الرقة – أحمد الحمدي
على أعتاب البناء السكني الذي يتألف من خمسة طوابق، يقف سامر المفضي (38 عامًا)، وهو يراقب فوهة نفق كانت قد حفرته “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، خلال فترة سيطرتها على الرقة.
قال سامر ل، إن فوهة النفق التي أمام البناء الطابقي الذي يسكنه في حي الفردوس بمدينة الرقة، هي نقطة بداية لنفق من شبكة الأنفاق التي تمتد تحت كثير من الأبنية الطابقية في المدينة.
وأضاف أن زوال حكم “قسد” عن المدينة لم يكن حدثًا عابرًا، إذ إنه يشكل نقطة بداية لكثير من القضايا التي تحتاج إلى حل، وأبرزها على ما يبدو خلال الوقت الحالي، الأنفاق التي باتت تركة ثقيلة تضاف إلى ما خلّفته “قسد” بالرقة بعد سنوات من السيطرة.
شبكات واسعة من الأنفاق
خضعت مدينة الرقة وأجزاء كبيرة من المحافظة لسيطرة “قسد” بدءًا من تشرين الأول عام 2022، حتى منتصف كانون الثاني الماضي، حيث خرجت القوات باتجاه محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، بعد تصعيد عسكري استمر عدة أيام، سيطر خلاله الجيش السوري على محافظتي الرقة ودير الزور وريف حلب الشرقي، باستثناء مدينة عين العرب/كوباني.
وخلال سيطرتها على الرقة، لجأت “قسد” إلى حفر شبكة من الأنفاق حالها حال عدة مناطق خضعت لسيطرتها ولا سيما في المناطق الحدودية في ريفي الحسكة وحلب، إلا أن وجود تلك الأنفاق بات يقلق سكان المدينة وخصوصًا في الأحياء السكنية التي تحوي أبنية طابقية.
وتتوزع شبكات الأنفاق على معظم أحياء مدينة الرقة وريفها، وقد اعتمدت “قسد” في حفرها على مقاولين مقربين منها كانوا يشكلون ورشات من العمال بأجر يومي قد يصل أحيانًا إلى 20 دولارًا أمريكيًا لكل عامل.
وكشفت معطيات ميدانية عن قيام “قسد” بحفر شبكة واسعة من الأنفاق في مدينة الرقة وريفها خلال فترة سيطرتها على المنطقة، شملت أحياء المشلب والدرعية والسباهية وحطين والفردوس، إضافة إلى مناطق ريفية شمالًا وشرقًا وجنوبًا.
وبحسب مصادر محلية، جرى تقديم هذه الأنفاق آنذاك على أنها جزء من “إجراءات أمنية” أو “تحصينات عسكرية”، غير أن تداعياتها تجاوزت البعد العسكري لتتحول إلى خطر مباشر على حياة المدنيين وسلامة البنية التحتية في المدينة.
وأفادت المصادر بأن عددًا كبيرًا من هذه الأنفاق حُفر أسفل منازل مأهولة بالسكان أو بمحاذاة مدارس ومساجد، من دون الالتزام بأي معايير هندسية أو اتخاذ تدابير وقائية لحماية الأهالي، ما تسبب بحدوث انهيارات أرضية جزئية وتشققات في عدد من الأبنية السكنية.
وأكد سكان متضررون أن وجود فراغات تحت منازلهم خلق حالة من القلق الدائم، خاصة في ظل عدم معرفتهم بمسارات الأنفاق أو مدى استقرار الأرض التي يعيشون فوقها، وسط مخاوف من انهيارات محتملة في أي وقت.
وتشير الوقائع إلى أن هذه الشبكة شكّلت تهديدًا مباشرًا للنسيج العمراني في الرقة وريفها، مع تزايد الأضرار التي لحقت بالمنازل، في ظل غياب أي إجراءات لمعالجة آثار هذه الأنفاق أو تعويض المتضررين.
وأظهرت مشاهد متداولة وبعض التقارير التي نشرتها وسائل إعلام دخلت إلى بعض الأنفاق في الرقة شبكات كبيرة منها، إضافة إلى وجود بعض الأنفاق المجهزة بوسائل التهوية والإضاءة أو حتى وجود غرف للنوم ومطابخ داخلها.
وبعد دخول الجيش السوري إلى الرقة، أصدرت وزارة الداخلية السورية تعميمًا شفويًا منعت بموجبه السكان والإعلاميين من دخول الأنفاق الموجودة في محافظة الرقة، مرجعة ذلك إلى وجود مخاطر قد تصل في بعض الأحيان إلى تفخيخ الأنفاق من قبل “قسد” قبل خروجها من الرقة.
خطر هندسي
الأنفاق المحفورة تحت الأبنية السكنية والطرق في مدينة الرقة، تشكل خطرًا هندسيًا كبيرًا، بحسب ما قاله المهندس المدني عبد الهادي السمير، ل، مشيرًا إلى أنها تسبب تغيّرات في خصائص التربة ودعم الأساسات، ما يؤدي إلى هبوط أرضي، وتصدعات في الجدران، وتشقق الأرضيات، وقد يصل الأمر إلى انهيار جزئي أو كامل لبعض المباني.
وأوضح السمير أن أخطر أنواع الضرر تتمثل في هبوط التربة المفاجئ تحت الأحمال الثقيلة، وانهيار الأساسات القديمة أو غير المصممة لتحمل الفراغات أسفلها، إضافة إلى تدهور شبكات المياه والصرف الصحي، ما يزيد من مخاطر الانهيارات ويعوق مشاريع إعادة الإعمار.
وأشار إلى أن الحلول الهندسية تتطلب أولًا إجراء مسح دقيق لتحديد مواقع الأنفاق وأبعادها وحالة التربة المحيطة، ثم ردمها بمواد داعمة مثل الرمل “المدكوك” أو الخرسانة الخفيفة، مع استخدام دعامات مؤقتة لحماية المباني في أثناء العمل.
ولفت إلى ضرورة تثبيت الأرضيات والأساسات المتأثرة قبل إعادة النشاط السكاني الكثيف.
وأكد أن الإجراءات العاجلة تشمل تقييم المخاطر لكل حي، وإغلاق الأنفاق غير الآمنة، وتعزيز شبكات المياه والصرف الصحي، ووضع خطة مراقبة مستمرة لمنع حدوث هبوطات إضافية، لضمان سلامة المباني واستقرار التربة وإتاحة إعادة الإعمار بشكل آمن.
مجلس المدينة يبدأ العمل
بدأ مجلس مدينة الرقة الذي تولى زمام الأمور الخدمية عقب دخول الجيش السوري إلى المحافظة في 19 من كانون الثاني الماضي، بإجراء دراسات للكشف عن مخاطر الأنفاق الحالية والمستقبلية.
وكشف مدير الشؤون الفنية في مجلس مدينة الرقة، وليد الأحمد، عن رصد فوهات تعود لأنفاق قديمة في عدد من المواقع الحيوية داخل المدينة، وذلك خلال جولات كشف ميدانية أُجريت مؤخرًا لتقييم الأضرار والمخاطر المحتملة.
وأوضح الأحمد، في تصريح ل، أن فرقًا فنية وثّقت وجود فتحات لأنفاق في مواقع متفرقة، من بينها حديقتا “الرشيد” و”البجعة”، إضافة إلى محيط قصر المحافظة، مشيرًا إلى أن هذه المواقع تشكّل نقاطًا حساسة نظرًا إلى أنها مناطق عامة يرتادها المواطنون بشكل يومي.
وبيّن مدير الشؤون الفنية أن مجلس مدينة الرقة لا يمتلك حتى الآن معلومات دقيقة حول الامتداد الحقيقي لهذه الأنفاق، أو مساراتها، أو أعماقها تحت الأرض، لافتًا إلى أن غياب هذه البيانات يزيد من صعوبة تقدير حجم المخاطر التي قد تترتب عليها، سواء على المباني المجاورة أو على السلامة العامة.
وأشار الأحمد إلى أن من المقرر عقد اجتماع قريب مع نقابة المهندسين في الرقة، بهدف دراسة واقع هذه الأنفاق ووضع تصوّر فني لمعالجة آثارها، إضافة إلى بحث آليات الوقاية من أي أخطار مستقبلية قد تنجم عنها.
وأكد أن المجلس يعمل حاليًا على جمع أكبر قدر ممكن من المعطيات الفنية تمهيدًا لإطلاق خطة شاملة للتعامل مع هذا الملف، مشددًا على أن سلامة المواطنين وحماية البنية التحتية في المدينة تمثل أولوية قصوى في المرحلة المقبلة.
وفي نهاية تشرين الثاني 2025، قال المتحدث باسم المجلس المحلي لمدينة رأس العين، زياد ملكي، إن أعمال صيانة شبكات المياه والصرف الصحي في رأس العين وتل حلف لم تُستكمل بعد، بسبب الأضرار الواسعة التي خلّفتها الأنفاق التي حفرتها “قسد” في البنية التحتية.
وأوضح في تصريح ل، أن المجلس أنفق نحو 1.3 مليون دولار على ردم وإغلاق الأنفاق داخل المدينة، لكنه لم ينجز سوى 35% من الأعمال حتى تاريخه، مؤكدًا استعداد المجلس لردم الأنفاق في الأراضي الزراعية عند توفر الإمكانيات اللازمة، حفاظًا على التربة والمحاصيل.
وأضاف ملكي أن المجلس بحاجة ماسة إلى دعم حكومي ومنظمات دولية، نظرًا إلى محدودية إمكانياته، ما يجعل استمرار إصلاح البنية التحتية وإنقاذ الأراضي الزراعية أمرًا بالغ الصعوبة دون تدخل عاجل.
Related
المصدر: عنب بلدي
