قالت دراسة علمية نشرت في كتاب بعنوان “استعادة الروابط” إن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا، إلى جانب العزلة التي فرضتها جائحة كورونا، أعادا تشكيل مسار نمو المراهقين بصورة عميقة، وأسهما في بروز ما يمكن وصفه بـ”جيل قلق” يعيش في واقع يتسم بالخوف وعدم اليقين.
وحذرت الباحثة والكاتبة الأميركية آمبر تشاندلر، مؤلفة الكتاب، من أن هذا التحول لم يكن عابراً، بل ترك آثاراً نفسية واجتماعية واضحة على الشباب، داعية إلى تدخل عاجل من جانب الأسر والمدارس لمواجهة ما تعتبره أزمة متفاقمة في الصحة النفسية والاجتماعية لدى المراهقين.
وفي الوقت ذاته أكدت أن الفرصة ما تزال متاحة لتصحيح المسار، إذا ما تكاتفت الجهود لإعادة بناء الروابط الإنسانية وتعزيز الشعور بالانتماء والدعم في البيئات التعليمية والأسرية.
وتشير “تشاندلر” إلى أن المراهقين اليوم يواجهون مستويات غير مسبوقة من القلق، نتيجة تفاعل عاملين رئيسيين هما العزلة الاجتماعية التي فرضها الإغلاق خلال الجائحة، والطبيعة الإدمانية للتجارب الرقمية التي ترسخت خلال تلك الفترة واستمرت بعدها.
التفاعل مع الأبناء
وتقول إن التجارب الإلكترونية، التي أصبحت ملاذاً وحيدا للتواصل أثناء الإغلاق، تطورت إلى اعتماد مفرط على الشاشات، ما أدى إلى تغييرات عصبية وسلوكية لدى الشباب.
وتصف الوضع بأنه “كيمياء متهورة” نتجت عن مزج العزلة بالجاذبية القوية للتقنيات الرقمية التي فاقت التوقعات في قدرتها على جذب الانتباه والسيطرة عليه.
وتؤكد الباحثة أن الحلول لا تتطلب إجراءات معقدة بقدر ما تحتاج إلى قرارات “شجاعة” من “البالغين في البيت” على حد تعبيرها.
من بين التوصيات التي تطرحها الباحثة منع استخدام الهواتف وقت النوم، وإنشاء مساحات عامة خالية من التكنولوجيا، وتأجيل إدخال الهواتف الذكية للأطفال لأطول فترة ممكنة، وتشجيعهم على حل مشكلاتهم بأنفسهم بدل تدخل الأهل الدائم.
كما تحث الآباء على أن يكونوا أكثر حضوراً في اللحظة الراهنة، وألا ينشغلوا بهواتفهم أثناء التفاعل مع أبنائهم، معتبرة أن القدوة تبدأ من السلوك اليومي للوالدين.
وتلفت “تشاندلر” إلى أن القلق المتزايد بين المراهقين لا يمكن فصله عن الآثار النفسية المستمرة للجائحة، مشيرة إلى ما تسميه “إرهاق الجائحة” حيث بات كثير من البالغين متعبين من الحديث عن تداعياتها، ما يصعب الاعتراف بعمق تأثيرها. لكنها ترى أن الصدمة تركت “أثراً جسدياً ونفسياً لا يمكن تجاهله”، ويتجلى اليوم في الفصول الدراسية وسلوكيات الشباب.
حظر وسائل التواصل الاجتماعي
ولا تقتصر المسؤولية، بحسب تشاندلر، على الأسر وحدها، بل تمتد إلى المدارس التي زاد اعتمادها على الشاشات في التعليم والتقييم.
ورغم تأكيدها أنها ليست معادية للتكنولوجيا، تعبر عن قلقها من “هوس جمع البيانات” الذي يؤدي، بحسب رأيها، إلى التركيز على التصحيح المستمر بدل تعزيز الاكتشاف والإبداع والتعاون، خاصة في المراحل العمرية المبكرة.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتزايد فيه المخاوف عالمياً بشأن تأثير الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي على الشباب، حيث أقدمت أستراليا مؤخراً على حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاماً، فيما تدرس دول أخرى سياسات مماثلة.
وتدعو تشاندلر في ختام طرحها إلى الجمع بين التعاطف والمساءلة، مؤكدة أن كثيراً من الآباء لم يكونوا يدركون الطبيعة الإدمانية للتقنيات الحديثة، لكنها تشدد على ضرورة تحمل العائلات مسؤوليتها، قائلة إن الأطفال لم يشتروا هذه الأجهزة بأنفسهم، بل قدمت لهم من الكبار.
وبرأيها، فإن إعادة بناء الروابط الإنسانية، وتعزيز الأنشطة الوجاهية، وتعليم الشباب كيفية التعامل الواعي مع التكنولوجيا، تمثل خطوات أساسية نحو استعادة التوازن في عالم باتت فيه الشاشات جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية.
