في خطوة استراتيجية جديدة، اتحدت أكبر ستة اقتصادات في الاتحاد الأوروبي لتشكيل مجموعة “E6” لتنسيق جهودها المالية وتعزيز التكامل الاقتصادي، في مواجهة الضغوط المتزايدة من الولايات المتحدة والصين، بحسب تصريحات وزير الاقتصاد الإسباني كارلوس كويربو لمجلة “بوليتيكو”.
وقال كويربو إن تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بضم جرينلاند شكّلت “لحظة اليقظة” لأكبر ستة اقتصادات في القارة؛ لتوحيد جهودها وتسريع إصلاحات الأسواق المالية.
وأوضحت المجلة أن المجموعة الجديدة، التي أُطلق عليها في بروكسل اسم “E6″، تشكّل نادٍ حصرياً يضم أكبر ستة اقتصادات في الاتحاد الأوروبي: فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا وبولندا، وتهدف إلى كسر الجمود السياسي الذي أعاق جهود إنشاء سوق مالية على غرار السوق الأميركية خلال العقد الماضي.
وتخشى الدول الست من أنه، في حال عدم اتخاذ أي خطوات، قد تتراجع قدرة الاقتصاد الأوروبي على مواكبة الولايات المتحدة والصين، وأن يتعرض لضغوط أكبر في عالم جيوسياسي أصبح أكثر اعتماداً على المصالح والمعاملات المباشرة.
وأضاف كويربو أن الهدف يتمثل في “طرح المناقشات الحساسة سياسياً على طاولة النقاش لفتح الملفات التي ظلت مغلقة حتى الآن”، مؤكداً أن “بناء هذه الجسور قد يمثل خطوة أولى جيدة نحو التوصل لحل شامل”.
انتقادات أوروبية
ولفتت المجلة إلى أن النادي سيساعد الدول الست أيضاً على التنسيق قبل اجتماعات مجموعة السبع، التي تضم أيضاً كندا واليابان والولايات المتحدة، في قضايا استراتيجية، مثل تأمين الوصول إلى المواد النادرة الحيوية، في أعقاب تهديدات الصين بتقييد صادراتها.
وذكرت المجلة أن نادي “E6” انعقد مرتين فقط حتى الآن، ويسعى لتقديم مقترحات محددة لقادة الاتحاد الأوروبي في قمة المجلس الأوروبي المقررة في مارس.
وأعرب منتقدون، من بينهم إيرلندا والبرتغال، عن خشيتهم من أن يؤدي هذا التكتل السداسي إلى ظهور ما وصفوه بـ”أوروبا ذات سرعتين”، حيث قد تُهمّش الدول الكبرى أصوات الدول الأصغر في حال اختلافها مع أجندة “E6″، لا سيما في ما يتعلق بإنشاء هيئة رقابية تشرف على أكبر المؤسسات المالية في الاتحاد.
وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، قد اقترحت أن تتجه الدول الأوروبية إلى تشكيل مجموعات أصغر، والسعي نحو التكامل المالي عبر “التعاون المُعزَز”، في حال لم يحرز الاتحاد تقدّماً في ما يُعرف باتحاد الادخار والاستثمار قبل يونيو.
“النظام 28”
وأوضح التقرير أن فون دير لاين ستُعد خارطة طريق تسعى مجموعة “E6” للإسهام فيها، تشمل قائمة بالإصلاحات ومواعيد نهائية لمناقشتها من قبل القادة. وأول سياسة ملموسة للمفوضية ستكون ما يُعرف بـ”النظام 28″، وهو إطار قانوني على مستوى الاتحاد الأوروبي من المقرر إطلاقه في 18 مارس، لتقديم قواعد موحدة للشركات تسهّل عملها عبر الدول الأعضاء.
وأشارت “بوليتيكو” إلى أن الشرارة التي أدت إلى ظهور “E6” جاءت خلال إفطار وزاري في بروكسل خلال يناير الماضي، عندما بلغ إحباط كويربو من تقاعس الاتحاد الأوروبي ذروته.
اضطراب بسبب ترمب
وأوضحت المجلة أن ترمب أحدث اضطراباً في حلف الناتو بمطالبه المتجددة بامتلاك جرينلاند، بعد الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من السلطة، غير أن هذه المواضيع لم تُدرَج ضمن جدول أعمال مجلس الشؤون الاقتصادية والمالية الشهري للوزراء، ما أثار غضب كويربو، الذي أعرب عن استيائه لغياب النقاش السياسي حول علاقة أوروبا بالولايات المتحدة.
ووفقاً لـ”بوليتيكو”، لم يكن من الممكن أن تأتي تصريحات كويربو في وقت أفضل لوزيري المالية الفرنسي والألماني، فقد التقى الوزيران رولاند ليسكور ولارس كلينجبايل، قبل 24 ساعة فقط لمناقشة كيفية إحياء المبادرات الاقتصادية الأوروبية المتوقفة. ووصلت الدعوات لعقد اجتماع افتراضي بين دول “E6” في غضون أسبوع.
وقال كويربو: “لقد ضغط لارس ورولاند لعقد اجتماعنا نحن الستة، وهكذا بدأت الأمور”. وركّزت مناقشات الاثنين على تعزيز سلاسل التوريد للمواد النادرة الحيوية، وكيفية تسريع وتيرة تعميق الأسواق المالية للاتحاد، بما في ذلك تخفيف الإجراءات البيروقراطية وإطلاق “النظام 28”.
وأضاف أن الاجتماع المقبل لـ”E6″ المقرر في 9 مارس سيركز على تشجيع الاستثمار في قطاع الدفاع، وكيفية تعزيز مكانة اليورو على الساحة الدولية.
وأشارت المجلة إلى أن ردود الفعل على إنشاء المجموعة كانت متباينة؛ فبينما رأى البعض أن “E6” قد يؤدي إلى تغيير حقيقي، يخشى آخرون أن تتوارى أصواتهم في خضم السعي لتحقيق تقدم سريع، بينما يرى فريق ثالث أن الدول الست قد تواجه صعوبة في إيجاد أرضية مشتركة على الإطلاق.
ونقلت “بوليتيكو” عن وزير المالية البرتغالي، جواكيم ميرندا سارمينتو، قوله إن على الدول الست احترام معاهدات الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع مجموعة اليورو، الاثنين، وذلك بعد أن أطلع الوزير الألماني لارس كلينجبايل نظراءه على مناقشات “E6″، وهو ما فشل في تهدئة جميع الوزراء المشككين ومساعديهم.
وأوضح دبلوماسي حضر اجتماع مجموعة اليورو أن “الرقابة الأوروبية كانت القضية الأبرز”، متابعاً: “متفاجئ من أن العديد من الناس لم يتحدثوا بشأن هذا الأمر”.
حشد الدعم على مستوى القارة
وأكد التقرير أن مجموعة “E6″، من الناحية القانونية، تحتاج إلى دعم 9 دول على الأقل للمضي قدماً في التعاون المعزز، وحتى مع ذلك، فإن الحل القانوني لا يكون ممكناً إلّا في حال فشل أي مبادرة في حشد الدعم الكافي على مستوى الاتحاد الأوروبي.
وفي الوقت نفسه، يتطلب ضمان أغلبية مؤهلة لتمرير التشريعات دعم 15 دولة تمثل 65% على الأقل من إجمالي سكان الاتحاد الأوروبي، لذا، ستحتاج مجموعة الدول الست الأوروبية إلى حلفاء لتحقيق أهدافها في جميع الأحوال.
ولطمأنة الدول بشأن مجموعة “E6″، قال كويربو إنه يشجع الدول الأخرى على الانضمام إلى منتديات نقاش بديلة، مثل “مختبر التنافسية”، وهو منصة مفتوحة أُطلقت قبل عام لتطوير مبادرات مشتركة بين الحكومات الراغبة في تعميق أسواق رأس المال.
وحث كويربو الدول المتشككة على وضع ثقتها في مبادرات جديدة تتجاوز آلة التشريعي “المتعثرة” في بروكسل، بحسب المجلة.
واختتم الوزير الإسباني تصريحاته قائلاً: “لا توجد خطوط حمراء في المناقشات داخل هذه المجموعة، وأعتقد أن ذلك يجب أن يكون لصالح الجميع”.
