– شعبان شاميه

تزخر منطقة الساحل السوري بأعياد ومناسبات شعبية تراثية، تتميز بخصوصية ثقافية تجمع بين طقوس دينية وتراث اجتماعي متجذر في الطبيعة، إذ تتداخل بين التراث الديني (المسيحي والإسلامي)، والتقاليد القديمة التي تعكس ارتباط الإنسان السوري بالطبيعة وتجدد فصولها.

تبدأ الأعياد الاجتماعية في الساحل السوري بعيد “البربارة”، وتليه أعياد أخرى هي “البشارة”، المرتبط بولادة السيد المسيح، ثم عيد “الحلوة”، وصولًا إلى “القوزلّي”، و”القدّاس”، إذ يمثل “القوزلّي” (الميلادي) رأس السنة وفق التقويم الشرقي، ويوافق يوم 13 من كانون الثاني من كل عام.

بداية الحكاية من “البربارة”

تحيي قرى الساحل السوري عيد “البربارة” بطقوس مختلفة نوعًا ما عما هو متعارف عليه، ففي صباح 16 من كانون الأول، تزور النيران المنازل لتطهو عليها الأمهات أكلة “الهريسة” أو “القمحية”، المكونة من حنطة مقشورة ودجاج بلدي أو “حبش”، ولا بد من أن تقلى بالسمن البلدي، والسر في نجاح الطبخة كما يؤكد “أبو علاء” يكمن بـ”خفقها بقوة”.

ويرافق طقس “الهريسة” الذي لا يزال حاضرًا في أغلبية مناطق الساحل السوري، طقس يبدو أكثر جمالية، وهو التباري بإشعال النيران مع بقية حارات القرية، والغلبة لمن تبقى ناره مشتعلة لفترة أطول، “لكن الغلبة تكون دائمًا للسماء”، قال “أبو علاء”، من قرية بلوزة بريف بانياس، في إشارة إلى الأمطار الغزيرة التي تتزامن مع هذه المناسبات غالبًا.

وارتبط بهذه المناسبة الاجتماعية كثير من الأمثال الشعبية، منها “بعيد البربارة بتطلع المي من قدوح الفارة”، في إشارة إلى غزارة المطر، و”إن لم ترو الأرض في عيد البربارة.. فرد قمحك إلى الكوارة” أي حافظة القمح.

و”بعد عيد البربارة بيزيد النهار نطّة فارة”، إذ إن من المعروف أن أقصر نهارات العام في النصف الأول من كانون الأول الذي يقع عيد “البربارة” فيه، ويعتقد الناس بالملاحظة أن النهار يزيد قليلًا ابتداء من تاريخ 16 من كانون الأول.

إضافة إلى الأمثال الشعبية، هناك الكثير من الأغاني التي تتناقلها الصبايا احتفاء بالقديسة بربارة وارتبطت بهذه المناسبة، منها “هاشلة بربارة مع بنات الحارة” التي غنت إحدى نسخها الفنانة الراحلة صباح، وأغنية “كان يا ما كان.. في قديم الزمان.. بنت اسمها بربارة.. مليانة إيمان”.

عيد القديسة “بربارة” عيد مسيحي لكنه تحول إلى عيد محلي في الساحل السوري يحتفلون فيه من مختلف الأديان، وكذلك مختلف الطوائف المسيحية مع بعض الاختلافات في الأيام، فهناك من يحتفل به في 4 من كانون الأول، وآخرون في 16 أو 17 من الشهر ذاته.

الباحث في الموروث الشعبي حيدر نعيسة، أوضح ل أن “البربارة” في الساحل السوري أولى مناسبات الشتاء، وهي احتفال شعبي يتم فيه إحياء ذكرى القديسة “بربارة”، مشيرًا إلى أن هذه المناسبة توافق يوم 17 من كانون الأول وفق التقويم الميلادي الغربي الموافق ليوم 3 من كانون الأول الميلادي الشرقي.

وتتوالى الاحتفالات بالمناسبات المتتابعة، بدءًا من يوم “البربارة” حتى يوم “القدّاس” الذي يحل في 19 من كانون الثاني الميلادي الغربي، والموافق لـ6 من كانون الثاني الميلادي الشرقي، بحسب نعيسة، وإذا ما صادف يوم الأربعاء مثلًا إحياء “البربارة” فإن كافة المناسبات التالية تصادف يوم الأربعاء أيضًا، بفارق أسبوع واحد بين كل مناسبة وأُخرى.

يشرح نعيسة أن الاحتفال بعيد “البربارة” لدى أبناء الساحل من غير المسيحيين يكون بإعداد أكلة “الهريسة” التراثية، التي تعتمد على القمح المقشور بشكل رئيس، مبينًا أن إطعام الجيران منها ونثر حبوبها في مجاري المياه ليدفق الخير والمواسم كالماء، وينثر منها كذلك أيضًا للدجاج وتطعم منها الدواب، وبذلك تشارك الأسرة وجيرانها وأنعامها الطعام، وهو ما يعد من أبرز طقوس هذه المناسبة.

“البشارة” و”الحلوة”

يمنى (62 عامًا) من منطقة الخراب بريف محافظة طرطوس، قالت ل، إن الأهالي في الساحل السوري يحتفلون بعيد “البشارة” من خلال تقاليد وعادات مميزة تجمع الطوائف على المحبة، أبرزها إعداد “الكبيبات بسلق”، التي تحمل نكهة خاصة من المطبخ السوري التقليدي.

هذه المناسبة ليست مجرد طقس ديني، بحسب السيدة الستينية، بل فرصة لتعزيز الروابط الاجتماعية بين العلويين والمسيحيين، لافتة إلى أن عيد “البشارة” يحمل معاني دينية عميقة، إذ يذكّر ببشارة الملك جبرائيل للسيدة مريم العذراء بميلاد السيد المسيح، ويأتي قبيل رأس السنة الميلادية.

“الكبيبات بسلق” هي أكلة تراثية شتوية من الريف الساحلي، خاصة أرياف بانياس وجبلة، أوضحت يمنى، إذ تختلف عن “الكبة” التقليدية إلى حد كبير، حيث تُحضّر من البرغل الناعم وتُحشى بالسلق المقلّى بالبصل وزيت الزيتون، وتُسلق بدلًا من أن تُقلى أو تُشوى، وتقدّم مع “صلصة” خاصة بها تحتوي على زيت الزيتون والثوم ودبس الفليفلة الحارة والليمون الحامض.

ومن الطقوس المتبعة لدى بعض الأهالي والمرتبطة بعيد “البشارة”، وضع حبة حمّص ترمز إلى “السعد”، وحبة فاصولياء ترمز إلى “النحس”، إذ يُعتقد أن من يحصل على حبة الحمّص تكون بشارة خير له في السنة الجديدة، فيما يُطلب ممن يحصل على حبة الفاصولياء توخي الحذر، إلا أن ذلك لا يتعدى كونه تقليدًا شعبيًا للترفيه والتسلية.

أضافت يمنى أيضًا أن الأهالي في الساحل السوري اعتادوا الاحتفال بعيد “الحلوي”، بحسب لهجة السكان المحليين، وذلك في الأسبوع الثالث بعد عيدي “البربارة” و”البشارة”، مشيرة إلى أن هناك أنواع حلويات متوارثة في جبال الساحل لهذه المناسبة كالحلاوة المهروسة والدبس والتلاج والهريسة والعوّامة.

أشار الباحث في الموروث الشعبي حيدر نعيسة، إلى أن أكلات “الحليويات” (البشارة والحلوة) تختلف عن “البربارة”، إذ تعتمد على الطحين والحليب والبرغل والزيت، لا سيما “الزليبة” والأقراص المحشوة باللحم والسلق والبصل والبهارات.

ويستحب احتفال الجميع بها، وفق نعيسة، لدرجة القول إن “الحلوة الأخيرة” تسمى “الحلوة الفارغة”، وهي تدعو على من لا يحتفل بها بالقول “الله يفرغ البيت الذي يفرغ مني!”.

وأضاف نعيسة أن بعد “الحليويات” يأتي عيد ميلاد السيد المسيح، وفيه تقام الصلوات في الكنائس عند المسيحيين، وفي المنازل عند غيرهم من أبناء الساحل، إذ يحتفل فيه أبناء الريف الساحلي، وفيه يتم جلخ البرغل باللحم والزيت وتناوله وتوزيعه والدعاء بالقبول.

“القوزلّي”.. إحياء رأس السنة الشرقية

مهما تردى الواقع الاقتصادي، لا بد من لمّة جميلة للعائلة للاحتفال بمناسبة رأس السنة الشرقية أو “القوزلّي” وممارسة طقوسها المميزة، حال معظم أهالي الجبال والأرياف في الساحل السوري منذ مئات السنوات، في 13 من كانون الثاني من كل عام، وبفارق 13 يومًا عن التقويم الميلادي الغربي.

قالت فريدة (50 عامًا)، من قرية تعنيتا بريف بانياس، ل، إنه في هذه المناسبة يتم تحضير نوع خبز مشوّش (عدة طبقات) يسمّى خبز ”الميليدي” أو ”الفطير” مكوّن من الطحين، زيت الزيتون، السمسم، وأحيانًا تُضاف إليه حبة البركة أو أعشاب أخرى، إذ يخبز ويُلزق على جدران التنور.

وأضافت أن الاحتفال بـ”القوزلّي” (الميليدي) يعتمد على اللحوم الحمراء كمادة أساسية، ويختلف نوع اللحم بين منزل وآخر تبعًا لعدد أفراده وظروفهم المعيشية، منهم من يذبح خروفًا وآخر قد يحتاج إلى عجل حتى تكتمل مائدته، وهذا ما تغيّر جذريًا منذ سنوات طويلة مع بدء الحرب السورية حتى أصبح من يحظى بكيلو لحم في هذا اليوم “بيته برأس القلعة”، على حد وصفها.

“القوزلّة” اسم مشتق من فعل “قزل” الآشوري أي أشعل النار، وفقًا لكتاب “اللاذقية حضارة المتوسط الأولى”، ويستخدم في العامة “قوزل” أي شارك بالاحتفال بمناسبة “القوزلّة”، وتعني أيضًا “قوزي-زَلبة” و”القوزي” هي لحم الضأن، و”الزَلبة” هي لحم العجين المحشو والمقلي.

“بعد العيد ما في كعك” و“بين القوزلّي والقدّاس بيت الفلاح ما بينداس”، والعديد من الأمثال الشعبية الأخرى في الساحل السوري مرتبطة بإحياء “القوزلّي” أو الاحتفال برأس السنة الميلادية على التقويم الشرقي.

ويحتفل بـ”القوزلّي” حتى يومنا هذا في العديد من القرى في الساحل السوري كعرامو ودمسرخو وكرسانا وجناتا وقرى بانياس وجبلة، كما يحتفل فيها بعض أهالي الداخل والسهل والجبل.

“أبو محمد” (65 عامًا) من قرية دمسرخو بضواحي مدينة اللاذقية، قال ل، إن عيد “القدّاس” في الساحل السوري طقس اجتماعي قديم له دلالات دينية، عايشه منذ طفولته، مؤكدًا أنه يشبه عيد “الغطّاس” عند المسيحيين لناحية الماء والتطهّر.

وأضاف “أبو محمد” أنه في هذا اليوم كان الأهالي يستيقظون باكرًا، ويتوجهون برفقة أطفالهم إلى النبع أو الساقية، إذ تكون المياه شديدة البرودة للغطس فيها، مشيرًا إلى الاعتقادات بطهارة وبركة مياه “القدّاس” ودلالاتها المرتبطة بالبدايات الجديدة.

وتحدث “أبو محمد” عن تراجع هذه الطقوس اليوم إلى حد كبير، إلا أن بعض الأهالي على قلتهم لا يزالون يحافظون عليها باستخدام مياه “الحنفية” بشرط أن تكون باردة، لافتًا إلى أن المناسبة لا تقتصر على الغطس بالمياه الباردة، بل يعد يومًا للصلاة واللمّة والمصالحات بين الناس، إضافة إلى “عيديات” الأطفال.

وأشار “أبو محمد” إلى استمراره باتباع هذه الطقوس في منزله لغاية اليوم، إذ يضع غصن زيتون على باب البيت، كما أن بعض الأهالي يضعون الريحان أو غصون الزيتون في قدور المياه الباردة ليلًا قبل أن يغتسلوا ويغطسوا بها صباحًا بسبب الدلالات المباركة لهذه الأشجار.

ويعد عيد “القدّاس” تاريخيًا طقسًا كنعانيًا فينيقيًا، كان يجري الاحتفال به قبل انتشار المسيحية، وهو عيد يرتبط بالطبيعة السورية، وخاصة الماء كمصدر للخصب ورمز للحياة، وقد أدخله المسيحيون في عقيدتهم وحافظوا عليه، إذ إن “التعميد” واجب ديني من أساسيات الدين المسيحي يترافق مع طقوس الصلاة، واحتفل به كذلك في الساحل السوري مع انتشار الإسلام بعد إضافة بعض الطقوس إليه.

المناسبة الأبرز، وفق الباحث في الموروث الشعبي، هي “القوزلّة” أو عيد رأس السنة الشرقية، ويحتفل بها من خلال إشعال النيران في أكوام الحطب لحظة غياب الشمس أو عند غطس الشمس الظاهري في البحر، وذلك إحياء لذكرى نجاة إبراهيم عليه السلام من نار النمرود بن كنعان ونبات النرجس من رمادها.

وعندها تذبح كل أسرة، سابقًا، جديًا أو خروفًا، إذ تراجع ذلك إلى حد كبير بسبب الظروف الاقتصادية، وتعقد الدبكات الشعبية حول النيران وتردد الأغاني والأهازيج، وفي اليوم التالي قبل طلوع الشمس يقوم الجميع بزيارة المقابر وقراءة الفاتحة، وعبارة المعايدة المستخدمة في هذه المناسبة “عيد مبارك عليك”، ويتبادل الناس الزيارات ويتصالح المتخاصمون وتعقد السهرات وتطول اللقاءات على مدى ستة أيام تنتهي بعيد “القدّاس”، تابع نعيسة.

ويرتبط عيد “القدّاس” في الساحل السوري، بحسب نعيسة، بإحياء ذكرى تعميد السيد المسيح عليه السلام بمياه نهر الأردن على يدي النبي يحيى عليه السلام.

تأتي “القوزلّي” في وسط الشتاء عند مرور 20 يومًا على بدايتها، بذلك يتبقى 20 يومًا أخرى إلى أن تنتهي ويأتي دور “السعودات” الأربعة، ومدة كل منها 12 يومًا ونصفًا حتى الظهيرة وباكتمالها (50 يومًا) مع أربعينية الشتاء، ينقضي الشتاء ويحلّ الربيع، حيث النور والدفء والخضرة والحياة، ختم الباحث في الموروث الشعبي حيدر نعيسة حديثه ل.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.