حمص – محمد كاخي

تواجه مهنة تربية الأغنام في ريف حمص واحدًا من أصعب مواسمها خلال السنوات الأخيرة، وسط ارتفاع غير مسبوق في أسعار الأعلاف وتراجع المراعي بفعل الجفاف، ما وضع المربين أمام أعباء لا قدرة لهم على تحملها.

ومع غياب التوزيع المدعوم واحتكار التجار للمادة عبر مزادات “محررة الأسعار”، يعتمد المربون اليوم بشكل كامل على السوق الحر، بينما تتراجع قيمة بيع الأغنام إلى حدود لا تغطي تكاليف تغذيتها.

التقت بمربي أغنام ومسؤولي اتحادات وجمعيات في ريف حمص، للوقوف على واقع تربية الأغنام في المنطقة، وطالبوا جميعًا بأن تأخذ مؤسسات الدولة دورها في تأمين الأعلاف بسعر مدعوم أو تقديم قروض عينية دون فوائد، والحدّ من تحكم التجار بالأسعار، وإعادة النظر في قطاع الثروة الحيوانية المهدد بالخطر، بحسب قولهم.

غياب “المدعومة” وهيمنة التجار

يشكو مربّو الأغنام في ريف حمص من غياب كامل للأعلاف المدعومة التي كانت تشكّل سابقًا شبكة الأمان الأساسية لهم، إذ لم يحصلوا منذ أشهر على أي مخصصات من المؤسسة العامة للأعلاف، في وقت تتوجه فيه المؤسسات إلى “تحرير الأسعار” وطرح المواد في مزادات علنية يهيمن عليها التجار، وفق ما قاله مربّون ومسؤولون محليون ل.

“أبو شهاب”، أحد المربين في ريف حمص الشرقي ويمتلك الآن نحو 500 رأس من الأغنام، قال ل، إن الأعلاف التي كانت توزَّع للمربين عبر الجمعيات الفلاحية “لم تعد تُرى”، بينما تُباع النخالة، المادة الأكثر طلبًا في الشتاء، للتجار بالدولار وتُطرح في المزادات، ما يجعل المربي “خارج المنافسة تمامًا”، وإن المؤسسة العامة للأعلاف “لم تعطِ المربين شيئًا حتى الآن”، رغم وعود سابقة بتوزيع الأعلاف قبل حلول الشتاء.

محمد العكيدي، يمتلك نحو 500 رأس من الأغنام، قال إن غياب الأعلاف المدعومة دفع المربين للاعتماد الكامل على السوق الحر، إذ ترتفع الأسعار يومًا بعد يوم، وأضاف أن التجار باتوا المتحكمين الوحيدين بالمواد العلفية، بينما يعجز المربي عن مجاراتهم في المزادات أو الشراء بالدولار.

من جهته، قال رئيس رابطة اتحاد الفلاحين في المركز الشرقي، إياد سوعان، ل، إن مؤسسات الحبوب والمطاحن تحوّل الإنتاج إلى التجار بدلًا من الجمعيات التي تضم مئات المربين، رغم أن النخالة هي “ناتج ثانوي عن القمح ويُفترض أن تباع بأسعار مدعومة”، وأوضح أن غياب التوزيع أدى إلى اضطرار بعض المربين لبيع جزء من قطعانهم لتأمين علف لما تبقى منها.

ويخشى مربّو الأغنام الذين قابلتهم أن يؤدي استمرار غياب الأعلاف المدعومة إلى خسارة واسعة للثروة الحيوانية في حمص، خصوصًا مع دخول فصل الشتاء، إذ تعتمد القطعان بشكل كامل على الأعلاف الجاهزة، خصوصًا في ظل موجة الجفاف التي عانت منها سوريا في الموسم الماضي.

مدير فرع المؤسسة السورية للحبوب في حمص، محمد شاكر سنبلي، قال ل، إن الجفاف الذي مرت به سوريا تسبب برفع سعر الأعلاف، وإن المزادات التي تجريها المؤسسة مفتوحة ويمكن لأي شخص يريد الحضور التوجه إليها.

وأوضح سنبلي أنه في الأيام المقبلة قد يكون هناك توجه نحو العودة لبيع العلف المدعوم.

ويحتاج المربون لحلول سريعة وإسعافية لإنقاذ قطعانهم قبل دخول الشتاء، بحسب المربي محمد العكيدي.

المكتب الصحفي في وزارة الزراعة، امتنع عن الإجابة عن سؤال حول آلية العودة لدعم الأعلاف، واكتفى بالقول إنه في الأسبوع المقبل توجد خطة عمل بخصوص الموضوع، دون توضيح تفاصيل هذه الخطة.

الأسعار تتجاوز قدرة المربي

أسعار العلف المرتفعة تمنع مربي الأغنام من تغطية الحد الأدنى من تكاليف التربية، وباتت تكلفة إطعام القطيع تتجاوز قيمة الإنتاج نفسه، بحسب المربين، ما دفع بعضهم لبيع جزء من أغنامهم أو الاعتماد على خلطات بديلة لا تكفي لسد حاجة القطيع.

المربي “أبو شهاب”، اضطر لبيع قسم من قطيعه لشراء العلف، وقال ل، إن الرأس الواحد من الأغنام يحتاج يوميًا إلى ثلاثة كيلوغرامات من العلف الجاهز، إضافة إلى طعام “الفطيمة”، وهو ما يعجز المربّون عن تأمينه مع تجاوز سعر طن النخالة 300 دولار أمريكي، وأضاف أن أسعار النخالة ارتفعت إلى حدّ تجاوز سعر القمح نفسه.

وبحسب المربين، لم تعد القطعان تُباع بأسعار تغطي تكاليف تربيتها، و“النعجة كانت تباع بخمسة ملايين ليرة سورية، واليوم لا نجد من يشتريها بمليون ليرة سورية”، بينما يستمر سعر العلف بالصعود، خصوصًا مع دخول الشتاء واعتماد القطيع على الأعلاف بشكل كامل بعد انحسار المراعي، وفق المربي.

ويضطر “أبو شهاب” اليوم إلى الاعتماد على خلطات من الخضراوات ومزجها مع النخالة، أو شراء مادة “السيلاج” التي تباع بأسعار أرخص من النخالة لإطعام قطيعه.

محمد العكيدي، ذكر أن المربي يعاني “بالخسارة اليومية”، فارتفاع الأسعار تزامن مع موسم جفاف غير مسبوق، ما ضاعف الضغط على المربين الذين أصبحوا يشترون الأعلاف بالدَّين أو عن طريق كفلاء، في حين يرفض التجار البيع إلا بشروط مشددة.

وبحسب رئيس رابطة اتحاد الفلاحين في المركز الشرقي، إياد سوعان، إذا باع المربي خلال فصل الشتاء 50 رأسًا من قطيعه، فإنها لا تكفي لتغطية تكاليف الإطعام خلال هذا الفصل.

 انعدام الثقة بين المربي والتاجر

مع اشتداد أزمة الأعلاف، تراجع التجار عن تزويد مربي الأغنام بالمواد العلفية “على الحساب”، ما أوجد فجوة ثقة بين الطرفين، ودفع المربين إلى البحث عن كفلاء أو ضمانات للحصول على كميات محدودة، وفق ما قاله المربي محمد العكيدي.

وأضاف أن التجار “لم يعودوا يثقون بنا” بعد موجة الجفاف التي ضربت المنطقة، إذ يخشى التاجر، بحسب قوله، أن يعجز المربي عن السداد في ظل خسارة القطعان قيمتها، وصعوبة بيع الأغنام بأسعار عادلة، وقال، “من أجل شراء طنين من العلف أُجبرت على إحضار شخص موثوق ليكفلني لدى التاجر، وتعهدت للتاجر بكتابة سند ضمان بالسداد”.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.