جاء اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي بعد تصاعد الحملات العسكرية الأميركية ضد الجماعات المسلحة في الصومال، لتثار التساؤلات عما يحدث في منطقة القرن الإفريقي وما تفعله إسرائيل هناك وسط تنافسات جيوسياسية عالمية، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” .
وأوضحت الصحيفة أنه عندما صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في ديسمبر، بأن الصومال “ليست حتى دولة”، كانت القوات الأميركية تُشن إحدى أكثر حملات القصف ضراوةً التي شهدتها الدولة الواقعة في شرق إفريقيا.
ومنذ تولي ترمب السلطة العام الماضي، نفذت القيادة الأميركية في إفريقيا التابعة لوزارة الحرب (البنتاجون) نحو 150 غارة جوية على أهداف تابعة للمسلحين في الصومال، وهو رقم يفوق بكثير ما نفذته أي دولة أخرى.
وأضاف التقرير أنه بعد أسابيع قليلة من تصريح ترمب “المسيء”، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسمياً بإقليم أرض الصومال، وهي منطقة انفصالية تسعى للانفصال عن الصومال منذ عقود.
واعتبرت الصحيفة أن قرار إسرائيل، الذي لاقى انتقادات سريعة من الصين وفرنسا وبريطانيا والدنمارك وروسيا، فضلاً عن الاتحاد الإفريقي، إلى جانب الحملة العسكرية المكثفة التي تقودها واشنطن في الصومال، يعد مؤشراً على أن القرن الإفريقي أصبح “مسرحاً حاسماً” للتنافسات العالمية.
وبحسب الصحيفة، فإن الوصول إلى البحر الأحمر وخليج عدن، وهما من أهم الممرات المائية في العالم، يشكّل مصدر قلق بالغ للدول المعنية في المنطقة، لا سيما بالنسبة للمتمردين الحوثيين في اليمن.
ويرى محللون أن الدافع الرئيسي وراء اعتراف إسرائيل بأرض الصومال هو صراعها مع الحوثيين، الذين تربطهم علاقات بإيران.
ونقلت الصحيفة عن آشر لوبوتسكي، خبير السياسة الخارجية الإسرائيلية في جامعة هيوستن، زعمه أن زيادة التواجد الإسرائيلي في أرض الصومال قد يساعد في “ردع تهريب الأسلحة من الحوثيين إلى اليمن”.
وأضاف: “ما قامت به إسرائيل لا يرتبط بأي تحالفات إقليمية أو منطق سياسي إقليمي، بل يخدم مصلحة محددة للغاية تتعلق بمواجهة إيران والحوثيين”.
مسار واشنطن في أرض الصومال
وزعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الاتفاق مع أرض الصومال يأتي في إطار “اتفاقيات أبراهام”. وفي الوقت نفسه، دافعت الولايات المتحدة عن حق تل أبيب في ممارسة أعمالها الدبلوماسية بصفتها “دولة ذات سيادة”، مشيرة إلى أن موقفها بشأن الاعتراف بأرض الصومال لم يتغير، رغم وعد ترمب بـ”دراسة” الموضوع.
ويرى العديد من المحللين أنه لا يبدو أن هناك مساراً مباشراً لاعتراف الولايات المتحدة بإقليم أرض الصومال، ويعود ذلك جزئياً إلى أن أولوية واشنطن القصوى في الصومال تتركز على حملتها الجوية ضد جماعات مثل حركة “الشباب” وتنظيم “داعش”.
وفي يناير، شنّت القيادة الأميركية في إفريقيا ضربات شبه يومية على مواقع قالت إنها تابعة لتنظيمي “داعش” و”القاعدة” في الصومال، مؤكدة أن كل غارة تمت بالتنسيق مع الحكومة الصومالية.
وذكر كاميرون هدسون، الخبير في الشؤون الإفريقية بـ”مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” في واشنطن، أن أي اعتراف أميركي بأرض الصومال قد يضعف قدرة واشنطن على تنفيذ هذه الضربات، مضيفاً: “لا نريد أن نعرض قدرتنا على تنفيذ هذه الضربات ضد الإرهاب في الصومال للخطر”.
وتابعت الصحيفة أن مدى قدرة الولايات المتحدة على السير على هذا الحبل الرفيع ما زال غير واضح، فيما تتصاعد حدة التنافسات والطموحات العالمية في المنطقة.
ولفت التقرير إلى أنه لعقود طويلة لم يكن القرن الإفريقي يحظى باهتمام كبير من الدول خارج المنطقة، فقد سقط الرئيس الصومالي السابق سياد بري في 1991، ما أدى إلى حرب أهلية، وظل الصومال بلا حكومة مركزية عاملة حتى 2012. ومنذ ذلك الحين، كافحت الحكومات الصومالية لفرض سيطرتها، مدعومة بقوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة.
واليوم، يُعد الصومال جمهورية اتحادية تضم عدة مناطق شبه مستقلة، بينما ابتعدت أرض الصومال عن مقديشو في 1991 بعد حرب، تعرضت خلالها هرجيسا، عاصمة الإقليم، ومدن أخرى للقصف من قبل نظام بري. ومنذ ذلك الحين، رسّخ الإقليم نفسه رغم عدم اعتراف المجتمع الدولي به كدولة مستقلة.
القرن الإفريقي وأزمات الشرق الأوسط
وأكد التقرير أن دول الخليج بدأت تلعب دوراً مهماً في القرن الإفريقي، مع العديد من الدول الأخرى، التي لديها مصالح متنافسة في المنطقة، إذ انتقدت الصين قرار هرجيسا بالحفاظ على علاقات مع تايوان، فيما وقّعت إثيوبيا اتفاقاً عام 2024 لبناء منشأة بحرية على الساحل الصومالي في أرض الصومال مقابل الاعتراف بها، ما أدى إلى أزمة دبلوماسية تم احتواؤها بعد وساطة تركيا.
وأكدت الصحيفة أن إسرائيل وأرض الصومال تحركتا بسرعة لترسيخ علاقتهما، حيث زار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر هرجيسا في يناير، ووصف وزير الدولة للشؤون الخارجية فيما يسمى بـ”أرض الصومال” محمد حاجي الاعتراف الإسرائيلي بأنه “اختراق”، وقال إن الإقليم سينضم قريباً إلى اتفاقيات أبراهام.
وأضاف حاجي أن من المقرر افتتاح سفارات متبادلة قريباً، وأن رجال أعمال إسرائيليين يدرسون فرص الاستثمار في أرض الصومال، لكنه استبعد احتمالية إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية بالقرب من بربرة.
وفي الوقت نفسه، تظل الحكومة في مقديشو منشغلة بإدارة علاقاتها مع جيرانها، خصوصاً بجهود احتواء المتمردين العنيفين، فيما تستعد البلاد لإجراء الانتخابات هذا العام، وأكد الرئيس حسن شيخ محمود أنه سيترشح لولاية ثالثة.
وبحسب “نيويورك تايمز”، اتبعت الصومال حتى الآن نهجاً متوازناً تجاه الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، مشددة على أهمية تحالفاتها الدولية وما تعتبره تهديدات لسيادتها.
ونقلت الصحيفة عن وزير الدولة الصومالي للشؤون الخارجية علي عمر قوله إن الاعتراف بأرض الصومال يشكّل سابقة خطيرة في قارة تخشى فيها العديد من الحكومات الحركات الانفصالية.
وأضاف في مقابلة: “في وقت تواجه فيه الصومال بعض أخطر الشبكات الإرهابية في العالم، فإن تقويض وحدة البلاد ستكون له نتائج عكسية.. فلا يزال تركيزنا منصباً على تعزيز الفهم الدولي بأن وحدة الصومال ضرورية للأمن الإقليمي والعالمي”.
