في مرسمه الإسباني في شارع “Ronda de Atocha” وسط مدريد، وهو الشارع نفسه حيث متحف الملكة صوفيا الشهير، وفيه لوحة “جرنيكا” لبيكاسو، ترى العراق وحروبه ونسائه وزلازله في كل زاوية. كذلك بابل بألوان البنفسج والأحمر، وشهرزاد بوجوه مئة امرأة، وعواصف وحروب لا منتصر فيها إلا الشكل واللون.  

أبو زيدون حنوش، فنان تشكيلي إسباني من أصل عراقي، غادر العراق منذ 45 عاماً ولم يعد إليه مرّة ثانية. أصبح الفن بالنسبة إليه وطناً، والمسافة بينه وبين الكوفة طيف هارب من الزمن والأعمار.

ترك العراق للدراسة واستقرّ في العاصمة الإسبانية مدريد، لكنه من زاوية المشهد بقي في المكان الأوّل. طفل من الكوفة يعيش بين أمّ وعمّة، بين حرب واحدة وحروب عدّة. تعيس المنشأ، يتلمّس طريقه نحو الحلم الثالث، باحثاً عن حقيقته في مكان آخر، في وطن لا يغلي كالجمر بوقود أبنائه.

 يربط الفنان كل ما يرسمه بذاكرته العراقية، لكن حضور الخط في أعماله واللون أيضاً هو أكثر ما يدل على منشأه الفني، “هذا ما تعلّمته من كل أساتذتي الكبار في العراق قبل أن أغادر البلاد”.

من قلب الكوفة إلى وسط مدريد، صنع حنوش معنى ونجاحاً وسلطة من الفن والجمال. أنتج 4 آلاف لوحة باعها كلها. كما تزيّن لوحاته أبرز متاحف مدريد وبيلباو. لكن أي لوحة هي الأقرب إلى ماضيه البعيد؟ يقول حنوش، “إنها لوحة بابل في متحف بيلباو، وهي اللوحة الوحيدة التي رسمتُ فيها أمي لمرة واحدة”.

لكن هناك نساء لا تحصى في لوحاتك فمن هنّ تحديداً؟ يجيب حنوش: “هنّ كل النساء اللواتي عرفتهن. هنّ نساء ألف ليلة ونساء العراق ونساء إسبانيا. وكل من رسمتهنّ في لوحاتي لديّ علاقة شخصية معهنّ، أعرفهنّ جميعاً. حضور المرأة في لوحاتي مهم جداً”.

حنوش فنان عربي وموضوعاته عربية فكيف يتلقى الجمهور الإسباني أعماله؟ يؤمن بأن العمل الفني هو عالمي، “أنا أؤمن بالعالمية، ولا توجد في قاموسي مكان للمحلية أبداً. كما أن أحد أسباب نجاحي أنني حاولت في إنتاجي أن أوازي أعمالي مع الشكل الأوروبي أيضاً، لكن على الطريقة العربية. ولنأخذ مثالاً الروائي المصري نجيب محفوظ، أسلوبه مشدود نحو العالمية وموضوعاته محلية، كذلك  كل الفلاسفة أخذوا عن بعضهم البعض، وما من ثقافة إلا وتأثّرت بغيرها”.

وعن الحظ الذي يبحث عنه كل منا، هنا والآن، وفي كل مكان نلجأ إليه عبر البحار والحدود والبلدان، لا يعوّل عليه الفنان البتة، مستشهداً بقول شهير للفنان بيكاسو “الحظ يأتيك وأنت تعمل”.

الشكل بالنسبة لأبو زيدون حنوش هو الأساس، والصورة الأولى هي الأكثر تأثيراً”. لكنه لا يبدو متأثراً بالتجارب الفنية العربية، بل يمارس الدبلوماسية في إجابته عن هذا الموضوع، معتبراً أن “التجارب العربية ضعيفة”، ويبرر ذلك قائلاً: “لست مطلعاً عليها كثيراً، ديني ومذهبي إسبانيا”.

ربطت حنوش علاقة صداقة متينة بالمهندسة العراقية الراحلة زها حديد، “كانت صادقة ومبدعة وأنثويتها طاغية، وهذا ما حاولت أن أعلمه لطالباتي، بأن يكون فنهنّ أنثوياً، والفن الأنثوي أكثر حساسية  وشفافية”.

ماذا عن أعمالك في العام الجديد؟ يحمل حنوش مشروعين، الأول يتعلق بالعراق وينتظر رداً عليه من الحكومة العراقية. أما الثاني فيرتبط بفكرة ألف ليلة وليلة بتوليفة حكائية مع دون كيشوت.

لكن هذا المشروع الأخير ليس الأول عن ألف ليلة وليلة، فلماذا هذا الاشتغال المتكرر على الفكرة؟ يردّ ذلك إلى انبهاره بشهرزاد، تلك السيدة التي نجحت من خلال الكتب أن تنجو، ومعلوم أنها كانت تملك مكتبة كبيرة، وهي لم تنج لوحدها بل أنقذت كل نساء مدينتها، فالملك كان يتزوج يومياً امرأة جديدة ويقتلها”.

تعمّق حنوش بسيرة شهرزاد، بصورتها المتخيّلة، وذكائها الحاد. جمع 700 صورة عن ألف ليلة وليلة، وقرأ الكثير عنها، كما شاهد أفلاماً عالمية تناولت قصتها، وما يزال يحفر في ماضيها ليمزج تلك الملحمة بواقعنا.

شاركها.