كل التعقيد الموجود داخل جسم الإنسان؛ ففي الواقع، تستدعي العدوى الفيروسية مشاركة أنواع عديدة من الخلايا المناعية التي تنتقل إلى موقع الإصابة، إضافة إلى تأثيرات عوامل بيئية مثل التلوث ودرجة الرطوبة والميكروبات الأخرى الموجودة في الأنف؛ مؤكدين أن الخطوة التالية في هذا المسار البحثي تتمثل في دراسة كيفية تفاعل هذه العوامل المختلفة معاً لتشكيل الاستجابة النهائية للعدوى.

شاركها.