يشتد التنافس بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ في أميركا اللاتينية، مع تأكيد بكين أنها ماضية في ترسيخ حضورها السياسي والاقتصادي بالمنطقة، فيما تسعى إدارة الرئيس الأميركي لتعزيز نفوذ واشنطن في نصف الكرة الغربي، ما ينذر بمرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي.

وقالت صحيفة “وول ستريت جورنال”، في تقرير نشرته، الأربعاء، إن الصين تعتزم مواصلة لعب دور فاعل في أميركا اللاتينية، التي لطالما نُظر إليها باعتبارها “الفناء الخلفي” للولايات المتحدة.

وذكرت الصحيفة أن إدارة دونالد ترمب وجهت انتقادات مبطنة إلى الصين في استراتيجيتها للأمن القومي، متعهدة بـ”استعادة التفوق الأميركي في نصف الكرة الغربي” و”حرمان المنافسين من خارج هذه المنطقة من النفوذ”.

اهتمام صيني بأميركا اللاتينية

بعد أقل من أسبوع على صدور الاستراتيجية الأميركية، في ديسمبر الماضي، أصدرت بكين وثيقة سياسات لم تحظ باهتمام واسع بشأن أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، لكن يرى محللون جيوسياسيون أنها تنذر بمزيد من التنافس بين البلدين على النفوذ في المنطقة.

أفادت الوثيقة، التي تُعد الأولى من نوعها بشأن المنطقة منذ قرابة عقد، بأن “الصين وقفت دائماً جنباً إلى جنب مع دول الجنوب العالمي، بما في ذلك أميركا اللاتينية والكاريبي، في السراء والضراء”.

وذكرت الوثيقة أن “تحولاً كبيراً يجري في ميزان القوى الدولي”، وهو تعبير يستخدمه الرئيس الصيني شي جين بينج للدلالة على أن عصر الهيمنة العالمية الأميركية يقترب من نهايته.

وأشارت الصحيفة الأميركية إلى أن الصين تواكب كل تحدٍ رئيسي يخوضه ترمب في أميركا اللاتينية، من إضعاف نظام فنزويلا، إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية على قناة بنما.

ويُنظر إلى ذلك بوصفه رد، وإن كان معتدلاً، على ما تعتبره بكين تطويقاً لأراضيها عبر منظومة التحالفات العسكرية الأميركية في آسيا.

الصين.. بديل لأميركا في نصف الكرة الغربي

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، ومقره واشنطن، يعتبر أن “التنافس بين القوى الكبرى في المنطقة بدأ للتو”، وأن “الخطة السياسية الصينية تُظهر نية توسيع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية في أميركا اللاتينية، وتقديم نفسها كبديل للولايات المتحدة”.

وقال رايان بيرج، أحد المشاركين في إعداد تحليل مركز CSIS إن “استراتيجية الصين تقوم أساساً على عدم التنازل قيد أنملة”.

وذكرت “وول ستريت جورنال” أن الصين تعزز نفوذها السياسي في المنطقة من خلال الإنفاق على مشروعات البنية التحتية، واستخراج المعادن الحيوية والطاقة وغيرها من الموارد الطبيعية، بالتوازي مع نشاط دبلوماسي مكثف عبر سفاراتها للتواصل مع مراكز القوى السياسية المحلية. 

وأشارت بكين إلى أن 24 دولة في المنطقة باتت موقعة على مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، مقارنة بعدم وجود أي دولة قبل عام 2017، كما أزاحت الصين الولايات المتحدة لتصبح الشريك التجاري الأكبر للعديد من دول أميركا اللاتينية.

الضغوط على فنزويلا اختبار لبكين

يمثل تشدد ترمب تجاه نظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو “اختباراً مبكراً” لأولويات الصين ومزاعمها بوجود “شراكة استراتيجية شاملة” مع كاراكاس. 

وفي المقابل، نددت بكين بما سمته “الهيمنة غير القانونية والتنمر الأحادي” في إشارة إلى الحشد العسكري الأميركي حول فنزويلا، بما في ذلك اعتراض ناقلات نفط يُشتبه في أنها جزء من “أسطول شبح” للالتفاف على العقوبات، وينقل النفط أيضاً إلى الصين. 

وخلال اجتماع لمجلس الأمن في 23 ديسمبر الماضي، شن نائب الممثل الدائم للصين لدى الأمم المتحدة سون لي هجوماً حاداً على الولايات المتحدة دفاعاً عن فنزويلا، قائلاً: “نحن نقف ضد أي تحرك ينتهك مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ويمس سيادة الدول الأخرى وأمنها”. 

وأشارت الصحيفة الأميركية إلى أن بكين بعثت مؤخراً رسالة استفزازية عندما عرضت وسائل إعلام رسمية محاكاة لمناورات حربية في نصف الكرة الغربي.

وقالت هيئة الإذاعة والتلفزيون الصينية إن هذه المناورات الحاسوبية تهدف إلى إظهار استراتيجيات التعاون بين الإنسان والآلة، لكنها أظهرت أيضاً قوات صينية تواجه سفناً وطائرات قرب كوبا والمكسيك.

وذكر ليلاند لازاروس، الدبلوماسي الأميركي السابق الذي قدم استشارات لوزارة الحرب الأميركية (البنتاجون) في ملفات أميركا اللاتينية والصين، أن “هذه الإشارات، حتى وإن كان العمل العسكري الصيني في المنطقة يبدو مستبعداً على المدى القريب، تُعد تذكيراً بأن طموحات بكين لم تعد اقتصادية بحتة”. 

واعتبر لازاروس أن “واشنطن تشعر بالقلق من مساعي بكين لتطوير شبكة عالمية من نقاط الدعم الاستراتيجي”، قد تحول الموانئ إلى مراكز لوجستية لجيشها، بما في ذلك نقطة محتملة في كوبا.

وفقاً لتقرير سنوي غير سري قُدم إلى الكونجرس في ديسمبر، أشار “البنتاجون” إلى أن كوبا هي الدولة الوحيدة في الأميركتين التي ربما درست الصين إمكانية إنشاء قاعدة عسكرية فيها.

وأضاف أن بكين حققت اختراقات عبر أدوات “القوة الناعمة”، ومن خلال مساعدة دول على إطلاق أقمار صناعية.

ولفتت “وول ستريت جورنال” إلى أن سياسة إدارة ترمب تجاه الصين ركزت على الإبقاء على التجارة في المنتجات الزراعية والمعادن الأرضية النادرة، مع تقييد صادرات التكنولوجيا الأميركية التي ربما تعزز القدرات العسكرية الصينية.

ورداً على سؤال بشأن موقف الصين في أميركا اللاتينية، قالت نائبة المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، إن إدارة ترمب “تحركت بسرعة تاريخية لاستعادة القوة الأميركية في الداخل والخارج، وإحلال السلام في العالم”. 

ولم توضح الصين سبب نشرها وثيقة الاستراتيجية الخاصة بأميركا اللاتينية في هذا التوقيت، خاصة أنها موسعة بشكل ملحوظ عن الوثيقة الرسمية السابقة التي كُشف عنها عام 2016، لتشمل مبادرات تتعلق بالأمن والحوكمة.

بنما.. ساحة تنافس بين واشنطن وبكين

اعتبرت “وول ستريت جورنال” أن بنما تجسد بوضوح التنافس المحتدم بين الولايات المتحدة والصين، إذ كانت في صلب استعراض مبكر للقوة الإقليمية من جانب ترمب عندما تعهد باستعادة السيطرة على قناة بنما. 

ومنذ توليه المنصب في يناير 2025، رأى ترمب أن بكين تتمتع بنفوذ كبير في بنما التي أعلنت بعد ذلك بفترة وجيزة أنها ستنسحب من مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، كما تغيّب رئيسها عن قمة دعا إليها الرئيس الصيني، مع قادة أميركا اللاتينية، في مايو الماضي. 

ورحب ترمب بصفقة أُعلن عنها في مارس الماضي، بدت وكأنها صممت لاسترضائه، إذ تعتزم مجموعة مدعومة من شركة BlackRock شراء حصة السيطرة على موانئ مناولة الحاويات عند طرفي قناة بنما من شركة تتخذ من هونج كونج مقراً لها، كانت تدير تلك الموانئ منذ عام 1996، في خطوة اعتُبرت أقوى مؤشر على النفوذ الصيني في المنطقة.

غير أن بكين، بحسب “وول ستريت جورنال”، مارست ضغوطاً على كبار رجال الأعمال والشركات المشاركة في الصفقة لإعادة صياغة شروطها بما ينقل السيطرة إلى شركة Cosco، وهي مجموعة شحن مملوكة للدولة الصينية.

وفي خطوة أقل أهمية، أمر عمدة مدينة ملاصقة للممر المائي، نهاية الأسبوع الماضي، بهدم حديقة بنتها الصين كرمز للصداقة بين البلدين، ما أثار غضب السفارة الصينية في بنما. 

أكدت الوثيقة الاستراتيجية الصينية أن الأولوية القصوى لسياسة بكين تجاه أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي تتمثل في قطع ما تبقى من علاقات للمنطقة مع تايوان.

وتضم المنطقة 7 من أصل 12 حكومة في العالم لا تزال تقيم علاقات دبلوماسية مع الجزيرة، من بينها جواتيمالا وباراجواي وهايتي.  

وتعهدت الصين بتقديم مزايا غير محددة للدول التي تغيّر سياساتها الخارجية وتقبل بمبدأ “الصين الواحدة”، وأقدمت عدة دول بالفعل على ذلك في السنوات الأخيرة، من بينها بنما.

وأشارت الصحيفة الأميركية إلى أن هندوراس انتخبت مؤخراً نصري عصفورة رئيساً للبلاد، وهو المرشح المدعوم من ترمب، الذي عارض خلال حملته قرار بلاده عام 2023 إقامة علاقات دبلوماسية مع بكين، وقال إنه سيدرس إعادة العلاقات مع تايوان.

ولا تذكر استراتيجية الأمن القومي الأميركية الصين صراحة في عرضها لما تسميه “مبدأ ترمب” المكمل لمبدأ مونرو، وهو التحذير الذي أُطلق في القرن التاسع عشر إلى القوى الاستعمارية الأوروبية، ومفاده أن الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة في نصف الكرة الغربي. 

غير أن الصين بدت التحدي الواضح للولايات المتحدة في الجزء الذي أشارت فيه الوثيقة إلى “التكاليف الخفية” للمساعدات الخارجية، والتي تظهر في شكل “عمليات تجسس، ومخاطر سيبرانية، وفخاخ ديون”، وفق الصحيفة. 

شاركها.